15

هل نبالغ في تقديس "البرّ بالوالدين" في مجتمعاتنا؟

في كل مرة يُطرح موضوع "البرّ بالوالدين"، نُقابل بسيلٍ من الأوامر والنصوص التي توجب الطاعة، الصبر، التحمل، وحتى الغفران الكامل مهما فعل الأهل.

لكن، هل فعلاً يُفترض أن يُقدَّم البرّ بشكل مطلق؟

ماذا لو كان أحد الوالدين مؤذيًا نفسيًا؟ أو يسحب ابنه/ابنته إلى الحضيض باسم "الطاعة"؟

هل فكرة "رضا الوالدين من رضا الله" تنطبق في كل الأحوال؟ أم أنها استُعملت أحيانًا كأداة للسيطرة العاطفية؟

البرّ لا يعني السكوت عن الإيذاء. ولا يعني الغفران الدائم بلا حساب.

فهل نحن نحتاج لإعادة تعريف البر؟

وما حدود البرّ المقبول؟

هل يمكن أن تكون قطيعة الوالدين أحيانًا… هي البر الحقيقي للنفس؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لا أرى أن طاعة الوالدين واجبة في كل وقت، بل هناك حالات يمكن للإنسان أن لا يطيع والديه.

لكن ذلك يتطلب أن يكون للإنسان خبرة قوية في الحياة وحكم صائب نافذ لجوهر الأمور.

عديد من الأبناء يمرون بفترة تمرد يرون فيها الوالدين سبب ضرر لهم، لكن قد يتضح أن الوالدين كانوا يبتغون منفعة الابن أو الابنة.

الإنسان البالغ الصلب يصبر على أذى كثير من الناس، فالموظف قد يصبر على أذى من مديره، ورجل الأعمال قد يصبر على أذى من جهات سيادية، وحاكم الدولة قد يصبر على أذى من دول مجاورة.

فلو كان باستطاعة الإنسان أن يصبر فليصبر، والله أعلم.

كما ذكرت حضرتك، طاعة الوالدين ليست واجبة دائماً، لكن في بعض الحالات أري حتى لو كان أحد الوالدين يقسو على إبنهم، فقد يكون الإبن حقا شخص مستهتر ولا ينبغي تركه دون توجيه.

فقد رأيت في حالات كثيرة الأب يقسو على أحد أبنائه دون الآخر، هذا ليس بسبب تفريق الأب، ولكن لآن الإبن الذي يقسو عليه الأب هو شخص مستهتر فعلاً.

كما يمكن للأبن الحديث مع والده وإخباره أنه أصبح شخص كبير ولديه شخصيته المستقلة، ويحتاج إلى أن يتم معاملته بطريقة أفضل، فقد يستمع له الوالد ويغير طرقته القاسية.

جميعنا نخطئ، حتى إذا كان الوالد قاسي، قد يمر عليه أيام صعبة ويمرض ويحتاج إلى رعاية، وهنا يجب أن ننسي كل خلاف وأن نرعي والدينا بكل حب.

فقد رأيت في حالات كثيرة الأب يقسو على أحد أبنائه دون الآخر، هذا ليس بسبب تفريق الأب، ولكن لآن الإبن الذي يقسو عليه الأب هو شخص مستهتر فعلاً.

أتفهم الدافع وراء ذلك ولكن لماذا لا نغير الطريقة؟ الابن مستهتر والأب يريد أن يغيره لماذا يلجأ للقسوة مباشرة؟ لماذا لا يحاول استخدام طرق أخرى، مثلا أن يفهم اولا تركيبة الشخصية ولماذا هو مستهتر؟ مثال شائع جدا كأن نسمع آباء يشتكون من أطفالهم لأنهم مهملين في دراستهم ولهذا يقسون عليهم، فهل نظروا في الأسباب؟ هناك أطفال لديها صعوبات في التعلم، وهناك من لديه ميول يتفوق فيها كالرياضة والفنون وبالتالي لا تحفزه المواد الدراسية الأخرى، وأسباب كثيرة أخرى، إذا فهمنا السبب سنتمكن من علاج المشكلة بشكل صحيح وفعال يفيد الأبناء ولا يؤثر على علاقتهم بأهلهم، ولكن استخدام القسوة كحل أولي مباشرة ضعف وتقصير في مفهوم التربية وفي الواجبات والمسؤوليات عند الأهل الذين من المفترض أن يكونوا أكثر وعيا بحيث يرشدون ويوجهون أولادهم بطريقة صحيحة.

Andrew_Atallah أضف ردا

كلام حضرتك صحيح.

لكن للأسف نفقد في مجتمعنا الوعي التربوي. القسوة ليست حل بل هروب من المسؤولية التربوية، وغالبا ما تزيد من المشكلة بدل أن تعالجها.

الطفل المستهتر قد يكون لديه سبب لم يُفهم بعد، والتربية الحقيقية تبدأ من الإصغاء، الفهم، والاحتواء، وليس من العقاب الفوري.

لكن مازلت أعتقد أن يكون هناك توازن بين الإصغاء والشدة معاً بشكل متزن. لأن في الحقيقة أري أن الجيل الحالي أصبحت تربيته أسوء من ذي قبل.

في رأيي أن استخدام "بر الوالدين" كأداة للتسلط والضغط على الأبناء وإجبارهم على فعل ما لا يريدون هو ابتزاز عاطفي وأذى مُقنع.

نعم البر بالوالدين واجب وضرورة فيما لا يغضب الله، لكن هل تخلي الفرد عن أحلامه أو فعل شيء لا يريده والعيش وهو كاره لنفسه وربما كاره لوالديه سرًا هو أمر يرضي الله؟!

أقول أن نطيع الوالدين ونبرهما، لكن عندما يتعلق الأمر بقرارات شخصية أو مصيرية كالزواج أو العمل أو المستقبل أو الأبناء أو ما شابه فيبقى القرار هو قرار الشخص، وإذا غضب عليه الوالدين يحاول إفهامهما وجة نظره أو تعويضهما بطريقة أخرى بعيدة عن التنازل والخنوع، مع ودهما والسؤال عليهما.

اما عن السؤال الآخير فله إجابة واضحة يعرفها القاصى والدانى وهى لا يجوز قطيعة الوالدين ابدا حتى لو اتو اعظم ذنب على وجه الأرض وهو الشرك بالله..

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾

إن الله نهانا ان نعبر عن مجرد الضجر فما بالنا بالقطيعة؟

وحتى نفهم الموضوع فلا بد من التفريق بين المصطلحات اولا،بمعنى أن البر غير الطاعة:

البر : هو الإحسان إليهما، والتلطُّف في القول والفعل، والدعاء لهما، والصبر على أذاهما، وتقديم الرعاية لهما. وهذا( واجب في كل الأحوال)، حتى لو كانا غير مسلمين أو مُسيئين.

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾

الطاعة : هي الامتثال لأوامرهما، وهذه (ليست مطلقة)، بل مقيدة بعدم المعصية. فإذا أمراك بمعصية (كالكفر، أو ترك الصلاة، أو ظلم الآخرين) فلا طاعة لهما، لكن يبقى البرّ.

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} هنا نفي الطاعة في المعصية،

لكن قال بعدها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أي استمر في البرّ.

إذن الطاعة جزء من البر وليس العكس

الخلاصة :يمكن ان تبر والديك وتحقيق اهدافك الخاصة دون الطاعة المطلقة

صحيح أن النصوص جاءت بالبر والإحسان حتى في حال الكفر أو الأذى، لكن هل هذا يُلزم الإنسان أن يستمر في العلاقة المباشرة بأي ثمن؟ هناك فرق بين أن أبرّ والديّ، وأن أُبقي نفسي في بيئة مؤذية تُحطّم نفسيتي وكرامتي على نحو مستمر.

الآية ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ نزلت في سياق الجهاد للإشراك، لكن ماذا عن من يهين، يُقلل، يكسّر، يبتز، يهدد، أو يسبّ؟ هل يظل "الصحبة بالمعروف" واجبًا حتى حين تصبح العلاقة استنزافًا نفسيًا مزمنًا؟

من المؤسف جدا أن أغلب من يستخدمون بر الوالدين كسلاح لكسب الطاعة المطلقة ولكي يفعلوا ما يحلو لهم من السيطرة والتدمير النفسي والأذى الجسدي يتعاملون معه كانه تأمين لطاعة أبنائهم لهم، فهؤلاء الأباء هم أنفسهم من يأتون بعد أن يبلغوا مرحلة الشيخوخة ويحتاجون أبناءهم ليكونوا بجانبهم، فعندما يرفض الأبناء ويحاولون الابتعاد عنهم للحفاظ على ما بقي من صحتهم النفسية يلوحون ببطاقة بر الوالدين، رغم أنه لم يبر ابنه لسنوات لكنه يسأل الآن عن البر.

في الحقيقة سمعت الكثير من القصص والمشاكل التي يعاني منها بعض الأبناء بسبب والديهم، وقد يصل الأذى لدرجة تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، لدرجة أن بعض الحالات وصلت إلى مرحلة أصبح من المستحيل معها العيش بسلام مع والديهم، وهذا شيء عجيب يصيبني بالذهول صراحة، لا أعلم ما الذي يدفع بعض الناس للإنجاب طالما أنهم غير مستعدين للعطاء والرعاية والرحمة، فالأبوة ليست مجرد لقب بل مسؤولية كبيرة، لكن في الوقت ذاته لا ننسى أننا جميعًا نرجو رضا الله ونطمع في دخول الجنة، والبر بالوالدين من أعظم أبوابها، وربما لا يعني ذلك الاستسلام للأذى، بل البحث عن طريقة تحمينا وتحفظ كرامتنا دون قطيعة تامة، ولو كان ذلك بالدعاء والابتعاد الهادئ، المسألة مؤلمة ومعقدة وتستحق أن نعيد التفكير فيها بروح بإنصاف وتوازن.

البرّ في جوهره عبادة، لكنه لا يعني إلغاء الذات ولا قبول الإيذاء بلا حدود. في الشريعة، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والإيذاء النفسي والبدني مرفوض شرعًا حتى لو صدر من الوالدين ،والبرّ لا يلزمك بالتماس الأذى، بل يمكن أن يتحقق بالحدود الآمنة: بالكفّ عن الإساءة، والدعاء من بعيد، دون التورط في علاقة تستنزفك.

القطيعة ليست هي الأصل، لكنها قد تكون ضرورة مؤقتة لحماية النفس، شريطة ألا تتحول لعداوة أو عقوق.

أعد تعريف البرّ في حياتك بما يحفظ كرامتك وسلامك الداخلي، دون أن تُحمِّل نفسك وزرًا ليس عليك، فالله أعدل من أن يرضى بظلم تحت غطاء الطاعة.

هناك حدود للطاعة وهناك واجبات

ارتباط التقديس المطلق هو لأهمية الوالدين وليس لكونهم معصومين عن الأخطاء....وهي رسالة للاحسان جزاء بما اسبغا عليك من الخير والجهد والمال

الجواب في بر سيدنا إبراهيم لأبيه آزر، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

بر الوالدين ليس مجرد خلق رفيع أو عرف اجتماعي بل هو أمر إلهي صريح ورد في كتاب الله في أكثر من موضع مقترنًا بعبادة الله نفسها وهذا دليل على عظم مكانته وعلو منزلته

قال تعالى

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا

وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الإحسان إليهما فريضة لا تترك وتكليف من الله يسبق الكثير من الواجبات

القرآن الكريم لم يكتف بالأمر بالبر بل قدم نماذج إنسانية راقية تظهر كيف يكون البر حتى مع والدين غير مؤمنين كما في قوله تعالى

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا

فحتى في الاختلاف يحافظ الإنسان على خلق البر والمعروف

بر الوالدين هو اعتراف عملي بالجميل ورد جميل لا يمكن أن يرد ومقام لا يضاهيه مقام ومهما بلغت العلاقة من توتر أو اختلاف فإن الأصل في الإسلام هو الإحسان لا العقوق الرحمة لا الجفاء والعدل لا الظلم

لكن هذا لا ينفي أن البر لا يطلب بثمن النفس ولا بتمزيق الذات وإنما يطلب بالمعروف بالحكمة وضمن حدود الشرع والإنسانية

فهو حق مقدس لكنه لا يمارس بالإكراه ولا يسلب من خلال الأذى

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم