12

العالم حين تحكمه التفاهة

العالم حين تحكمه التفاهة

نعيش اليوم في زمن غريب… زمنٌ لا يحتاج فيه الإنسان إلى عبقرية ليصعد، بل يكفيه أن يتقن فنّ "الظهور".

لقد صار النجاح لا يقاس بما تقدّمه، بل بما تُشعله من ضجيج.

في السياسة مثلاً:

لا يصل من يملك رؤية واضحة، بل من يبرع في ترديد الجمل الفارغة، يوزّع الوعود كما يوزَّع البونبون في الأعراس. 🎉

وفي الاقتصاد: لا ينجح من يخلق قيمة حقيقية، بل من يبيع الوهم في إعلان لامع، حتى لو كان المنتج لا يصلح إلا لتزيين سلة المهملات.

وفي الثقافة: لم يعد الكاتب من يكتب كتاباً، بل من يجيد أن يقول جملة سطحية على شكل اقتباس ملون، يتداولها الجميع وكأنها فتح فلسفي.

نظام التفاهة لا يُقصي العباقرة فقط، بل يجعلهم غرباء في عالَم لا يعترف إلا بالسطح.

إنه يخلق "بطولات وهمية":

المؤثر أهم من العالِم.

الممثل أهم من الفيلسوف.

صاحب الصورة الجذابة أهم من صاحب الفكرة العميقة.

والمضحك المبكي أن التفاهة اليوم لم تعد مجرد صدفة… بل صارت نظاماً:

نظام يضع مقاييس للنجاح: كم عدد متابعيك؟ كم عدد إعجاباتك؟

نظام يحدّد طريقة التفكير: "لا تكن معقّداً، بسّط، أضحك، اجعل كل شيء خفيفاً".

نظام يفرض إيقاع الحياة: أخبار سريعة، مقاطع قصيرة، آراء جاهزة… لا وقت للتفكير!

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى فينا شيء صغير يقاوم.

شيء يرفض أن يختصر الإنسان في عدد من "الإعجابات". شيء يريد أن يسأل: ما المعنى؟ ما القيمة؟ أين الحقيقة؟

ربما التفاهة هي الصوت الأعلى اليوم، لكنها ليست الأصدق.

والتاريخ في النهاية لا يتذكر الضوضاء… بل يتذكر من أضاف معنى، حتى لو ضاع صوته وسط الضجيج.

فلنترك للتفاهة أضواءها المؤقتة، ونحتفظ نحن بوهج المعنى… لأنه وإن

بدا خافتاً اليوم، فهو الباقي غداً.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المشكلة ليست في قوة التفاهة، بل في شعور أهل القيمة بالوحدة. كل واحد منا يظن أنه يقاتل وحده، بينما نحن في الحقيقة جيش من اليراعات المضيئة المتناثرة في ليل طويل..

أحييك على هذا الطرح الرائع أما بالنسبة لي فأرى أن العالم قد صار يلهث خلف الضوضاء والمظاهر لكن هذا لا يقلل من قيمة من يعمل بصمت ويضيف عمقًا حقيقيًا ربما لا يسمع صوته اليوم لكنه سيكون من يصنع الفرق غدًا لأن المعنى الحقيقي لا يُقاس بعدد الإعجابات أو الشهرة المؤقتة بل في القدرة على تحريك الوعي وإحداث تغيير حقيقي حتى لو بقي أثره بعيدًا عن الأضواء

أرى أن الأمر ليس تفاهة بقدر ما هو تبسيط فمثلًا، عند الاستعداد لامتحان، قد يكون أمامي كتاب ضخم من ألف صفحة، وملزمه مختصرة من عشرين صفحة، وكلاهما يحتويان على نفس المعنى. من الطبيعي أن أختار المذكرة لأنها أوضح وأسهل وتوصلني إلى النتيجة ذاتها. وهذا شبيه بما نعيشه اليوم فالناس تميل إلى ما هو أسرع وأسهل للوصول إلى الفكرة. المشكلة ليست في التبسيط نفسه، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول التبسيط إلى سطحية تُفرغ الفكرة من قيمتها.

مجهول أضف ردا

اظن ان هذا الطرح بعيد بعض الشئ عن ما كان يقصده صاحب المساهمة فالتفاهة المقصودة هنا هي ما تحدث عنه من الوعود الزائفة في السياسة مثلا وفن التغليف والتعليب لكلام والافكار مع اهمال الجانب القيمي اما التبسيط في حد ذاته قيمة وعندما يصبح تسطيح يتحول لتفاهة ولكن ما يميز التفاهة هذا الزمن عن التفاهة في باقي الازمنة انها الان اصبحت فن له قواعد وضوابط.

أتفق أن “نظام التفاهة” صار واقع نلمسه يوميًا، لكن أختلف مع الفكرة المطلقة أن المعنى لم يعد يُقدَّر أبدًا.

صحيح أن الضجيج عالي فعلا، لكن هناك الملايين ممن يبحثون بصدق عن القيمة ويقدرون الجهد والمعرفة، حتى لو كان ذلك في الظلام.

وفي النهاية، الضجيج مؤقت، أما الأثر الحقيقي فهو بطيء لكنه يبقى.

كلامك عميق جداً، ويلامس حقيقة اجتماعية منتشرة. أودُّ أن أضيف أنَّ البعض من هؤلاء الذي يعانوا من التفاهة قد يسعى للمرح والضحك، حتى وإن كان ذلك على حساب تماسك الأسر، أو مودَّة الإخوة، أو حتى إشعال الفتن.

إنَّ هذا النوع من التسلية، الذي يُبنى على الإضرار بالآخرين، هو متعة مزيفة سرعان ما تتحوَّل إلى ندم، وتخلِّفُ وراءها خرابًا لا تدركه النفس إلا بعد فوات الأوان."

كلامك رائع ويعكس واقعنا الحالي بشكل مؤلم! للأسف، اليوم يُقدَّر الصوت العالي والسطحية أكثر من القيمة الحقيقية والمعنى العميق. لكن كما قلت، من يضيف معنى ويصنع تأثيرًا حقيقيًا سيبقى صوته حاضرًا رغم الضجيج. التفاهة قد تسيطر على المشهد، لكن لا تُلغي قيمة الإبداع والعمق الحقيقي.