مات أثر جرعة زائدة من الألم النفسي.

fatma351

يُؤلمكِ ذاك الطريق؟

بدايةٌ مُفعمةٌ بالحياة، الكثير من الأحلام الهادئة، والضحكات الصاخبة، أعينٌ لامعةٌ من أثر نوبات الحُب، واعتناق شعار الحماس والاتزان في آنٍ واحد: "رويداً رويداً، لكن حتماً سوف نصل." هكذا كان تصوره الجميل عن رحابة أوطانه.

| على هامش إحدى صفحات دفترها الأسود

الأحد ١٠ نوفمبر ٢٠٢٤ يوم برفقة طبيب مُحمد النفسي.

يُقال إنه عاد إلى الرتّابة مرةً أخرى، حيثُ العشوائية المزعجة واللون الأزرق الصاخب. ودّ لو أنه مات تلك الليلة، لو أنه هوى إلى الأرض كقطعة زجاجٍ مُحطمة، تُحاوط روحه ندوبٌ لا تنتهي! إلى أين أنت ذاهبٌ يا مُحمد؟ هذا هو التساؤل الوحيد الذي يَتّملك رأسه الثقيل!

من القادر على إخراجه أيها الطبيب؟ ما هي الوصفة السحرية التي بإمكانها أن تُعيد مُحمد إلى ذاته؟ هل من الممكن أن يفعل اليأس بصاحبه مثلما فعل في مُحمد؟! أيعقل أن تكون أفكاره هي بذاتها قاتلـ.ـة مُحمد!

يُؤلمني رؤيتكِ تُحاولين من أجلي، ويُؤلمني أن أقول لكِ أن الحياة غير عادلةٍ، وأن سهام الوطن تخترق أجسادنا بدلاً من حماية أحلامنا. أنني يا فاطمة لست بعليلٍ، لكن كيف السبيل لقول ذلك؟

حسنًا أنتِ فاطمة إذًا؟

- نعم، أيها الطبيب.

يؤسفني أن أردد على مسامع قلبكِ هذه الكلمات، لكن لا مفر من قولها في النهاية. في ليلةٍ مضيئةٍ بكومةٍ من النجمات، وعلى أصوات شيخه المُفضل وهو يردد هذه الآية: " وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى}" ابتسم مُحمد للمرة الأولى وهو يكتب لكِ رسالته الأخيرة، ومع رعشة جفونه الذائبة ارتقت روحه من جحيـم الحياة إلى رحابة وسعة السماء.

#فاطمة_شجيع

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الكلمات التي سطرها قلمكِ تحمل بين طياتها أوجاعًا عميقة، وأسلوبكِ يلامس الوجدان بقوة. إن الألم النفسي الذي يعاني منه محمد ليس مجرد حالة مرضية، بل هو تعبير عن الصراع الداخلي الذي قد يواجهه الفرد عندما تتقاطع آماله مع واقع قاسٍ. ولكن هل حقًا يمكن أن يُقاس الإنسان فقط بما يعانيه؟ أم أن هناك لحظاتٍ داخلية قد تُمهد له طريقًا جديدًا نحو التحرر من القيود التي فرضها عليه المجتمع أو حتى ذاته؟

ما ضاقت دنيانا إلا لأننا ضيقناها بأفكارنا، وما ظُلمنا إلا لأننا سلمنا أعناقنا لوهم الظلم. الحياة دار ابتلاء، ومن لم يُصارعها بعزم الإيمان والصبر، أكلته بؤرها السوداء. الراحة ليست في الهروب من الدنيا، بل في مجاهدتها.

رغم أن القصة تفيض بالألم واليأس، إلا أن فيها تسليطًا قويًا على معاناة الروح البشرية في مواجهة الحياة، فالطريقة التي يتداخل فيها الأمل مع الألم وتصوير لحظة الختام، تجعلنا نتأمل في حقيقة الصراع الداخلي للإنسان وكيف يمكن أن تدمج الحياة بين الحزن والتصالح في لحظة واحدة، أحسنتِ في نقل هذا الشعور العميق، وأبدعتِ في صياغة هذه اللحظات المؤثرة استمري.

وهو يردد هذه الآية: " وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى}"

في هذه الآيات كمٌ من الطمأنينة لا ترجح به الجبال وزناً! نعم، لقد كنتُ في الماضي البعيد ألوم نفسي وأقرًعها على فشل المسعى وخسرانه وأظل أفكر فيما عساي أن أكون قد أخطأت به! حتى أني شعرت بالذنب مرات عديدة وحسبتُ نفسي من عداد الفاشلين لا محالة أو المنحوسين حظاً ممن يتنكبون طريق الصواب حتى وإن تحرًوه وتحروَه! غير أني لما تدبرت تلك الآيات أيقنتُ أنَ لي المسعى وعلى الله الجزاء سواء في دنيا أو آخرة وأنَ ليس هنالك عملاً يفوت دون نظر ودون ثواب عليه أو عقاب. فاسترحت وأرحت كثيراً. هذا هو الفرق بين جزاء المخلوقين وجزاء الخالق؛ فالمدير مثلاً ينظر إلى النتيجة النهائية لا يهمه السعي وكم تعبنا جراء ذلك. فهو يكافئ على المُخرج النهائي أما الخالق عز وجل فإنه يقدر أقل مساعينا وأجلها وينظر في دقائقها و النيَات من ورائها فلا تضيع خطوة في سبيل الحق و الخير و الجمال سُدى.