المعرفة سبيل الموضوعية.. والجهل سبيل الاستحقاقية..

  • ErinyNabil

في نقاشاتي مع شخصيات مختلفة، وحتى استماعي إلى نقاشات عديدة، لاحظت تأثير "المعرفة" الفعلية على أصحابها، والمقصود بالمعرفة هنا هي التي تأتي من طريقين، إما تجارِب عملية وخبرات واقعية، وإما قراءات نقدية كثيرة جدًا، وبرؤية واعية ورغبة في الفَهم، وليس للتصنّع أو محاولة التباهي على الآخرين..

هذا كان لافت جدًا في نقاشاتي مع من هم ذو خبرات واسعة، أجدهم موضوعيين لدرجة تلغي أحيانًا تحيزاتهم الطبيعية في بعض المواقف، يميلون إلى التعامل مع كل موقف بمعطياته فقط، يضعون في الخلفية كل الاحتمالات بالتأكيد، ولكن لا أجدهم يتسرعون في الحكم أو النقد، عكس قليلي الخبرة، أو من يتعمدون البعد عن سُبل المعرفة، هؤلاء أجد عندهم نبرة استحقاقية أو فوقية في كلامهم غريبة!! ولو حاولت التحدث إليهم بشيء من المنطق، تجدهم يلجؤون فورًا إلى التحيّزات والدفاعات، كأنهم يتعرضون إلى هجوم شخصي.

بصراحة، لم أجد شخصًا ذو علم ينفع، إلا وكان له من التواضع نصيبًا كبيرًا، ومقصدي بالتواضع، هو الفضول الحقيقي لنقاش كل الموضوعات دون أي محاولة إثبات وجهات نظر، بل العكس، لديهم استعداد كبير لتقبّل خطئًا في وجهات نظرهم، واحتمالية الصواب لدى الآخر، وهذا برأيي ما تفعله المعرفة بوعينا، نفهم إنه مهما "تعلمنا" فنحن لا نعرف سوى القشور.. فهل تعاملتم مع نماذج من الاثنين سابقًا؟ وكيف كانت آرائكم في النقاش معهم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تعاملت مع النموذجين، والغريبة أن النموذج الأكثر معرفة كان دائمًا الأهدأ في الحوار، يناقش وكأنه يضع نفسه موضع التلميذ حتى لو كان الخبير، بينما النموذج الآخر قليل المعرفة كثير الثقة يدافع عن رأيه وكأننا نهاجم كرامته، لا فكرته! المدهش فعلًا أن من يعلم أكثر يدرك أكثر كم أن المعرفة بحر لا قرار له فيبحر بتواضع أما من لم يبلل قدمه أصلًا، فتجده يتحدث بثقة من يقف على اليابسة ويتخيل نفسه غواصًا محترفًا.

بالضبط، وليس ليس كمن نهاجم كرامته فقط، نحن نهاجم مخاوفه، وهذا أسوأ كثيرًا من الكرامة، فالدفاعية السريعة، والأسلوب القتالي في الحديث، يعني إنكِ أثرت موضوعًا شائكًا بالنسبة إليه، لا يعرف كيف يتحدث فيه بهدوء، لأنه قد يقتنع برأيك مثلًا، أو قد يشك في رأيه، وهذا مرعب بالنسبة لقليلي المعرفة، ولكن للموضوعية، مرعب لمن يريد أن يبقى قليل المعرفة.

ولكن دعوني أقول رأي مغاير قليلاً ، أليس من الممكن أن يتعمد إساءة فهم شخص يتحدث في بديهيات بموضوعية ، مثل ان تصر أن تقابل شخص يستغبى فهم نقطة معينة تحدثت فيها بعناية و وضوح، شخص مثلاً يبرر قتل طفل بريء ، حينها قد يكون الحديث المنطقي والبديهي غير قابل للتعامل مع هذا الشخص، والسيطرة على الأعصاب أيضاً .

ماهو اللي بيبرر قتل طفل بريء ده، ده بعيد كليًا عن الإنسانية مش المعرفة بس، يعني لو قمت ومشيت وسبته، عادي جدًا وحقك.

أكيد لكن من الصعب جداً مقابلة نموذج مشابه من دون الرد عليه ، لكونه يعتبر هذا أنتصار أو إنكسار ، لذا قد يكون الرد بنفس الطريقة المستفزة التي تثبت غباء منطقه وغبائه أو ما هو أسوأ ، ولكن للأسف لن يكون النقاش هادئ أو موضوع ، بل جدال واضح صريح قابل للتطور لما هو أسوأ .. صحيح قرار الانصراف دون الاشتباك بالحديث هو الأذكى على الأقل (ظاهرياً) ولكن مهم جداً أن يتم تحجيم تلك الشخصيات.

نعم تعاملت مع كلا النوعين وفعلاً أرى أن الشخص المتواضع معرفيًا تُرفع له القبعة

كم من أشخاص امتلكوا خبرة واسعة لكنهم لم يترددوا في التراجع عن رأيهم حين تبيّن لهم خطؤه بل كانوا يبحثون ويصغون ويتقبلون وجهات النظر الأخرى بكل رحابة صدر ...أما أولئك المتمسكين بآرائهم رغم وضوح الخطأ فأجد صعوبة في النقاش معهم بل أفضل تجنّب الحوار أصلًا لأنهم غالبًا لا يبحثون عن فهم أو نقاش بل عن انتصار وهمي لرأيهم

برأيي التواضع المعرفي لا يقل أهمية عن المعرفة نفسها بل هو دليل على نضجها

 بل أفضل تجنّب الحوار أصلًا لأنهم غالبًا لا يبحثون عن فهم أو نقاش بل عن انتصار وهمي لرأيهم

هذه إشارة أخرى لجانب مهم جدا في النقاشات، إذ لا يتوقف التواضع فقط على من كان لديه علم غزير، بل يمتد أيضا إلى من لا ينتصر لرأيه وإنما ينتصر للحقائق وحسب، وكم من عالم ينتصر لرأيه ويسعى لقال هو عالم وهو فذ... وكم من جاهل متواضع للعلم منصت له تارك للجدال ولا معرفة له.

فللنية أيضا دور كبير في الموضوع.

نقطة مهمة فعلًا، الانتصار للرأي حتى لو خاطئ، أسوأ من عدم إبداء الرأي من الأساس. البعض يخشى يا هارون أن يقول: أنا أخطئت.. وجهة نظرك صحيحة، أو أنا لا أستطيع النقاش في هذا الموضوع لأنني لا أعرف جذوره، أو لا شأن لي به.

بالضبط، هذا مربط الفرس.

بل أظن أن "الأغلب" وليس "البعض" فقط كذلك!

@harounwrites @ErinyNabil

شكرًا لتعقيباتكم العميقة وأتفق تمامًا مع ما ذكرتموه خصوصًا في أهمية النية وراء كل نقاش وأن الهدف الحقيقي ليس الانتصار لرأي بل السعي لفهم أعمق للحقيقة

وأحب أن أوضح أنني لا أرفض النقاش من حيث المبدأ بل أحيانًا أتجنّبه مع بعض الأشخاص ليس لأنني لا أؤمن بقيمة الحوار بل لأنني خضت معهم نقاشات سابقة كثيرة وكانت كلها تدور في نفس الحلقة المغلقة حيث لا إنصات ولا رغبة حقيقية في الفهم بل مجرد تمسّك بالرأي لمجرد التمسك

ولهذا أصبحت أفضّل في مثل هذه الحالات أن أعمل بوصية النبي ﷺ، حين قال:

"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا"

فالمراء والجدال العقيم لا يُثمر علمًا ولا يزيد وُدًّا بينما النقاش البنّاء الهادئ هو الذي ينفع ويؤثر

أؤمن تمامًا أن التواضع في النقاش لا يخص أهل العلم وحدهم بل يشمل كل من يملك نية صادقة في السماع والفهم دون تعصب وهذا ما يجعل الحوارات ترتقي فعلًا

"أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا"

بالضبط، سبحان من قال عنه: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"

بل أفضل تجنّب الحوار أصلًا لأنهم غالبًا لا يبحثون عن فهم أو نقاش بل عن انتصار وهمي لرأيهم

أحيانًا أتجنب النقاش كليًا، وأحيانًا أخرى استمر فيه لغرض توضيح أن المشكلة هي غياب النقاش نفسه، نحن نحاول رد صفعات إلى بعضنا، انتظارًا منا لفوز أحدنا، في حين أن النقاش عادة قد لا ينتهي بانتصار فكرة على أخرى، ولكن الهدف هو توضيح أسباب تبنّي كل فكرة، ربما لديك فكرة افضل مني، ولكنك تتعاملين معي بدقاعية شديدة، فأضطر لإنهاء النقاش لأنني لا أفهمك، والعكس، ربما فكرتك غير صحيحة في رأيي، ولكنك تتحدثين بموضوعية وتشرحين وجهة نظرك دون أي تخوّفات، بل حتى لو ذكرت لكِ بعض الأخطاء، ستتفهمين وتسمعين ما أحاول تصحيحه، وتختارين أخيرًا بهدوء، هل تتوافين معي أم لا.

مثل مر علي وأعجبني جدا:

  • الأغبياء يناقشون الأشخاص
  • الأذكياء يناقشون الأحداث
  • العباقرة يناقشون الأفكار

هذا يلخص الكثير.

نقاش الفكرة يحتاج إلى شخص يعرف كيف يروّض مخاوفه وتحيّزاته، أو بلغ من العلم والمعرفة، ما وصل به إلى نقطة الموضوعية التامة، أما إذا دخلت المخاوف، فلا يمكن نقاش أي فكرة -مهما كانت- بموضوعية.

Omar_Mahmoud173 أضف ردا

في العادة لا تكون لدي طاقة ولا رغبة للنقاش أصلًا.

وربما هذا خاطئ فالنقاش يكون مثمر ولكن لأن غالب النقاشات لا تنتهي بشكل جيد.

فالنقاش ليس معركة للإنتصار بل هو مجرد حوار.

وواحدة من العبارات التي ممتن لمعرفتها هي "إتفقنا على ألا نتفق".

أما بخصوص فكرتك فأنا اتفق معك ولكن هناك شواذ لكل قاعدة.

فقد نجد شخص ذو علم ولكنه لا يسمح لأحد بمناقشته ويشعر بالغرور وكأنه يعلم كل شئ عن هذا العلم.

وأنا لست شخص ذو علم واسع أو لدي خبرة طويلة ومع ذلك لا أذكر أني قد حاولت إهانة أحد في نقاش.

بصراحة، هذه من أكثر الأمور التي تستفزّني، وألاحظها كثيرًا هنا. أحيانًا يُفتح نقاش، لكن أحد الأطراف لا يريد أن يستمع إلى الرأي الآخر، فيتحول الحوار إلى خلاف حاد بلا فائدة. طالما أن الشخص قرر أن يفتح نقاش، فالأجدر به أن يتحلّى بسعة الصدر لتقبّل الاختلاف والنقد، لأن هذا هو جوهر أي حوار صحي. أما إن كان دخوله فقط لإثبات أن رأيه هو الصواب، ولا يقبل بسماع غيره، فهذا لا يُعد نقاش.. بل خطبة من طرف واحد. وفي هذه الحالة، من الأفضل أن يحتفظ برأيه لنفسه، بدلًا من دعوة الآخرين للمشاركة في حين لا يُسمح لهم بالاختلاف.