العنف… حين يتحول الصمت إلى صرخه
العنف ليس مجرد فعل جسدي يُمارَس على جسد آخر، بل هو فكرة تُولد في العقول قبل أن تُترجم إلى يد تضرب أو لسان يجرح. منذ فجر التاريخ، والعنف حاضر كظلٍ ثقيل يرافق الإنسان؛ من صراع الأخوين هابيل وقابيل، إلى حروب اليوم التي تُدار بأزرار تضغط عن بُعد.
المفارقة أن الإنسان، الذي وُهب العقل واللغة والفن، ما زال يجد نفسه أسيرًا للغريزة حين يعجز عن الحوار. فيتحول النقاش إلى صراع، والخلاف إلى كراهية، والاختلاف إلى عداوة. وهنا تتجلى خطورة العنف: أنه ليس مجرد جريمة لحظية، بل دائرة متكررة، يولّد فيها الألمُ ألمًا جديدًا، والظلمُ ظلمًا أكبر.
لكن… لماذا يلجأ البشر إلى العنف؟
ربما لأنه أسهل الطرق للتعبير، فالكلمة تحتاج عقلًا وصبرًا، أما الضربة فلا تحتاج إلا إلى يد غاضبة. وربما لأن المجتمعات حين تُهمل قيم العدل والمساواة، تترك الفرد عاريًا أمام قسوته الداخلية، فينفجر على غيره بدل أن يثور على الظلم الحقيقي.
الثقافة هنا تلعب دورًا محوريًا؛ فهي التي تستطيع أن تفتح نوافذ الحوار، وتُعلّم الأفراد كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى معركة. السينما، الأدب، والمسرح ليست أدوات للتسلية فقط، بل جدران واقية ضد العنف، لأنها تُعرّي جذوره، وتكشف نتائجه، وتمنحنا فرصة أن نعيش التجربة دون أن ندفع ثمنها.
إن مقاومة العنف لا تكون بالعنف المضاد، بل ببناء وعي يُقنع الفرد أن القوة الحقيقية تكمن في السيطرة على الذات، وفي تحويل الغضب إلى فكرة، واليأس إلى إبداع. فالتاريخ لم يخلّد أولئك الذين بطشوا، بقدر ما خلد الذين قاوموا العنف بالفكر، وبنوا عالمًا يليق بالإنسان.
التعليقات
لطالما أثار تفكيري سلوك العنف، ألا يخجل الإنسان من نفسه عندما يقع في فخ العنف تجاه الآخر لمجرد أنه لم يجد في عقله ووعي كاف ليستخدم لسانه بدلا من قبضة يده للرد؟ وكيف يتعامل الممارس لسلوك العنف مع ذلك الشعور بالخجل الناجم عن سلوكه غير الحضاري؟
أمر غريب
أحيانا للأسف الشديد يغلب الطبع التطبع، وتغلب الغريزة العقل.
في هذه الحال يجب أن يربي الإنسان نفسه، وأن يتعلم من العلم ما يردع نفسه ويؤدبها، فإذا أدرك الإنسان عقوبة الظلم، وأن رد الظلم بظلم أكبر منه خطأ يأثم صاحبه أيمها إثم، ويقرأ عن عقوبة الظالم في الآخرة... فيمكن أن يربي نفسه في المرات القادمة ويتمكن من تمالك نفسه عندما تهيج به الطباع الغرائز.
العنف وليد الغضب المكتوم ولذا حذرنا النبي عليه الصلاة و السلام من أن نتبع شهوة غضبنا وتفريغها وقال: ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه وقت الغضب. ولكن برأيي ليس هناك مانع من الغضب ذاته و التعبير عنه بالحوار أو الألفاظ لأننا نحتاج أن نغضب أحياناً وقيل أيضًا في هذا: من أُستغضب فلم يغضب فهو حمار! فلا مانع من الغضب بل هو مطلوب أحيانًا ولكن لا يصح أن يترجم الغضب إلى عنف جسدي ويكفي ترجمته فقط إذا أحوجتنا سورته إلى عنف لفظي.
للأسف معظم البشر – إن لم يكن كلهم – يحملون جروحًا نفسية عميقة، ونحتاج جميعًا إلى نوع من العلاج النفسي، بعد هذا الكم الهائل من الضغوط والمهازل التي نراها يوميًا في العمل، في البيت، وفي الشارع. كل واحد منا يحمل داخله ما قد يجعله في لحظة ما يفقد السيطرة على نفسه في لحظة غضب.
لكننا نرجو من الله دائمًا أن يلهمنا الصبر، وأن نكون من الذين ذكروا في القرآن: "الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"، لأن التماسك في زمن الفوضى ليس ضعفًا، بل قوة حقيقية، نحتاجها لنكسر دائرة العنف بدل أن نكون جزءًا منها.
أنت محق العنف يبدأ كفكرة قبل أن يكون فعلاً لكن أرى أن هناك جانبًا آخر وهو أن العنف غالبًا ما يولد من الخوف قبل الغضب الإنسان حين يشعر أنه مهدد أو عاجز يلجأ أحيانًا إلى العنف كآلية دفاع حتى لو لم يكن له مبرر حقيقي ولهذا نجد أن المجتمعات التي توفر الأمان والعدالة تقل فيها نسب العنف بشكل واضح لأن الفرد لا يضطر أن يثبت نفسه بالقوة أيضًا أظن أن العنف ليس دائمًا بين الأفراد فقط بل هناك عنف تمارسه الأنظمة والمؤسسات ضد الناس مثل الحرمان من الحقوق أو القوانين الظالمة وهذا النوع أخطر لأنه يخلق دائرة كبيرة من العنف الفردي كرد فعل طبيعي على القمع أعتقد أن مواجهة العنف تحتاج تربية على الوعي منذ الطفولة أن يتعلم الطفل كيف يعبّر عن غضبه بالكلمة لا باليد وكيف يختلف دون أن يكره لأن العنف لو لم يُكسر مبكرًا يتحول مع الوقت إلى عادة يصعب التخلص منها