11

هل يصل الكاتب إلى لحظة يكتفي فيها من القراءة؟

كثيرًا ما يُقال إن القراءة وقود الكاتب، وأن القلم بلا كتاب سرعان ما يجف. لكن يراودني سؤال مختلف: هل هناك لحظة يصل فيها الكاتب إلى الاكتفاء، كأن المعرفة التي جمعها عبر السنين تكفيه ليمضي وحده؟

ربما بعد مئات الكتب، وبعد رحلة طويلة مع الفكر والتجارب، يشعر بعض الكتّاب أن ما تبقى ليس إضافة، بل تكرار لما عرفوه من قبل. عندها يتجهون إلى الداخل بدل الخارج؛ يبحثون في ذاكرتهم وتجاربهم الخاصة، ويكتبون من اليقين الذي استقر في نفوسهم، لا من الكتب التي يقرؤونها.

لكن هل الاكتفاء ممكن فعلًا؟ أم أن القراءة، مهما بلغنا من العمر أو التجربة، تبقى نافذة لا غنى عنها؟ حتى أعظم الكتّاب ظلوا يقرأون حتى آخر أيامهم، ليس فقط ليجمعوا معرفة جديدة، بل لأن القراءة في ذاتها تبقي الروح حيّة، وتذكّرنا أن العالم أوسع من يقيننا.

ربما يصل البعض إلى نقطة فتور مع القراءة، فيظن أنه اكتفى. لكن سرعان ما يظهر كتاب واحد يهز يقينه، أو فكرة تقلب ما اعتقد أنه حقيقة نهائية. وهنا يبدو السؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: هل نكتفي فعلًا، أم أن القراءة مثل البحر… كلما غصنا فيه، اكتشفنا أننا ما زلنا على الشاطئ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مستحيل طبعًا، برأيي لا يصل الكاتب إلى لحظة يكتفي فيها من القراءة، وإلا جف قلمه وضعف خياله وتوقفت أفكاره، فالقراءة هي طعامه اليومي، وهي التي تحرك لغته وتساعده على التجدد والتطور.

فكيف يبتعد عن المصدر الذي يغذيه؟ مثلًا نجيب محفوظ كان يقرأ باستمرار حتى في أواخر عمره، وكان يقول إن القراءة هي نافذته على الحياة، فالكاتب لا يتوقف عن القراءة، لأنها جزء من روحه وطريقه في الكتابة.

أتفق معك بسمة في أن الكتاب المطبوعين على الكتابةسيظلون يطالعون حتى آخر رمق في حياتهم ولكن الباعث هنا ليس من أجل الكتابة ولكن القراءة للقراءة. هكذا قال العقاد كاتبي المفضل واستاذي وهكذا أنا أعتنق رأيه أيضًا. فمن يقرأ ليكتب ما هو إلا موصل رسائل وقد تكون رسائل رديئة لأنها لا يطبعها بطابع نفسه وينفخ فيها من حسه ونفسه ما يجعلها تتلون بلون آخر من الفكر و الشعور. هكذا يقول العقاد ثم يقول ما معناه: ولو توقف الكتاب عن الكتابة ولم يجد هذا الكاتب ما يقرأه إذا لتوقف هو أيضًا وهذا ليس بكاتب أصيل لأن الأصيل يمتح من نفسه ومن مشاعره ومن خواطره وإنما القراءة فقط لتعمق تلك المشاعر و توسعها وياقبلها بعضها ببعض.

برأيي لا توجد كفاية، ولا توجد رواية مثل الأخرى أو كتاب كالذي يسبقه، حتى في الأبحاث العلمية رغم أنها تكون بنفس المنهج إلا أن طرح حالة جديدة أو منظور مختلف يغير المسار ويخلق نتائج جدية، لذلك أنا مقتنع أن كل شئ وليس الكتابة فقط قابل لأن يكون به جديد لو ركزنا عليه

ربما بعد مئات الكتب، وبعد رحلة طويلة مع الفكر والتجارب، يشعر بعض الكتّاب أن ما تبقى ليس إضافة، بل تكرار لما عرفوه من قبل. عندها يتجهون إلى الداخل بدل الخارج؛ يبحثون في ذاكرتهم وتجاربهم الخاصة، ويكتبون من اليقين الذي استقر في نفوسهم، لا من الكتب التي يقرؤونها.

أتفق هنا وهذا صحيح من جانب أن الكاتب بعد سن الأربعين أو الخمسين إذا أسعفتني الذاكرة يبدأ في غربلة ما لديه من حصيلة معرفية ويبدأ هنا وقت الحصاد. في مقال بعنوان وحي الأربعين يقول العقاد هذا المعنى وهو أن الكاتب لا يتعلم جديدً كل الجدة من الحقائق بعد هذا السن وإنما يوسع ما تقرر لديه من حقائق ويعمقها. حتى أنه يقول أنه بعد هذه السن ينظر في الكتاب نظرة سريعة فيعرف محتواه لأنه بالقطع في مشابهات من كتب أخرى قد مرت عليه. وهذا لا يمنع أنهم يطالعون حتى الموت فإني قرأت أن سارتر ظل يطالع بعين واحدة حتى عمي وكف بصره وهو في أرزل العمر فعرف انها النهاية! ولكن لا يكونون آراء جديدة كل الجدة عن الحياة والأحياء.

قد يكتفي الانسان من نوع معين من الكتب ولكن شغفه في القراءة لا يختفي ولكنه يبحث عن مجالات اخرى

بالضبط، القراءة عند أي كاتب هي لسيت فقط مصدر للإهام والتطوير، هي أيضا نوع من الشغف والروتين اليومي الذي لا يمكن أن يعيش بدونه، القراءة جزء من الحياة مثلها مثل الأكل والشرب ، تصبح جزء من الشخصية.

نعم يمكن ذلك ولكن ليس بمعنى الانقطاع عن القراءة بل انتخاب الاحسن والمفيد وبالتالي يستطيع القارئ القراءة بنمط سريع وكأنه يمسح العبارات بماسحة ضوئية ويمحص الأفكار المألوفة حتى يقنص فكرته التي يفتش عنها كأنه وجد جوهرة 💎 ثمينة ترضي شغفه الفكري 💡

 ما طرحته يتحدث عن مشكلة قديمة في علاقة الكاتب بالقراءة وفكرة الاكتفاء تبدو مناسبة، لكنها في حقيقتها غير كافية على الإطلاق لأن الكاتب عندما يتوقف عن القراءة فإنه يجفف منابع أفكاره. القراءة ليست خياراََ أو مجرد إلهام للكتابة، بل هي تبقي الفكر حيا ومتجددًا. فلا يجب أن يظن الكاتب أنه ليس لديه إلا التكرار، بل قد يكتب كتابًا واحدًا يعيد فكرة رؤيته للعالم. فهل ممكن الاكتفاء حقا؟ أم أن أهمية القراءة أمر عظيم الأهمية؟

برأي ،القراءة ليست مجرد وسيلة لجمع المعرفة، بل هي رحلة دائمة لا تنتهي مهما بلغت خبرة الكاتب وتجربته. قد يبدو الاكتفاء ممكنًا للحظة، لكن دائمًا يظهر كتاب أو فكرة تهز يقينه وتفتح أمامه آفاقًا جديدة. هكذا تبقى القراءة نافذة حيّة تبقي الروح والعقل متيقظين.