مابعد الصمت

مقال بعد صمت

انشغلتُ في الفترة الماضية بأعمالٍ أخذتني بعيدًا عن القراءة والكتابة، حتى خُيّل إليّ أن المزاج الذي كان يقودني إلى الكتاب قد تلاشى، وأن الأفكار انسحبت بصمتٍ دون وداع. ابتعدتُ عن منتديات القراءة والكتابة، وتراكمت المسافات بيني وبين الكلمات التي كانت يومًا ملاذي الأول.

أقف أحيانًا أمام مكتبتي، أتأمل عناوين الروايات المصطفّة بهدوء، كأنها تراقبني بعتبٍ خفي. تراودني رغبة خجولة بفتح إحداها، بقراءة فصلٍ واحد فقط، علّ الحكاية تمسك بيدي من جديد. أفكر في الذهاب إلى المكتبة، في شراء رواية جديدة، لا لشيء سوى لإحياء ذلك الشغف القديم، شغف الاكتشاف والدهشة الأولى.

أشتاق إلى تلك اللحظة التي كنت أمسك فيها الرواية، أتحسس صفحاتها، وأغيب عن العالم لأعيش قصتها. أشتاق إلى القلم حين كان امتدادًا لروحي، وإلى الكتابة حين كانت مساحة للبوح لا التزامًا ولا واجبًا.

أريد أن أستعيد ذلك الإحساس الجميل؛ أن أعود قارئًا يندهش، وكاتبًا يكتب لأنه يحب، لا لأنه مطالب. سأمسك القلم من جديد، وسأعود إلى الرواية، لا بحثًا عن إنجاز، بل عن المتعة… تلك المتعة التي لم تغب، بل كانت تنتظر عودتي بصبر.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مرحبًا بعودتك دائمًا يا ثائر،

أحببت ما طرحته هنا، لأنني أمر بذلك في فترات مختلفة، وأظنني حاليًا أنني في فترة مماثلة، لديَّ كتب كثيرة أتمنى قراءتها، وأريد شراء كتب جديدة، غير طبعًا الكتب التي حملتها رقميًا على هاتفي وحاسوبي، كل ذلك يشعرني -مثلك بالضبط- بالتكاسل أحيانًا، وبالذنب أحيانًا أخرى. ولكن -خطوةً ابتدائيةً- بدأت بقراءة بعض فصول من كتاب خفيف نسبيًا، ولكنه مريح جدًا جدًا، وأشعر برغبتي في العودة للقراءة بسببه، وأحاول أن التزم كتابًا أو كتابين فقط للقراءة في وقت واحد، هذا لأنني بصراحة فضولية جدًا، وكلما جذبني موضوع جديد لكتاب، أبدأ قراءة جزء جيد منه ثم أنتقل لكتاب جديد، ومع الوقت أحاول إنهاء كل الكتب التي بدأتها، ولكن طبعًا فضولي يأخذني مجددًا لكتب جديدة :D

واضح أنكِ لا تمرّين بحالة فتور، بل بحالة حبٍّ زائد للكتب، وهذا فرق مهم جدًا.

أظن أنكِ وصفتِ المشكلة والحل معًا دون أن تشعري:

الذنب لا يأتي من قلّة القراءة، بل من كثرتها غير المكتملة. وهذا شعور يعرفه كل قارئ فضولي حقيقي.

خطوتكِ بقراءة كتاب خفيف ومريح خطوة ذكية وناضجة، لأن العودة لا تحتاج تحدّيًا، بل تحتاج أمانًا. والالتزام بكتاب أو كتابين فقط ليس تقييدًا للفضول، بل تنظيمٌ له كي لا يتحوّل إلى إرهاق.

أما القفز بين الكتب، فأراه عيبًا جميلًا لا يجب محاربته بقسوة؛ يكفي فقط أن نترك لأنفسنا “مرسى” نعود إليه دائمًا، كتاب واحد نكمله مهما انجذبنا لغيره.

الكتب لا تهرب، لكنها تنتظر قارئًا حاضرًا لا مثقَلًا باللوم.

سعيد جدًا بأن كتابًا واحدًا أعاد لكِ الرغبة… هذه علامة مؤكدة أن الشغف لم يختفِ، بل كان يستريح فقط.

استمتعي، وتصالحي مع فضولك، فالقراءة في النهاية متعة لا واجب.

لا أريد أن أفسد عليك الأمر، لكن سأضع ما خطر ببالي هنا،

أشعر وكأن الرغبة في استعادة الإحساس الجميل دومًا تكون هي أكبر عائق أمام الإبداع.

النوستالجيا في الحقيقة هي سم الكاتب؛ لأنها تجعلك تقارن إنتاجك الحالي بذروة خيالية في ماضيك، مما يؤدي بك إلى إغلاق الدفتر مجددًا فور اصطدامك بأول جملة غير مدهشة يخطها قلمك.

أخشى أن يحدث الشيء ذاته معك.

ربما معكِ حق، وربما الخطر ليس في النوستالجيا ذاتها بل في إساءة استخدامها. أنا لا أبحث عن استنساخ ذروة قديمة ولا عن إحساس ماضٍ كامل، بل عن خيطٍ يقودني من ذلك الشعور إلى كتابة جديدة، مختلفة، وأصدق.

الإبداع بالنسبة لي ليس سباقًا مع الماضي، بل تفاوضًا معه: أسمع ما يقوله ثم أكتب رغم ذلك، حتى لو جاءت الجملة الأولى عادية، أو مرتبكة، أو أقل إدهاشًا مما أريد.

شكرًا لأنكِ نبّهتِني إلى هذا الفخ… الوعي به ربما يكون أول خطوة لتجاوزه.

raghd_agaafar أضف ردا

أحسنتم،

المهم أن تكونوا واعيين، لأن النفس فعلًا صعب ترويضها، ومن الممكن أن تدفع الشخص إلى الهاوية دون أن يدري.

مرحبًا بعودتك ومساهمتك هذه يمكن اعتبارها أولى خطوات عودتك للكتابة، أما بالنسبة للعودة للقراءة فيمكن أن يساعد قراءة أعمال لكاتب تحب القراءة له في العادة، أو أن تبدأ بقراءة ولو صفحة واحدة أو فصل واحد في اليوم، أو ربما تبدأ بقراءة القصص القصيرة فعدد الصفحات سيكون قليلًا والقصة برغم ذلك ستكون مكتملة.

أشكرك كثيرًا على هذا التعليق الجميل والداعم. كلامك لامسني فعلًا، وأتمنى أن تكون هذه الخطوة بداية عودة حقيقية للقراءة والكتابة معًا.

عفوًا أ. ثائر. سعدت بعودتك للمنصة وفي انتظار مساهماتك المميزة.