11

جغرافيا اليأس

لم يكن يتذكر شيئًا عن العالم الآخر، العالم الذي تدفئه الشمس.

كل ذاكرته، منذ أن استيقظ، كانت محصورة بين هذه الجدران الحجرية الرطبة.

كان البئر عميقاً، أعمق من أي صرخة، وأبعد من أي أمل.

أصبح جسده خريطة للألم؛ فالبرودة تسكن عظامه بشكل دائم، ورائحة الرطوبة الكريهة هي الهواء الذي يعرفه،

عضات الفئران وقرصات الحشرات صارت مجرد تفاصيل يومية باهتة في معاناته.

لا شيء يحميه هنا، لا شيء يمنحه حتى وهم الأمان.

حتى المطر، الذي كان يسمع من حين لآخر بعض العابرين يتغنون به كرمز للحياة، كان بالنسبة له رمز الموت.

فمع كل قطرة تسقط في الأسفل، كان منسوب الماء يرتفع ببطء، ببطء قاتل، مقرباً إياه من حتمية الغرق.

وفي أحد الأيام، حدثت المعجزة. سمع صوت خطوات في الأعلى، ثم ظهر وجه رجل كقرص شمس بعيد على حافة البئر.

صاح بكل ما تبقى فيه من قوة.

نظر الرجل إلى الأسفل باستغراب، ثم صرخ: "سأرمي لك حبلاً!".

وبالفعل، تدلى الحبل أمامه كخيط عنكبوت واهٍ.

همس بصوت مكسور: "أنا لا أستطيع...".

جاء الرد من الأعلى سريعاً وحاسماً: "أنت لا تحاول!".

لم يستطع الرجل أن يرى شيئاً في هذا الظلام، لم يرَ سنوات اليأس المحفورة على الجدران، وبالتأكيد لم يرَ أطرافه الأربعة التي كانت مبتورة بعناية لكي لا يستطيع الخروج.

"أنت تستحق أن تبقى هنا، لأنك لا تريد أن تساعد نفسك." قالها الرجل بنبرة غاضبة، ثم سحب الحبل ورحل.

لم تكن المرة الأولى. تكرر هذا الموقف مرات عديدة، بوجوه مختلفة، وبنفس النتيجة.

ومع كل مرة، كان جزء منه يموت. الجزء الذي يصرخ، الجزء الذي يأمل، الجزء الذي يظن أن هناك من قد يفهم.

وفي النهاية، اتخذ قراره الوحيد المنطقي: توقف عن الصراخ.

تأقلم مع الوضع، اعتاد عليه، وتقبله كقدر.

ما الفائدة من محاولة فهم تركيبة البئر، أو عمقه، أو حتى سبب وجوده فيه؟ لا فائدة. فلا مخرج.

كان يسمع أحياناً ضحكات الأطفال في الأعلى، أو كلمات العابرين عن "الأمل" و "الإرادة". كانت تبدو له كلغات غريبة من كوكب آخر.

لكن كيف يلومهم؟ هم يرون الضوء بأعينهم، أما هو، فلا يرى في بئره إلا ظلاماً أبدياً لم يصله ضوء الشمس يوماً.

بمرور الوقت، بدأ يفقد حتى قدرته على التخيل. بهتت الألوان في ذاكرته، وأصبح كل شيء يراه في عقله رمادياً باهتاً.

وفي يومٍ ممطر، بينما كان منسوب الماء يرتفع بهدوء ليغمر ما تبقى من جسده، لم يشعر بالخوف.

نظر إلى الأعلى للمرة الأخيرة، لا ليرى شيئاً، بل ليودع الظلام الذي كان وطنه الوحيد.

أغمض عينيه.

لقد حان الأوان أخيراً للاستسلام للغرق.

لقد حان أوان الراحة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أحسنت التعبير بشكل مبدع 👏

نحن هنا لا نتكلم عن شخص سقط ببئر حقيقية أو تم بتر أطرافه بسكين، لكننا نتحدث عن حبيس الظروف والحياة الصعبة التي جعله الحزن واليأس يشعر كما لو أنه هوى ببئر عميق، قد أصبح ضعيفًا من كثرة المحاولات والخيبات لدرجة جعلته لم يعد قادرًا على الحركة أو فعل مجهود، ولأن للإنسان الظاهر فكل من يحاول المساعدة يرى بعينه وظروفه هو لا بعين وظروف من بالبئر لذلك يتهمه الناس بالسلبية وعدم الرغبة في التغيير ويتركوه لأنه بوجهة نظرهم لا يحاول ولا يريد ولا يستحق!

ربما يأتي يومًا من يتفهم الأمر ويصبر.

أو ربما من الأفضل أن يكف عن انتظار أحد ويحاول التسلق بمفرده، حتى ولو استخدم الماء الذي من المفترض أن يغرقه لكي يرفعه لأعلى ويتحرر.

لقد كانت واحدة من نقاشاتنا في التعليقات هي من ألهمتني بفكرة هذه القصة.

وكانت لدي منذ اسابيع ولكن لم أكن واثقًا أنها جيدة كفاية لأنشرها.

لذلك فأنا سعيد أنها أعجبتكِ.

نعم لاحظت ذلك.

النص جيد والقصة رائعة للغاية.

ولأن للإنسان الظاهر فكل من يحاول المساعدة يرى بعينه وظروفه هو لا بعين وظروف من بالبئر

أعتقد أن هناك حكمة من تلك النظرة، لأنه من الصعب أن ينزل أحد داخل بئر شخص آخر ففي هذا خطر على الاثنين، كما أن من لا يحاول أن يخرج من بئره الشخصي ولا يمتلك إرادة قوية للخروج، في الغالب لن تجديه مساعدة الآخرين..

هذه الكلمات أثرت فيّ… شعرت وكأنني أنا من في البئر أتنفس رطوبته وأحمل على جلدي برودته أصعب ما في النص أنه يذكّرنا بأن بعض الجروح لا تُرى وأن الحكم على الآخرين دون معرفة معاناتهم قد يكون أقسى من البئر نفسه النهاية موجعة لكنها تحمل صدقًا مُرًّا… أحيانًا لا يكون الاستسلام ضعفًا بل راحة بعد حرب طويلة لم يرَها أحد

شعرت وكأنني أنا من في البئر

سعيد بهذه العبارة، فهذا يعنى أني قد نجحت في إيصال الفكرة والمشاعر في النص.

أحيانًا لا يكون الاستسلام ضعفًا بل راحة بعد حرب طويلة لم يرَها أحد

أتفق معكِ.

القصة تحمل تساؤلات حول معنى الصراع الوجودي بين الأمل واليأس وحول حرية الإنسان في اختيار الاستسلام أو المقاومة في وجه قسوة الحياة.
قصة رائعة .

“طرح المقال أفكارًا عملية يمكن لأي شخص تطبيقها لبدء مشروع صغير، وأعجبني التركيز على استغلال الموارد المتاحة بدل انتظار الظروف المثالية. أرى أن الالتزام بالتجربة والتطوير المستمر هو ما يحول هذه الخطوات إلى قصة نجاح حقيقية.

أعتقد أن حضرتك قد كتبت تعليقًا هنا بالخطأ.

لأن التعليق لا علاقة له بالمشاركة.

George_Nabelyoun أضف ردا

تشبيه مميز وسرد جيد جداً، أشار لهذا الموقف عديد من الكتّاب لكن كان أكثر التشبيهات تداولاً هو تشبيه "القفص"، كل إنسان يخلق لنفسه قفص ويسجن نفسه داخله، ويحدث كما ذكرت يشعر الإنسان بالوهن للخروج من هذه القفص أو البئر، وينتظر أن تتحسن الظروف أو يأتي أحد ليخرجه من قفصه وبئره، لكن لا أحد سيستطيع النزول لأسفل البئر، لماذا يخلق الإنسان قفصه بنقسه أو يجلس ببئره برأيك؟

Omar_Mahmoud173 أضف ردا
لماذا يخلق الإنسان قفصه بنقسه أو يجلس ببئره برأيك؟

ليس بالضرورة قد يتم حبسه في قفص أو إلقاءه في البئر من أخرون.

لكن بالفعل الخروج هو مسئوليته لأنه لن ينزل أحد إليه ليخرجه.