17

لماذا يجب أن نقرأ لمن نختلف معهم؟

يرفض بعض القراء الاطلاع على أعمال من يخالفونهم فكريًا، أو لديهم مرجعية مغايرة لما هم عليه وما يؤمنون به. ونجد هذا الأمر متكررًا ومتزايدًا عندما يشرع شخص ما بالاستشهاد بمقولة أو كتاب لمفكر من ثقافة أخرى، حيث يتم اتهامه بما لا يصح فقط لأنه يطلع على أعمال الغير.

أرى أن هذه المحدودية تطيح بهدف المعرفة وأسلوب اكتسابها، كما أنها تضع الحضارة في قالب جامد يرفض التجدد. فإن الخروج بالحضارة من القالب المتجدد القابل للتحديث إلى القالب الجامد الرافض للآخر، يُعد تناقضًا ومغالطة في استيعاب مفهوم الحضارة وغايتها.

كما أن اكتساب المعرفة يتطلب انفتاحًا متعقلًا على إسهامات الحضارات الأخرى، وفهمًا لطبيعتهم، وإدراكًا لاختلافاتنا الثقافية، فلا يكون ذلك عائقًا أمام التعلم والاستفادة مما صح أو مناظرة ومناقشة ما أخفقوا فيه. وهناك قاعدة رصينة تقول: "يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال".

والشاهد في هذا، أن النهضة الحقيقية لا تتحقق بالانعزال عن الآخر، أو بالخوف من الاطلاع على إرثه الفكري. فما نتج عن ذلك إلا انقسام فريقين: الأول سحرته سطوة الآخر وبريقه الواهي؛ فأمسى مسخًا يقلده في ملبسه ومعاشه وأفكاره، وانسلخ من هويته ناكرًا لها حاقدًا عليها. والفريق الثاني محب لهويته معتز بثقافته، ولكنه يصبح ويمسي معلقًا بأحبال الماضي؛ فلا يملك للحاضر عتادًا ولا لمجابهة الفريق الأول حجةً وبيانًا. وهكذا، كفّت الحركة الفكرية عن جريانها وركدت مياهها، وبات إرثنا الحضاري عجوزًا يكابد ظلمة استعمار الأرض والعقل.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الخوف من المعرفة عمومًا أراه مبني على الخوف من مواجهة النفس والأفكار الشخصية، فمثلًا لو قرأت كتابًا يناف كل معتقداتي وأفكاري، وأفكاره متماسكة وله حُجة في نصوصه، لما يخيفني هذا؟ الإجابة الوحيدة هي افتقاري للمعرفة والثقة في أفكاري نفسها، وثانيًا الخوف من مواجهة "الآخر" عمومًا للتشكك في قوة حُجتي، عدا ذلك، المعرفة فعلًا تزيد الارتباك في بدايتها، ولكن مع البحث وتكثيف المطالعة والقراءة النقدية، تتشكل أفكار الإنسان بناءً على معرفة وتجربة واقعية، وليست تحيزّات يقتلها أول نقاش بسيط.

​يُفضل أن يكون الشخص مُتَعَمِّقًا في فكرته ودارسًا لها جيدًا قبل أن يطلع على ما يناقضها. أحيانًا يتجلى القصور من خلال التعمق في الفكرة نفسها، حتى دون الحاجة للاطلاع على غيرها. إن التسطيح آفة شائعة تجعل صاحبها مترددًا وخائفًا من اختبار الأفكار، كما تجعله صيدًا سهلًا للاستغلال من قِبل أي مجموعة.

​كذلك، نحن نقرأ بعض الكتب ليس بالضرورة للتعرف على أفكارها أو للرد عليها، بل للاستفادة من منهجية التفكير والترتيب المنطقي في البحث. هناك من تميز في ذلك دون أن يتميز في الإضافة الفكرية. هذا النوع من القراءة يساعد على بناء عقلية نقدية ومنظمة، تمكِّن المرء من تحليل الأفكار واستيعابها بشكل أعمق، مما يحصنه ضد التفكير السطحي ويجعله أكثر قدرة على التمييز.

بالفعل هذا صحيح. فلا خطأ في أخذ المفيد من الحضارات والثقافات الأخرى ما دمنا نستخدم العقل لتنقية المعرفة مع المحافظة على كياننا وهويتنا.

بالضبط، كما تفضلتِ.

أتفق معكِ في كل ما قلتيه، فأيضًا من نختلف معهم فكريا أو عقديا، أو حتى إن كانوا ظالمين و نعاديهم، ينتصرون علينا في معركة العقل إذا ما تغلبت الكراهية و البغضاء في نفوسنا علينا و منعتنا من الاضطلاع على أفكارهم و آرائهم حيث تنبع أفعالهم، فالذي يؤمن حقا بفكرة ما أو ينتمي إلى ثقافة فعلا لا يخشى على إيمانه من الاضطلاع على أفكار الغير و نقاشها و تفنيدها و ضحدها، و لكن بالطبع على من يقوم لهذا الأمر أن يكون مؤهلا سنيا (سنه مناسب) و فكريا (مقتنع بأفكاره بالأدلة)، حتى لا يتشكك في أفكاره و معتقداته بعد الاضطلاع على أفكار غيره.

بالضبط، كما وضحت فالإعداد مهم قبل النقاش والقدح. وأريد أن أضيف نقطة أخرى، وهي أنه لا ضير من الاستشهاد ببعض كتابات أو مقولات من نختلف معهم فكريًا، إذ ربما صَحَّ هذا الأمر على ألسنتهم، ولا يعني ذلك أننا نتبنى جل أفكارهم ومعتقداتهم.

​هذه الثقافة للأسف ليست منتشرة، على العكس نجد المنتشر بيننا هو ثقافة الإسقاط: إذا رفضنا فكرة، نسقط صاحبها تمامًا. وإذا أعجبتنا فكرة، نسقطها إذا كنا نرفض صاحبها.

​إن هذا النمط من التفكير يمنعنا من الاستفادة من الحكمة أينما وجدت، ويجعلنا أسرى للتحيزات الشخصية. فالحقيقة ليست حكرًا على أحد، وقد تظهر على لسان من نختلف معه. يجب أن نتبنى منهجًا نقديًا يبني على ما هو صحيح ومفيد، بغض النظر عن مصدره، ونرفض ما هو خاطئ دون أن نعمم الرفض.

هذا لو كان اختلاف في الثقافة أو كانت عداوة لأي سبب هنا من الجيد أن ننظر الاختلاف ونعرف ما يجول في رأس الطرف الآخر، لكن مثلاً عندما أجد شخص لا يؤمن بأن ما يحصل في غزة انتهاك واشاهد مقاطعه واتفاعل معها بدعوى تقبل الرأي الآخر هنا تضيع الحقيقة وتبهت قيمة الاختلاف لذلك لا أرى التقبل ينفع في كل شئ

لا يشترط أن أتفاعل مع المقاطع لأضطلع على محتواه و أستمع للأفكار التي فيه، فالتَّفاعل مع تلك المقاطع يساعد على نشرها و هذا بالتَّأكيد ليس مستهدفًا، و لكن ما المانع من الاستماع للمقطع و فهم الأفكار التي فيه، و التفكير فيها و في السبب الضي يدفع من يؤمن بها لذلك والأسباب التي تجعلها خاطئةً.

على اساس أن الاستماع لا يساهم في جعل هذه المقاطع رائجة ولا تعيد الخوارزميات ترشيحها لمن تعرفهم!

كانت تلك النقطة غائبة عني بالفعل😅، إذًا أظن أن الأجدر فعلا هو الاضطلاع على أفكار الغير الذين نختلف معهم، متى أتيحت لنا الفرصة و كنا متأكدين حينها أن اضطلاعنا عليها لا يساهم في نشرها و الترويج لها.

طرحك عميق جدًا ويلمس واحدة من أهم أزماتنا الفكرية 👌.

الجميل إنك وضحت إن القراءة لمن نختلف معهم مش معناها الانبهار الأعمى ولا الذوبان، لكنها وسيلة لفهم الآخر وتوسيع مداركنا، وفي نفس الوقت تثبيت هويتنا بالوعي مش بالانعزال.

اللي بيخاف يقرأ للآخر غالبًا عنده شك في ثبات أفكاره أو ضعف في حجته، لكن اللي واثق من مرجعيته وهويته يقدر يقرأ وينتقد ويستفيد من غير ما يضيع أصالته.

يمكن أجمل ما قيل في المعنى ده: القرآن نفسه حكى أقوال الكفار والمنافقين بتفصيل، مش علشان نصدقها، لكن علشان نعرف كيف نفكر ونرد ونعتبر.

فإزاي نرفض قراءة كتب بشر لمجرد إنهم مختلفين معانا، بينما كتاب الله ما خافش يعرض الرأي الآخر كاملاً؟

المعرفة مش خطر في ذاتها، الخطر الحقيقي هو الجمود أو التقليد الأعمى.

إحنا محتاجين نقرأ بعقل ناقد وقلب ثابت، عشان نكون أمة عندها وعي، مش مجرد رد فعل.

​بالضبط، الشخص غير الواثق من فكره، المفتقر للحجة، هو ضحية سهلة لأي طرف مخادع. إن المعرفة ليست رفاهية ولا حكرًا على جماعة دون الأخرى، ولكنها وسيلة لحفظ الهوية وتثبيت الجذور، وأيضًا للتطور والتقدم على المستوى الإنساني.

​المفتقر لهذا المعنى هو أول من ينسلخ من هويته عندما يواجه اختبارًا حقيقيًا، لأنه يكون هشًا من الناحية الفكرية، قابلًا للقولبة حسب توجهات الطرف الآخر.

اتفق في كون النظر عبر نافذة الثقافات من قصر ثقافتنا مهم للغاية واساسي

لكني لا استطيع منذ زمن قبول تقسيم الانسان، رغم انه يساعد في للفهم، إلا أن هذه الفكرة مرهقة لي، لا يمكن ابدًا ان اصنف البشر، واشعر ان الاختلافات البسيطة حتى تجعل المجتمع مختلف لا يمكن التعامل مع كانقسامات، أو فروق حدية

​هذا ليس تصنيفًا ولا تقسيمًا بقدر ما هو فهم لمآلات الخطاب الأحادي. إن رفض فكرة الاختلاف أو الخوف منها يقع ضمن الإشكال الذي نناقشه. فلا ضير من أننا لا نشبه بعضنا البعض، ولا نفكر بالطريقة نفسها، أو أن التجربة نفسها قد قسمتنا لفرق مختلفة.

​أرى أن مشكلة العالم هي أنه لا يريد أن يُطبِّع مع فكرة الاختلاف والتساوي، فيُوجِب لونًا واحدًا، وفكرة واحدة، وعرقًا واحدًا. تلك الأمور أنتجت أيديولوجيات سامة كالفوقية البيضاء وما إلى ذلك. وإن كان الأمر يُستخدم لدوافع استعمارية، فإن هناك بين العامة من آمن به إيمانًا عميقًا دفعه للهلاك في سبيله.

​الشاهد في هذا، أن التقسيم والتصنيف الغرض منه ليس تحييدًا إنسانيًا، ولكن فهمًا بحثيًا لما وصلنا إليه ودراسةً للنواتج. إن التعامل بحساسية مفرطة مع هذه القصة يعتبر جزءًا من المشكلة، لأنه يمنعنا من تحليل الواقع بصورة موضوعية، ويجعلنا نخشى البحث في الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الانقسام.

"أتفق معك أن التمسك بالهوية أمر أساسي، لكني أرى أن الانفتاح على فكر الآخر لا يعني بالضرورة الذوبان فيه أو الانسلاخ عن الذات، بل هو وسيلة لإغناء معرفتنا وتقوية حجتنا. فالمعرفة لا تزدهر إلا بالحوار والتفاعل، لا بالعزلة والانغلاق".

"لا طريق للنهضة إلا بأن نعرف كيف نترجم الآخر ، أن نقف على تراث الآخر"

صحيح ثقافة القراءة لمن نحتلف معهم وإبراز وجهات النظر والتحليل هام، وما بين السطور ايضا،واشاركم الراي بما كتبتم مقتطفات

"أن النهضة الحقيقية لا تتحقق بالانعزال عن الآخر، أو بالخوف من الاطلاع على إرثه الفكري."

دمتم بخير.