هل تحب أن تكون معلمًا؟

إنّ بناء الإنسان وتنشئته تنشئة صالحة لا تكون بتوفير مأكل أو مسكن - رغم أهميتها- لكن تقلّ درجتها مقارنة بالحاجة إلى العلم والتعلّم، فليس غير العلم من سبيل يبني إنسانًا مستنيرًا على أساس لا يخشى معه هلاك أو انحراف أو سقوط في براثن الجهل وظلماته الحالكة الموحشة. 

ففقر اليد يمكن تعويضه بغنى العقل، والتشتت يتبدد بمأوى المعرفة والثقافة التي تقيم حضارة ومدنية حقة. 

لذا فعلى المعلم أن يلم بمجالات الابتكار والتجديد والتطور ومواكبة التقدم الهائل والسريع في جميع المجالات المختلفة ومنها قطاع التعليم وما يتضمنه ويشتمل عليه من ممارسات تعليمية وتربوية، وهي أمور ( أقصد أمور التطوير والتجديد والابتكار) من شأنها أن تحدث نقلة نوعية وتغيير شامل للفرد في نموه المهني، والاجتماعي، أو حتى على الصعيد الشخصي كثقة المعلم بنفسه كونه قادرا وملما بالتغيرات الطارئة والنقلات المفاجئة لشكل ونمط التعليم من حين لآخر.... 

وخير شاهد على ذلك .. أزمة وجائحة كورونا التي أرخت بظلالها على العالم واستوجبت التفاعل السريع من أجل الخروج بحلول جذرية تصلح وتحقق بيئة تعليم آمنة فكان التعليم عن بعد... وحتى نكون صريحين مع أنفسنا لو لم يكن المعلم وقتها مستعدًا أو بالأحرى متمكنا من أدوات التعليم عن بعد لأخفق في أول محاولة له في التوظيف والطرح والتبني لهذا التوجه. 

ففائدة التجديد ومسايرة ومواكبة الأساليب الحديثة في التعليم خاصة التعليم بالتقنية والبرامج الإلكترونية لا شك هدف غالٍ، ومطلب ثمين، ونتائجه لو تحققت كما رسمت له ستكون نتائج مبهرة وغاية في الفائدة. 

زملائي الكرام – لا يخفى على أذهان حضراتكم وأنتم أهل الميدان وأصحاب الدار أن مجالًا كمجال التعليم والتربية موضوعٌ ليس بالسهل وعملٌ ليس بالهين، خاصة لو تنبهنا إلى أننا نشترك جميعا في بناء نهضة وحضارة أمة بأكملها أو بالأحرى ينتظر المجتمع منا إخراج هذا المنتج النهائي الذي يتنقل بين أيدينا جيلا بعد جيل، ومرحلةً بعد أخرى، وفي نفس الوقت يريده بمواصفات مقبولة، تفكير مناسب للعصر، فاعل، ومنتج، وقادر على العطاء في الظروف التي يوضع فيها؛ لتدركوا عظم المسؤولية والتكليف والأمانة التي يحملها كل واحد منا. فإعداد هذا الطالب وتجهيزه وتحضيره وتقديمه للمستقبل يحتاج إلى جهد بعد جهد ، وعمل بعد آخر ويتطلب قضاء ساعات طوال من أجل تخطيط وصياغة -فقط- فكرة معينة في درس تضمن من خلالها وصول المعلومة لجميع الطلاب، واستيعابها بالشكل الصحيح ، وتطبيقها، وتوظيفها التوظيف الأمثل في حياته الواقعية.  فما بالكم بعام كامل أو مرحلة من المراحل الدراسية المختلفة . 

قصدت من ذلك كله القول بأن عملية التعليم عملية حركية مستمرة لا تتوقف، وفي هذا لا بد أن تتصف بالمصداقية والقبول مدخلات، وعمليات، ومخرجات نهائية. 

وعملية إخراج هذا الجيل من الطلاب المتعلمين بالصورة المقبولة التي يرتضيها المجتمع سواء كانت سياسات التعليم ، أو حتى رؤى المجتمع الدولي والمحلي، كذلك سوق العمل، وأيضا ولي الأمر وضرورة أن يكون هذا الطالب ملما بمهارات القرن الحادي والعشرين  

كل ذلك لا يتم إلا من خلال قابلية المعلم في المشاركة في هذا الصنع وهذا البناء ومن خلال نقل تجاربه بكفاءه وفاعلية للطلاب، قدرته على التنوع في أساليب التدريس، مهارته في بناء وسائل تعليمة مناسبة، معرفته الضرورية واللازمة لتوظيف أنشطة تعليمية وتكليفات صفية وغير صفية تشبع ميول ورغبات هؤلاء الطلاب وتحقق أهداف المادة التعليمية إشراك الطالب في العملية التعليمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى . 

وأعتقد أن الغالبية متفقون في أن الطلاب الآن لم يعودوا بحاجة إلى المعارف النظرية المجردة وإن شئنا أن نقول ( المعزولة عن محيطها الواقعي والفكري لظروف العصر الذي يعيشه الطالب ...) 

هو بحاجة لربط هذه المعلومات والتراكمات النظرية مع بعضها البعض ، دمج الأفكار في جميع المواد الدراسية التي يتعلمها الطالب برباط يجعلها في تناغم وبالتالي تتم عملة تكيف وتوظيف مثالي لها جميعا 

كل ما أردت قوله في آخر المطاف أنه: انتهى عصر التلقين والتكديس للمعلومات وكل ما على المعلم فعله في هذا الوقت تحديدًا هو فتح الآفاق والمجال للطلاب ليبحثوا بأنفسهم، يستنبطوا بأنفسهم، يكتشفوا بأنفسهم يحللون، ويقيّموا، ويفسروا، ويعبروا عن آرائه وأفكارهم والمعلم ينظر ويراقب ويوجه ويقوم السلوكات والنتائج.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كل ما أردت قوله في آخر المطاف أنه: انتهى عصر التلقين والتكديس للمعلومات

البارحة طرح أحد الزملاء الأعضاء @Mohammad_Abdelqader موضوعا عن أهمية التلقين بمراحل التعليم المختلفة،

واليوم اقرأ مقال لك يقول انتهى عصر التلقين، ويبدو لي من طرحكما أنكم مختصين بمجال التعلم والتعليم ومارستم المهنة عن قرب، لذا أردت أن أطرح سؤالا عليكما ما هي نتائج المبدأ التعليمي التي تدعون له على الطلاب بمراحل التعليم القادمة، أو بالمستقبل عموما؟

لأوضح أكثر الزميل محمد يدعو لأن التلقين مهم جدا بمراحل التأسيس وبعد ذلك يأتي البحث عندما تكون القاعدة صلبة يمكن البناء عليها، وجئت مصطفى طرحت أن لا للتلقين ونترك مجالا للطلاب للبحث بأنفسهم؟ لكل دعوة من كليكما إن طُبقت كمبدأ تعليمي كيف سينعكس هذا على مستوى الطلاب؟ هذا سؤالي

من حيث المبدأ أرى أنه يمكن للطرحين أن يتفقا. فأنا لست مع استبعاد التفكير النقدي والنقاش والبحث من التعليم، ولكنني ضد تعليم يقلل من تداول المعلومات المهمة داخل القاعة الصفية بحجة أن المعلومة موجودة ويمكن الرجوع إليها وأن المهم نقاش الآراء المختلفة. أتفق بشدة في المقابل مع من يقول بأن العلم يجب أن يكون مرتبطاً بالواقع، وأن تداول أمور عفا عليها الزمن أو اصبحت لها بدائل أكثر فاعلية هو مضيعة للوقت.

Enas_Al_Taher_1 أضف ردا

قبل أن ننتظر من المعلم أن يكون حداثياً تطورياً علينا أن نبيّن أهمية ذلك لوزارة التربية والتعليم أولاً، وللجهات التي يتمّ استشارتها في وضع المناهج التعليمية.

سواء كان التعليم تلقيناً أو بفتح الآفاق.. على المواد أن تكون حيوية تفاعلية تتيح للطالب اكتشاف نفسه وقدراته.

المنهاج والأسلوب الذي درسته أنا درسه أصغر واحد من إخوتي، أين التحديث والتطوير في الأمر؟؟

محزن جداً حين أرى طلبة المدارس والمعاهد الأوروبية والدولية في بلدي يستخدمون وسائل متطورة في التعليم ومناهج جديدة يتم تحديثها كلّ سنة، والمدارس الحكومية والمدارس الخاصة (الخاضعة لقوانين التربية والتعليم) تستخدم ذات الأسلوب وذات الطريقة.

مؤسف عندما يتم تعيين المعلمين يبحثون عن أصحاب الخبرات فقط ذلك الذي له عشرات السنوات في سلك التعليم دون إمكانية الاستفادة من حديثي التخرج والذين بالتأكيد سيكونون أكثر حماسة وقرباً من الطلبة وأكثر اطلاعاً على الأساليب الحديثة في التعليم.

لن ألوم المعلم ففي النهاية هو يطبّق خطة موضوعة قد يحاسب إن فكر بالخروج عنها أو ابتداع طرق غير تقليدية، ولكنني ألوم وزارة التربية والتعليم والعاملين على وضع المناهج واستشاريي التخطيط فيها.

مثلك أؤمن بأن مهمة المعلم أصبحت في تعليم الطلبة كيفية البحث، و لكن بعض الأساتذة يستغلون ذلك من أجل الاستراحة و بدافع الكسل فيطلب من الطلاب البحث متذرعاً بما أسلفته. ما رأيك في ذلك؟ و هل هناك وسائل للتعامل مع مثل هذه الشخصيات؟ و هل أصبح التلقين غير نافع نهائياً؟ أيمكن الغنى عنه؟

لو لم يكن المعلم وقتها مستعدًا أو بالأحرى متمكنا من أدوات التعليم عن بعد لأخفق في أول محاولة له

بالفعل كان هناك الكثير من الإخفاقات من الأساتذة و دكاترة الجامعات وحتى المؤسسات التعليمية بأكملها، وقد كانت هناك دائما مشاكل في الامتحانات وفي التواصل.

نحن بحاجة لأساليب تدريس تفاعلية و منطقية لتنقذ الأطفال من الركود الفكري والجسد الذي حط بهم نتيجة التعلم عن بعد ونتيجة الاستخدام المفرط لأدوات التكنولوجيا وفي سن مبكرة، ولذا بالفعل يجب أن يرحل التلقين والتكديس الذي يهلك الطفل دون وجود أي تطبيق عملي، ولكن أيضا يجب الإبتعاد عن التعليم عن بعد لأنه يفقد عملية التعلم جوه ها التفاعلي الإنساني الذي يصقل المهارات و التصورات أضعاف ما تفعل المناهج المهترئة

أتفق معك بالتأكيد يا صديقي. لكنني أذهب من هذا الاتجاه إلى مسألة أخرى مرتبطة بالأمر نفسه، وهي هيئة المعلم نفسها.

وأستعرض من خلال ذلك تجربتي مع أختي الصغيرة التي لم تبلغ الثالثة عشر بعد، حيث أنني وجدت أن المعلمين في مدرستها في الصف الابتدائي لهم نفس الطابع ونفس الأسلوب الذي تميزوا به عندما كنتُ في مثل سنها.

وعليه، فإن قدراتهم على التواصل مع التلاميذ قد تضاءلت بشكل كبير جدًا والتفاوت بينهم أصبح كبيرًا، نظرًا لأن الجيل الحالي من الأطفال يعتمد على أشكال متباينة أخرى من التلقّي والتفكير، فهل تجدون أن هيئة المعلم نفسه وأسلوبه وطريقة طرحه يجب أن يتمك تغييرها؟