11

الأدب الروسي: لماذا يجب أن نقرأ لدوستويفسكي؟

  • Jamal_7

إن ما يعجبني في الأدب الروسي، أنه لا يُحدّثنا عن الأبطال الهوميرية والملوك، بل يُحدّثنا عني وعنكم، أبطال هؤلاء الروس يمكن أن تراهم في المرآة، أنا وأنت وهو وهي، العاديون الذين يمشون في الشوارع، الذين يعيشون في البيوت البسيطة ولا يسترهم إلا الجدران، أبطال مسحوقين بلا بطولة، هؤلاء الروس العظام وعلى رأسهم دوستويفسكي، يأتون إلى أحداثٍ عادية جدًا، أنت قد تراها عادية تافهة ومبتذلة، لكنهم يُمثّلون بها جوهر الشرط الإنساني، دائمًا يتركوني مشدوهًا بفمٍ فاغر، كيف أحيانًا قصة أو حدث بسيط يكتبونه في أقل من ثلاث صفحات، يجعلني أتأثر! ويحدث عندي تغيّر دراماتيكي في أشياء معينة، وأبقى صامتًا أتساءل: ما الذي حدث! ماذا فعل هذا الرجل بي!

لقد كتب عالم النفس الشهير سيغموند فرويد وقال: 

"إن دوستويفسكي هو أول إنسان أعطانا فكرة عن الناس، الذين هم نحن."

وقد كان هذا السبب الذي جعلني أتعلق بهذا الرجل، فقد كان دائمًا يخبرني عني، ويفضحني أمام نفسي، وعن طبيعتي وماذا أكون وما يمكن أن أكون، تعرفون جميعًا أن أكثر ما يحتاجه المرء في رحلة حياته هو أن يكتشف نفسه ويلتقي بها، وأنا أجد نفسي بين صفحاته.

لقد كان عارفًا بكل ما له علاقة بالإنسان، لم يكن كاتبًا بالنسبة لي، بل كان عالم نفس، وقد كتب عنه الأديب النمساوي ستيفان زفايغ وقال:

"إن دوستويفسكي بالنسبة لنا اليوم أكثر من فنان، إنه مفهوم روحي سيكون عُرضةً للتفسير والإدراك المرة تلو الأخرى، فصورة هذا الكاتب الروسي تتغلغل اليوم بنورها في جميع مجالات الحياة الروحية"

وقد أخذت كل أعماله طابعًا سوداويًا، إذ أنه لم يعش حياةً سهلة، بل كانت زاخرة بالمعاناة، ورغم آلامه السحيقة وحياته التي لم تنجو أبدًا من البؤس إلا أنه يعلمنا أن نقبلها لكي نُولد منها:

"اقبل معاناتك، يتم فداؤك بها"

لقد كانت هذه رسالته إلى العالم الذي يركض كالمسعور خلف أوهام السعادة، وما السعادة الكاملة إلا سراب، والمتألمون هم أكثر الناس إبصارًا للجمال.

ما هي أبرز أعماله؟

لقد كانت "رواية الفقراء" هي رائعته الأولى والتي لاقت صيتًا مجنونًا حول العالم وشهرة واسعة، وعلى الرغم من قِدم هذه الرواية التي سطع نورها لأول مرة في منتصف القرن التاسع، إلا أنها لا زالت متوهجة إلى يومنا هذا ولم تفقد حضورها، فقد تناول فيها معاناة الطبقة الكادحة والبسيطة التي تكافح من أجل العيش وتُصوّر محاولاتهم المسكينة واليومية في السعي من أجل البقاء.

وقد أخبرني في "مذكرات من تحت الأرض" أنه مهما حاولنا أن ننهي عذاب البشرية، فإن طبيعتنا دائمًا ستوجهنا لأن نصبح تعساء بطرقٍ أخرى، لقد كان عملًا سوداويًا ومُربكًا وبصيرًا ينطبق بشدة على الليبرالية الحديثة حسنة النيّة.

أمّا "مُذلون مُهانون" فهو واحد من تلك الكتب التي كُتبت مباشرة من القلب، وكُتبت فضلًا عندي ذلك من قلب كبير، ومثل هذه الكتب لا تسبب للمرء الملل قط، وذلك لأنها كُتبت بإخلاص، ولقد تعرفتُ فيها على المرضى القابعين في كلٍ منّا، وعن الحب من طرفٍ واحدٍ والمشاعر التي لا ينبغي لها أن تبقى.

وهناك الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف والمقامر والشياطين وغيرها.

الحق أقول لكم: إن أعماله كلها جديرة بالقراءة، لأن ما يميزها أنها صالحة لكل زمان ومكان، وهنا تكمن عظمة هذا الكاتب الذي لم يُطفئوا نوره من جاءوا بعده.

هل قرأتم شيئًا لهذا الأديب والعالم الجميل؟ أخبروني عن التجربة الأولى وماذا قرأتم؟ وماذا تعرفون عن الأدب الروسي؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أنا من عشاق الأدب الروسي فهو يشعرني بالألفة، كما أنّ الترجمة التي أصادفها تكون مختلفة كثيرا عن أي ترجمة للغة أخرى، و لا أعرف السبب في هذا الشعور.

كما أنني من أشد المعجبين بدوستويفيسكي، كانت أول تجربة لي معه في كتاب ''الجريمة و العقاب''، و قد صُدمت من مدى روعة الكتاب. عندما اشتريته و قرأت على ظهره أنّ دوستويفيسكي كاتب يغوص في النفس البشرية و يقربك من نفسك، لم أصدق و قلت: أيعقل أن يكون هذا في رواية؟ لكن عندما قرأتها كان الأمر كذلك. ثم كتابه ''رسائل من تحت الأرض'' أو الذي أحبه باسمه الآخر ''الإنسان الصرصور''، صدقا فقد كان ذلك من أروع الروايات التي قرأتها، و كان أول عمل يشعري بالاحتقار حرفيا، و أقول أنّ دوستويفيسكي نجح في أن ينقل لي عبر روايته هذه كل المشاعر السوداوية بشكل فريد من نوعه. كتاب آخر قرأته له و هو ''حلم رجل مضحك'' و هو رواية تقع في صفحات قليلة و أنصح بها كل من أراد أن يبدأ القراءة لهذا الكاتب، كما أنّها هي الأخرى عمل فريد من نوعه استطاع أن يلخص الحياة البشرية و الشر البشري في صفحات قليلة. و قد اشتريت مؤخرا رواية ''الإخوة كارامازوف'' لقراءتها أيضا، و كنت قد اشتريت رواية ''منزل الأموات'' لكني لم أقرؤه بعد.

كما أنني عندما قررت القراءة أكثر في الأدب الروسي و عدم الاقتصار على دوستويفيسكي فقط، وجدت أنّ الكتاب الآخرين لا يقلون عنه براعة، مثال أنطون تشيخوف سيد القصص القصيرة و من أروع قصصه ''المغفلة''. هنالك أيضا ليو تولستوي الذي قررت أن أقرأ له أيضا، و كانت بدايتي ب''الحرب و السلم'' الذي لم أكمله بعد لأنني ظننت أنني اشتريت الرواية كاملة فإذا بي أجد أني لم أشتر سوى الربع، لكن يمكنني أن أستشف من الصفحات الستمائة و واحد و سبعين التي قرأت أنّها تستحق القراءة و تؤطر للحياة العامة في روسيا آنذاك، لكنه لا يتخطى براعة دوستويفيسكي في الخوض في النفس البشرية. كاتب روسي آخر قادتني الصدفة إليه هو مكسيم جوركي من خلال روايته ''الأم'' و التي كانت رائعة هي الأخرى بنفس تلك الترجمة اللطيفة و التي تتحدثت عن الثورة العمالية بروسيا التي يؤمن أبطالها بالاشتراكية، لكنني تأثرت أكثر بشخصية الأم.

من كل هذا يمكنني أن أقول أنّ الأدب الروسي أدب يستحق القراءة، يتعمق في أسرار النفوس، و يؤطر الحياة الاجتماعية بشكل فريد من نوعه.

لقد أحببتُ هذه المشاركة لما فيها من حب صادق وقراءة جيدة وإدراك عميق وتقدير كبير لعظمة الأدب الروسي، يشترك الروس جميعًا في الأدب على أنه محاولات كثيرة لسبر أغوار البشرية وفهم ماهية الإنسان، كيف يشعر، كيف يفكر، وكيف يؤمن، وحقيقة رؤيته للأشياء، وطبيعته التي لا تنجو من التعقيد في كثيرٍ من الأحيان،

وفي انتظاركِ عظمة أكبر حتى موعد لقاؤكِ مع الإخوة كارامازوف، هل تقرأين دائمًا بترجمة سامي الدروبي وهو الأفضل في رأيي، أم أن هناك مترجمًا آخر أيضًا تنصحين بالقراءة له؟ فيما يتعلق بالأدب الروسي طبعًا

شكرا لك. أي نعم، أقرأ فقط لترجمة سامي الدروبي أو بالأحرى هي التي تصادفني دائما و أجدها مميزة للغاية و تضفي على الأدب الروسي نكهته الخاصة التي تجعلني أحبه أكثر.

لستُ من هواة القراءة بشكل كبير، ومنذ فترة قصيرة خططتُ أن أبدأ لكنّ يومي مزدحم جدًا، سأنتظر منك يا جمال أن ترشح لي عملًا قصيرًا لدوستوفيسكي ..

لكنّي ومن دافع حبّي للاحتفاظ بالأقوال القصيرة التي تلامس قلبي في المذكرات الخاصة بي، فوجدتني الآن وبعد مروري بفترة نفسية صعبا محتفظة بـ :- سوف تحترق، وستخبو، وستُشفى وتقف على قدميك من جديد."

والحقيقة أن هذه المقولة ملهمة لي كثيرًا وأتذكرها بعد ظنوني كلّ مرة أني لن أستعيد نفسي مرة أخرى.

لا يمكنني أن أتخيّل الإثراء الأدبي الذي يمكن أن تضيفه قراءتك للأدب الروسي يا نورهان، أنصحك بالليالي البيضاء كبداية خفيفة ورائعة...

لا أعرف لماذا تذكرتُ اقتباسًا يقول فيه:‏

"لم أطلب يدًا تمسح دموع الفزع و لم أُوقظ أحدًا ليعانقني كي أهدأ، عَلامَ يجب أن أكون ممنونًا؟ لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي".

أودُّ أن أخبركِ أن ما يُميّز دوستويفسكي أيضًا هو أن كل كاتب يبلغ ذروته الأدبية ويذبل حسه الأدبي بعد عمل مميز له أو عملين، لكن من الكُتّاب من لا تشبعين من عملٍ له ولا عشرة، وكان دوستويفسكي من الكُتاب الذين قرأت أغلب أعماله تقريبًا دون ضجر، وقالوا أنه مات وفي رأسه أربعة أفكارٍ للكتابة.

"لم أطلب يدًا تمسح دموع الفزع و لم أُوقظ أحدًا ليعانقني كي أهدأ، عَلامَ يجب أن أكون ممنونًا؟ لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي

هذا الاقتباس قد يبدو للوهلة الأولى مبالغ فيه بشكل كبير، لكن حين تتعمق فيه تجد أننا حقا كنا بمفردنا، ولم يكن معنا إلا الله في غياهب تلك اللحظات الصعبة والمؤذية لنا.

وقالوا أنه مات وفي رأسه أربعة أفكارٍ للكتابة.

لا شك أنك تقول ليته مات فارغا وكتب كل شيء.

قبل أشهر شاهدت تغريدة لمهووسة بكتاباته تحتفل بعيد ميلاده وكانت صورته على الكعكة.

Jamal_7 أضف ردا

بالطبع أشعر بحزنِ كبير لأنني قرأتُ أعماله كلها وأطمع للمزيد، لكن ما يجعله أجمل، هو أن أعماله لا تُقرأ مرة واحدة، وقد تختلف مشاعركِ وأفكاركِ ويستع فهمكِ لها مع كل قراءة،

عندما تقرأين رواية له للمرة الثانية، فأنت لا تشعرين أبدًا أنها المرة الثانية، بل كأنها الأولى

عندما تقرأين رواية له للمرة الثانية، فأنت لا تشعرين أبدًا أنها المرة الثانية، بل كأنها الأولى

ذلك لعمق أفكاره فعلا.

Heba_Morgan89 أضف ردا

أول مرة تعرفت فيها على أعمال دوستويفسكي كانت في معرض الكتاب منذ 5 سنوات تقريبًا، وقتها جذبني عنوان كتابه، ولكني لم أشتريه لأني صادفته بعدما أنهيت كل ميزانيتي يومها، ولكن لماذا لا تقرأ لليو تولستوي ستعجبك أعماله أيضُا، ما لفت انتباهي لتولستوي ليست أعماله فقط بل قصة حياته، في شبابه ترك الجامعة وتفرغ للكتابة ذكرني بطه حسين حينما فقد نظره ولكنه لم يفقد إحساسه وقلمه وعبقريته.

وأنا أيضًا أحبُّ تولستوي، قصته زاخرة بالإلهام، خصوصًا أنه قد آمن بعد الإلحاد، حيث أن الفقراء كانوا سبب إلحاده، وكانوا أيضًا السبب في إيمانه، لأن مشاعر الرضا والفرح التي وجدها عندهم لمّا اقترب منهم أدهشته جدًا، ودفعته نحو الإيمان،

هل تعرفين هذه القصة؟

وأنا عازمٌ على قراءة الحرب والسلم قريبًا إن شاء الله، ماذا قرأتِ لتولستوي؟

أنصحك أن تقرأ الحرب والسلام الآن، هل تعلم أن تولستوي نشر رواية الحرب والسلام على هيئة أجزاء في مجلة روسية كان اسمها المراسل؟ ما عجبني في الرواية هو كيف انهزم نابليون بونابرت في روسيا بعد احتلاله لها في 1812 ليس بسبب عدم استسلام ألكسندر الأكبر، ولكن بسبب عدم تحمله للشتاء القارس في موسكو.

طريقة طرح الأحداث تجعلك تشعر أنها حقيقية تمامًا وأن ما يقوله حدث بالفعل، وربما يكمن السبب في استعانته بأشخاص حقيقيين يعرفهم ويعرف قصصهم تحدث عن تجاربهم كما هي في الرواية.

قرأت الجريمة والعقاب له، والباقي لم اقرأه بعد. ورغم هذا فكانت الجريمة والعقاب كفيلة بجعلي أقع في حبه، واعتباره من الكتاب المفضلين لي.

ما يجعل الجريمة والعقاب رائعة هي أنه لا يجب أن يكون الكاتب قاتلًا حتى يشعر بما اختلج نفس البطل. فتلك المشاعر والشعور بالذنب تحديدًا، والتحول والتقلب من حال لحال هو ما يُصيبنا جميعًا وقت ارتكاب ذنب ما، كبير كان أو صغير. إن أسلوب الكاتب جعل القارئ يغوص بداخل نفسية المذنب أيًا كان ذنبه، ويفهم جيدًا حقيقة السلوك والمشاعر.

لا أعرف كثيرًا عن الأدب الروسي سوى أنه يعتبر من أعظم ما يُمكن أن يقرأ فيه الإنسان.

لقد كانت هذه الرواية ثمرة اختلاط دوستويفسكي بالسفاحين والقتلة واللصوص في السجن، هل تعلمين بأن دوستويفسكي عاش أفظع مراحل حياته في السجن وحُكم عليه بالأعمال الشاقة في سجون سيبيريا بعدما ألغي حكم الإعدام؟

نعم قرأت هذا في منشور عنه، وفهمت حينها لماذا كل هذه السوداوية في اعماله ورؤيته. كما فهمت أنه من الطبيعي أن يخرج عبقري بعد كل هذا العناء الذي كابده في حياته

إنها المرة الأولى التي أقرأ مساهمة أو مقالا ويجعلني أشتاق للقراءة لهذا الكاتب.

جربت قبل فترة طويلة القراءة لهذا الرجل، لكنني بدأت في نسيان الشخصيات لأنها كثيرة وأساميها طويلة وأحسست بكمية حزن وبؤس تخيم على أعماله.

لكن مؤخرا سمعت رأيا في أن أعماله تكشف الانسان وتفضح حقيقته المخفية خلف الستار.

وها أنت تؤكد الأمر ذاته وتجعلني أرغب بشدة في القراءة له.

فرحتُ كثيرًا بالأثر الذي خلّفته هذه المساهمة في داخلكِ يا دليلة، ربما تكونين قد اخترتِ بداية ثقيلة أو كنتِ في حالة نفسية لا تسمح للقراءة من هذا النوع، أخبريني ماذا حاولتِ أن تقرأي له؟

وأنصحكِ بالليالي البيضاء كبداية خفيفة وجميلة لهذا الكاتب

أظن أنني أفهم سبب انجذابك للأدب الروسي فقد كان الأدباء الروس هم أول من عالجوا شخصياتهم وهم يندمجون في المجتمع أول من طرحوا أفكار مثل السياسة والدين والمجتمع والأخلاق وغيرها وجعلوا أبطالهم يتفاعلون معها كانوا أول من وضعوا تحليلا لشخصياتهم بعيدا عن أرائهم الشخصية فيتركك لتكون أنت الحكم يتكونك أمام ذاتك وقد رأيتها على حقيقتها...

وقد حاول بعض الكتاب أيضا أن يستوحي منهم تلك الفكرة مثل (كافكا) ولكن يظل الكتاب الروس في المقدمة لما عاصرته روسيا في تلك الفترة من قمع وظلم واضطهاد فعندما تقرأ كتاباتهم تشعر أنك كنت معهم في سجنهم

ومن أفضل روايات دوستويفسكي بالنسبة لي هي (المراهق، رسائل من تحت الأرض)

المآسي الكبيرة تنجب فنانًا وأديبًا حقيقيًا،

وكل شخص عظيم ولد من ظروف أليمة،

فلماذا تكون العظمة دائمًا ضريبتها الألم يا نجلاء؟

لقد عاش دوستويفسكي حياةً أليمة جدًا، وما جعله عميقًا إلى هذا حد إنما كانت تجاربه القاسية، لماذا لا يمشي المجد دومًا إلا بجانب الألم؟

فلماذا تكون العظمة دائمًا ضريبتها الألم يا نجلاء؟

في الحقيقة يا جمال، أجد في ذلك أحد أشكال العدل الإلهي، فمن يمتلك المال لديه قدره على إسعاد نفسه بماله، وسوف يجذب له المال من يخدمونه ومن يحبونه ومن يساعدونه فلن يشعر بالوحدة ولا بالضيق ولا بالوجع ، أما الفقير الذي يكدح طوال اليوم ليجد قوت يومه، يعاني : الذل - القهر - الجوع - الحرمان - هروب ونفور الناس منه حتى لا يطلب منهم المساعدة أو يشكي لهم همه، ومن الطبيعي ان تبحث كل هذه المرارة عن مخرج لها ، وعن طريق للتعبير لبحدث التوازن في الحياة.

ولعلنا نلاحظ ان من يعاني الألم قد يتجه للإبداع، وإلا فسوف يتحول إلى شرير فاسد، ربما يصبح لصا أو حاقدا أو منافقا وربما ينتحر أو ينتهي به الأمر في أحد المصحات العقلية أو هائما على وجهه في الطرقات.

أعتقد ان من يتألمون ثم يتجهون للإبداع يحملون بين جنباتهم الخير ولا يقبلون لأنفسهم طريق الشر ، فيمتزج الألم بالخير لتنتج لنا أجمل الأشكال الفنية الإبداعية التي تخلد ذكراهم ومعها نصيحة غير مكتوبة هي: لا تدعوا الأخرين يعانون فليسوا جميعا أخيار.

وهذا لا ينفي ان بعض الأدباء ينشأون في ثراء مادي ولكن لابد أن تجد لديهم معاناة شعورية مثل فقد الحبيب أو فقد الأبوين مثل أحمد شوقي أو إنشغالهم بقضية كبرى مثل تحرير بلادهم من المحتل ... الخ ، وإلا فسيكونون مثل إحسان عبد القدوس الذي يتناول في كتاباته مشكلات الحب والعواطف الخادعة في المجتمع الراقي.

قرأت مؤخرا الكاتب، رواية " الزوج الأبدي"، كانت تجربة مغايرة تماما لما قرأت له مسبقا، وذلك من خلال أن المترجم سامي الدروبي. يجعلنا دوستويفسكي نغرق في بحر أدبه، في صورة تجبرنا على القراءة تشوقاً وحباً لإجترار الكلمات وملئ دواخلنا بجمالية النصوص والتعبير.. "الزوج الأبدي '' لن أذكر أي تجربة فاشلة قبل هذه الرواية لهذا الكاتب العملاق، فقط يمكنني أن أقول بعد قراءتها أن الترجمة لها دور كبير في جمالية الرواية المترجمة.

الرواية ليست حزينة كما يشاع على مجمل روايات دستويفسكي، هي شاعرية معبرة يجمع لنا فيها الكاتب صور متعددة من الاحاسيس في قصة واحدة، الجميل في الرواية أن الكاتب يجعل القارئ يقرأ ويبني القصة تدريجياً وأنا أقرأ كل جزء أخذني للتعرف على الشخصية الرئيسية أكثر "فلاتشنينوف" الشخصية المزاجية، المضطربة الذي توفت زوجته بعد معاناة مع المرض وتركت له طفلة "ليزا" التي عانت من قهر والدها، إلا بعد أن دخل "بافل بافلوفتش " حياتهم تغير مصير الطفلة .

الرواية تجمع بين حياة شخصيتين، على نحو مغاير وانعكاسي تجعلنا ندرك ونعي مكنونات النفس.

عن تجربتي في الأدب الروسي أرى أنه منساق دوما للحياة الكلاسيكية والعامة لحياة الروسيين في الفترات الزمنية السابقة، إلا أن قارئ الأدب الروسي لابد من أن يكون صبورا.

هذه الرواية الوحيدة تقريبًا الذي لم أقرأها بعد، وأودّ أن أعترف لكِ بأن ما قلتيه الآن جعلني أرغبُ جدًا في قراءتها قريبًا، إن ما جعلني أتأخر عنها إلى الآن إنما كانت الترجمة، فأنا لا أقرأ دوستويفسكي إلا بترجمة سامي الدروبي، لقد أحببتُ تعريجكِ المهم بشأن المترجم، لأن الأمر مهمٌ جدًا، وقد جرّبتُ من قبل مترجمين آخرين، وقد كانوا عاجزين تمامًا عن نقل روح النص كما يفعل سامي الدروبي، وكانت الترجمة حرفية وجافة نوعًا ما، لترجمة كاتب عظيم تحتاج إلى قارئ وأديب عظيم مثل سامي الدروبي.

إن ما يجعل الأدب الروسي عظيمًا يا نشوة، هو أنه صالح حتى لزماننا هذا، وليس فقط لفترة زمنية سابقة، وإلا فلماذا نجد أنفسنا ونعرفها أكثر عندما نقرأ لدوستويفسكي مثلًا؟

التعاطي مع هذا الرجل بتجربتي الشخصية كان من خلال الروايتين:

  • الجريمة والعقاب
  • الليالي البيضاء

وفي هذه الرواية الأولى تلمّست فعلاً ما قلته، وهو فعلاً كلام يحكم نسبة كبيرة من الأدب الروسي.

لكن ما يأسرني فعلاً بقصّة دوستويفسكي هو درامية حياته ذاتها، في إنهُ عاش أصلاً في بيئة غريبة مليئة بالمظالم والقهر الذي لا مبرر له، والأدباء الروس بالعموم تتميّز رواياتهم بحوارات نفسية وأسئلة وجودية إنسانية لإنّهم يعيشون أصلاً في بيئة تجبرهم على طرح مثل هذه الأسئلة

شيء جميل القراءة عن اللحظة التي كان سيُعدم بها دوستويفسكي ولحظة العفو الأخيرة، معاناته مع المرض والديون والفقر والسجن والمجتمع والسياسة، ناهيك عن نظرته البانورامية للحياة من فوق إلى تحت وبالعكس!

لا أعتقد بأنّ الأدب وخاصة بعد الجريمة والعقاب يمكن أن يكون قدّم شيئاً قيماً إلى هذه الدرجة، لكنني ما زلت أبحث عن تجارب مشابهة.

للأمانة، وجدت أديب مؤخراً وروسي وبذات المستوى ولكن بالصورة!

المُخرج أندريه تاركوفسكي وخاصّة بفيلميه stalker أو sacrifice، فهذا رجل أيضاً يغوص بالطبيعة البشرية ونفسيّة الإنسان عبر شخصية بسيطة لا تملك قوت يومها، لكن تملك قضية تستحق أن يُنظر إليها أو سؤال يستحق أن يُسمع، أنصحك به في حال لم تمرّ عليه إلى الأن

لقد أعجبني إطّلاعك على حياة الكاتب، بالطبع لا نتوقع كل هذا الجمال والفهم والعُمق إلا من شخصٍ قد عاش حياةً رهيبة وتجربة قاسية،

وأنصحك صديقي بأن ما قرأته للكاتب، لا يبلغ عظمته في رائعته "الإخوة كارامازوف" هي أربعة أجزاء وهي العمل الأكبر للكاتب، لكنها رائعة إلى أبعد الحدود وتسبر أغوارًا سحيقة، وبالنسبة للأفلام التي رشحتها فأنا لم أشاهدها، وهذا أمرٌ جميلٌ لأنني سأبدأ فيها الليلة، وإن كان لديك اقتراحات أخرى من هذا النوع، سيسعدني جدًا

هل قرأتم شيئًا لهذا الأديب والعالم الجميل؟ أخبروني عن التجربة الأولى وماذا قرأتم؟

قرأت بعض أعماله القصيرة والمتوسطة مثل الفقراء وحلم رجل مضحك.

بالنسبة لي فإن تجربتي الأولى معه عرفتني أني على موعد مع كاتب يفصص النفس البشرية تفصيصًا. وهو كذلك متمكن تمامًا من نقل بؤس الحياة وعشوائيتها بدرجة كبيرة وركز على طبقات كثيرة يتم تهميشها أغلب الوقت في الأدب. هو واحد من أفضل الكتاب الروسيين والعالمين بشكل تام.

وقد رأيت أيضًا أن الأدب الروسي قضى فترة طويلة يحذو حذو هذا الرجل في البحث بداخل النفس البشرية وسبر أغوارها.

لقد أحببتُ تعبير "يُفصص" رغم أنني لا أعلم إن كان فصيحًا، هل هي كلمة عربية فصيحة أم عامّية؟

وإن شخصية رائعة مثلكِ يا أمنية، ينبغي لها أن تقرأ أكثر لهذا الكاتب،. فمن شأنه إثراؤكِ لغويًا ومعرفيًا وحتى روحيًا، أنصحكِ بالإخوة كارامازوف في حال كنتِ قارئة نهمة ولا يهمكِ حجم الرواية إن كانت عظيمة،

وبالمناسبة: كم كان حجم أكبر كتابٍ أو رواية قرأتيها من قبل؟

قد أحببتُ تعبير "يُفصص" رغم أنني لا أعلم إن كان فصيحًا، هل هي كلمة عربية فصيحة أم عامّية؟

رغم أنها شائعة الاستخدام في العامية إلا أنني وجدت لها جزورًا في الفصحى في نفس المعنى. أكثر استخداماتها في العامية تكون مع الفاكهة فنستخدم مثلًا مصطلح "تفصيص البرتقال" وهو مصطلح بالفصحى أيضًا.

كم كان حجم أكبر كتابٍ أو رواية قرأتيها من قبل؟

بالنسبة لي كان أكبر كتاب في حدود 500-600 صفحة وقد كانت رواية. لم أجرب في الواقع قراءة كتاب بحجم أكبر حيث أشك في قدرتي على إنهائه وأخشى أن يكون به الكثير من التطويل. هل هناك كتب أكبر تنصحني بها؟

رواية الاخوة كارامازوف حجمها بالكامل أكبر وأنصحكِ بها جدًا، هي أربعة أجزاء كل جزء ما بين 350 إلى 500 صفحة، أؤكد أنك ستخرجين منها شخصًا أعلم بالإنسان،

وقد قرأت الكوميديا الإلهية لدانتي، يتجاوز الألف صفحة، هل تعرفينه؟

أعرف الكوميديا الإلهية بالطبع لكن لم أوفق لإنهائها كاملة لصعوبة قراءة الشعر بشكل مترجم.

هل واجهتك هذه المشكلة؟ كيف حللتها؟

Jamal_7 أضف ردا

إن قراءة الأدب المترجم والاستمتاع به يعتمد بشكلٍ كبير على المترجم نفسه، هل ترين مثلي أن الترجمة هي خيانة لروح النص؟ وخيانة للكاتب ولحالته وللدم الذي نزفه حبرًا لكي يكتب؟

إلا أن الأديب الكبير يحتاج إلى مترجم أديب وأديب كبير وقادر على تذوّق الكلمات وإدراك حتى رائحة الغرفة التي كان يكتب فيها الكاتب الأصلي هذا النص، حل هذه المشكلة يكون من خلال العثور على المترجم المناسب لأي أدب، فالأدب الروسي مثلًا خير مترجم له هو سامي الدروبي، ولا أقرأ فلسفة الألماني نيتشه إلا بترجمة علي مصباح...

هل ترين مثلي أن الترجمة هي خيانة لروح النص؟ وخيانة للكاتب ولحالته وللدم الذي نزفه حبرًا لكي يكتب؟

هذا الموضوع من أكثر المواضيع التي أرقتني لفترة طويلة حتى أنني كتبت فيها مساهمة هنا من قبل.

لكن أوافقك الرأي في أن المترجم المناسب يمكنه أن يحل هذه الفجوة.

هل قرأتم شيئًا لهذا الأديب والعالم الجميل؟ أخبروني عن التجربة الأولى وماذا قرأتم؟ وماذا تعرفون عن الأدب الروسي؟

للأسف لم أبدأ رحلتي في القراءة لدويستوفسكي بعد، فأنا تنصب معظم اختياراتي للكتب على الأدب العربي ولم أقرأ في الأدب المترجم سوى للكاتب باولو كويلو وهاروكي موراكامي، ولعل مجتمع حسوب أكثر ما حمسني للإنخراط في عالم الأدب الروسي وبالأخص للرائع دويستوفسكي الذي دائماً ما أتمتع بقراءة اقتباساته ومراجعات كتبه، ولكنني الآن أقف حائرة أمام الكم الهائل من التحف الأدبية التي خلفها لنا ولا أعلم بماذا أبدأ .. لذا وبصفتك قارئ نهم لهذا الكاتب، ما الكتاب الذي تنصحني به كبداية ؟

يقول الكثير من القُراء العرب أنهم شعروا بالألفة والقرب أثناء قراءتهم للأدب الروسي أكثر من غيره . هل شعرت بذلك أيضاً ؟

لقد أحببتُ حماسكِ تجاه الأدب الروسي، وأسألكِ أن تحافظي عليه وتغذّيه من خلال بداية خفيفة وجميلة، وأنصحكِ بالليالي البيضاء لدوستويفسكي، وبرواية بطل من هذا الزمان للكاتب الروسي ليرمنتوف، وهي رواية رائعة جدًا،

إن ما جعلني أشعر بكل هذه الألفة تجاه هذا الكاتب هو مدى معرفته لي، إنني أقرأ عني في أعماله، وبالطبع شعرتُ بذلك....

لمن تقرأين من الأدباء العرب؟ وما هي أفضل الأعمال العربية بالنسبة لكِ؟

لمن تقرأين من الأدباء العرب؟ وما هي أفضل الأعمال العربية بالنسبة لكِ؟

قرأت لأيمن العتوم وابراهيم نصرالله ورضوى عاشور وبثينة العيسى والطيب صالح، ومؤخراً بدأت أفكر جدياً بالقراءة لنجيب محفوظ ويبدو أنني سأبدأ بروايته "أولاد حارتنا" .

بصراحة أجد أن لكل كاتب منهم مميزاته وأسلوبه الفريد، أما عن أفضل الأعمال العربية مما قرأت بصراحة فالاختيار صعب ولكنني قد أختار رواية ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، لأنني لا زلت أذكر تلك اللحظات والأزمنة التي عشتها متجولة بين أزقة المدن الأندلسية بتفاصيلها، وتفاعلي مع كم الأحداث المؤلمة التي تعرض لها المسلمون هناك .

مابشوف لقرائاتي معنى بدون اعمالدوستويفسكي له فلسفه لكل الازمنة فعلا وكل مره بتقراء له كأنك لأول تقرا هذا العمل