العالم حين تحكمه التفاهة

نعيش اليوم في زمن غريب… زمنٌ لا يحتاج فيه الإنسان إلى عبقرية ليصعد، بل يكفيه أن يتقن فنّ "الظهور".

لقد صار النجاح لا يقاس بما تقدّمه، بل بما تُشعله من ضجيج.

في السياسة مثلاً:

لا يصل من يملك رؤية واضحة، بل من يبرع في ترديد الجمل الفارغة، يوزّع الوعود كما يوزَّع البونبون في الأعراس. 🎉

وفي الاقتصاد: لا ينجح من يخلق قيمة حقيقية، بل من يبيع الوهم في إعلان لامع، حتى لو كان المنتج لا يصلح إلا لتزيين سلة المهملات.

وفي الثقافة: لم يعد الكاتب من يكتب كتاباً، بل من يجيد أن يقول جملة سطحية على شكل اقتباس ملون، يتداولها الجميع وكأنها فتح فلسفي.

نظام التفاهة لا يُقصي العباقرة فقط، بل يجعلهم غرباء في عالَم لا يعترف إلا بالسطح.

إنه يخلق "بطولات وهمية":

المؤثر أهم من العالِم.

الممثل أهم من الفيلسوف.

صاحب الصورة الجذابة أهم من صاحب الفكرة العميقة.

والمضحك المبكي أن التفاهة اليوم لم تعد مجرد صدفة… بل صارت نظاماً:

نظام يضع مقاييس للنجاح: كم عدد متابعيك؟ كم عدد إعجاباتك؟

نظام يحدّد طريقة التفكير: "لا تكن معقّداً، بسّط، أضحك، اجعل كل شيء خفيفاً".

نظام يفرض إيقاع الحياة: أخبار سريعة، مقاطع قصيرة، آراء جاهزة… لا وقت للتفكير!

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى فينا شيء صغير يقاوم.

شيء يرفض أن يختصر الإنسان في عدد من "الإعجابات". شيء يريد أن يسأل: ما المعنى؟ ما القيمة؟ أين الحقيقة؟

ربما التفاهة هي الصوت الأعلى اليوم، لكنها ليست الأصدق.

والتاريخ في النهاية لا يتذكر الضوضاء… بل يتذكر من أضاف معنى، حتى لو ضاع صوته وسط الضجيج.

فلنترك للتفاهة أضواءها المؤقتة، ونحتفظ نحن بوهج المعنى… لأنه وإن

بدا خافتاً اليوم، فهو الباقي غداً.