10

ماذا لو كان المتحرش مريضًا لا مجرمًا؟

عندما يُذكر التحرش، يتبادر إلى أذهاننا مشهد واضح: طرف ضعيف تم انتهاك خصوصيته، وطرف مُدان يستحق العقاب. وهذا أمر لا خلاف عليه من ناحية قانونية أو أخلاقية. لكن يوجد هناك وجه آخر لهذه الظاهرة يمكن النظر إليه من زاوية مختلفة ربما تبرر هذا الفعل.

يُدرج بعض المتخصصين السلوكيات الجنسية القهرية ضمن ما يُعرف باضطرابات السيطرة على الدافع (Impulse Control Disorders) أو اضطرابات البارافيليا في الحالات الأكثر تعقيدًا. هنا يظهر سؤال جدلي قد يسعى إلى تبرئة أو فهم أعمق: هل كل من يمارس سلوكًا تحرشيًا مدفوعٌ فقط بنية الإيذاء؟ أم أن بعضهم قد يكون أسيرًا لاضطراب نفسي لم يخضع للعلاج؟

هذا يعني أن المرض ممكن أن يُسقط المسؤولية، بل إنه يضيف بعدًا جديدًا في التعامل مع الجريمة: العقوبة وحدها قد تردع، لكنها لا تعالج. وفي حالات متكررة، يصبح التكرار دليلاً على وجود خلل لم يتم التعامل معه جذريًا، لا في الضبط المجتمعي فقط، بل في بنية الشخص نفسه.

ربما لا نملك إجابات قاطعة، لكننا بحاجة إلى طرح الأسئلة الصعبة التي تنقلنا من منطق الانتقام إلى منطق الفهم، لا لنلتمس الأعذار، بل لنمنع التكرار.

لو كنت مكان القاضي، كيف ستحكم على هذا المتحرش أو بمعنى أصح "المريض"؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}

القاضي يبني احكامه على الفعل الجرمي وفق نصوص القوانين واما الاتيان لاسباب التخفيفية لوجود عيب مرضي يشمل كل المجرمين من السارق حتى القاتل .

الفعل الجرمي وقع اما العقاب بحدد بعد عرض المريض على الطب النفسي.

ahmed_abd_elkhalek أضف ردا
 هل كل من يمارس سلوكًا تحرشيًا مدفوعٌ فقط بنية الإيذاء؟ أم أن بعضهم قد يكون أسيرًا لاضطراب نفسي لم يخضع للعلاج؟

حزنت كثيرا لآراء الأصدقاء في التعليقات، الاضطرابات النفسية ليست مبررا ولا تجبر المريض على فعل القتل أو أي شيء من هذا.

فالاضطراب النفسي يختلف عن الاضطراب العقلي، وتسقط التهمة عن المتهم فقط إذا كان مصابا باضطراب عقلي، أي أنه لا يعي ما يفعل ولا يدرك معنى القتل أو التحرش ولا يدرك أن هذا أذى.

أما بمجرد أن يُثبَت أن هذا الشخص يفهم الواقع ويدرك معنى الفعل الذي قام به وماهيّته، فهذا يعني أنه مسؤول عما يفعل، حتى لو كان تجت وطأة مرض نفسي، فيمكنه في أحلك الظروف أن يقول "لا" لنفسه.

شاهدت مؤخرا مسلسل adolescence يحكي عن طفل قتل زميلة له في المدرسة، وفي الحلقة الثالثة كانت هناك أخصائية نفسية تتحدث معه، ورغم محاولة فهمها لدوافعه وأسراره وأفكاره لتفهم أسبابه، إلا أن الغرض الرئيسي من الجسة هو أن تفهم ما إذا كان خذا الطفل "واعي" لأفعاله أم لا لتخبر المحكمة بالنتيجة.

المريض النفسي ليس دائمًا شخصًا متزنًا يعرف الصواب ويختاره ببساطة. كثير من الاضطرابات النفسية، كالاكتئاب الحاد، واضطراب الشخصية الحدّية، واضطراب الوسواس القهري القهري (OCD) بأشكاله العنيفة، واضطرابات السلوك الجنسي القهري، تسلب الشخص قدرته الفعلية على السيطرة، وتدفعه أحيانًا إلى سلوكيات لا يريدها، ولا يجد قوة لوقفها.

"إدراك الواقع" لا يعني القدرة على مقاومة الاندفاع القهري.

قد يدرك الشخص أن التحرش فعل خاطئ ومؤذٍ، لكن إذا كان مصابًا بخلل في نظام المكافأة في الدماغ أو يعاني من هوس جنسي قهري (Hypersexuality)، فإرادته نفسها تكون مُخترقة ومُضعفة، تمامًا كما يحدث مع مدمني المخدرات، أو من يحاولون الانتحار تحت ضغط الاكتئاب العميق.

ثم إن الفصل بين النفسي والعقلي نفسه موضع جدل في الأبحاث الحديثة، فالكثير من الأمراض النفسية تؤثر على الإدراك والسلوك والمشاعر بشكل يجعل من المستحيل تحميل الشخص كامل المسؤولية الأخلاقية كما لو كان سليمًا تمامًا.

كثير من الاضطرابات النفسية، كالاكتئاب الحاد، واضطراب الشخصية الحدّية، واضطراب الوسواس القهري القهري (OCD) بأشكاله العنيفة، واضطرابات السلوك الجنسي القهري، تسلب الشخص قدرته الفعلية على السيطرة، وتدفعه أحيانًا إلى سلوكيات لا يريدها، ولا يجد قوة لوقفها

هذا خاطيء تماما صديقي ياسين، هناك فارق كبير بين أن الاضطرابات النفسية فعلا تدفعنا أحيانا إلى بعض السلوكيات التي لا نريدها، فاضطراب الشخصية الحدية قد يدفع صاحبه إلى الصراخ وفقدان السيطرة على انفعالاته أو الدخول في علاقات مؤذية.

واضطرابات السلوك الجنسي قد تدفع الشخص إلى مشاهدة الإباحيات أو الدخول في علاقات متعددة، كل ذلك تأثيراته على الشخص نفسه، أما بمجرد أن يتعدى الشخص حدوده الشخصية ويتجاوز الأذى ليصل إلى شخص آخر فهو بذلك يستوجب الحساب مهما كان دافعه، فما ذنب الطرف الآخر؟

المنطق الذي تعرضه وتتبناه يجعلنا نُطلق جميع المتحرشين والقتلة والمغتصبين والسارقين بحجة أنه مُجبَرون على أفعالهم وهم الآن يتم علاجهم، غير منطقي بالطبع.

الفهم لا يعني التبرئة، والتحليل النفسي لا يعني إسقاط العدالة.

أنا لا أتحدث عن إعفاء شامل لكل من يعاني اضطرابًا نفسيًا، بل عن ضرورة وجود تمييز دقيق بين من يمتلك السيطرة الكافية على سلوكه، ومن لا يملكها فعلًا بسبب اضطراب مرضي واضح ومثبت يؤثر على قدرته الإرادية والانفعالية بشكل مباشر.

نحن لا نُطلق سراح القاتل أو المتحرش لمجرد أنه "يشعر برغبة"، لكننا نقول:

إذا ثبت عبر تقييم نفسي موثوق أن سلوكه نتيجة مباشرة لاضطراب عقلي أو نفسي يضعف قدرته على الضبط أو الإدراك، فالعقوبة يجب ألا تكون مماثلة لعقوبة شخص سليم تعمّد الفعل.

وهذا ليس تهاونًا، بل تطبيق لمبدأ العدالة التقديرية لا المساواة العمياء.

لذلك المحاكم في العالم المتقدم لا تُبرّئ بسهولة، بل تُلزم بالعلاج النفسي القسري طويل الأمد، وتضع حدودًا صارمة للمتابعة بعد الإفراج.

لذلك المحاكم في العالم المتقدم لا تُبرّئ بسهولة، بل تُلزم بالعلاج النفسي القسري طويل الأمد، وتضع حدودًا صارمة للمتابعة بعد الإفراج.

بالظبط، هذا ما أقصده، الجريمة نفسه يجب أن يعاقب عليها لأنه أخطأ في حق غيره، فالغرض من العقاب هو القصاص فقط لحق المظلوم بعيدا عن أمراض مرتكب الجريمة مهما كانت.

أما الجانب النفسي فيمكننا أن نتحدث فيه لمجرد التحليل وإلزامه بالعلاج أثناء العقاب حتى لا يتكرر ذلك بعد خروجه من السجن.

ليس نفس عقاب الشخص السليم بل عقاب مخفف مدعوم بالعلاج النفسي.

بعيداً عن الجانب الطبي للموضوع فأنا لست متخصص لكن سأرد من الجانب الديني، درست في أحد المواد الخاصة بالفقه الطبي مسألة مشابهة وهى حكم التحول الجنسي لمن يشعر باضطراب نفسي حول جنسه وميوله، وكانت الآراء على فرقتين أحدهما أنه لا يجوز فعل ذلك لما سيؤدى إلى تغيير خلق الله عز وجل والتشوهات التي قد تحدث للإنسان وأيضاً تنافياً مع الفطرة والهدف من خلق الإنسان وهو التكاثر وإعمار الأرض.

الرأى الثانى كان لفريق يقول بجواز ذلك لغرض حفظ النفس حتى لا يدخل الإنسان فى مشكلة العيش باضطراب ملازم له أو تعقيد نفسي قد يؤدى إلى سعيه للإنتحار مثلاً.

والرأى المختار عند الجمهور هو الرأى الأول لما فيه من حفاظ على المصلحة وحفظ الإنسان، وكان ردهم على الرأى الثانى أنه لو كانت حجة كل إنسان أنه يشعر بعدم ارتياح نفسي أو اضطراب وأبيح له فعل غير المباح بناء على ذلك لفتح الباب لكثير من الفتن، وهذا ما نراه فى هذا الوقت، تجد بعض الرجال يقول أنا أصلا أشعر أنى أنثى والعكس مع الإناث، وحتى اننا وجدنا فى الغرب أن هناك من يطالبون بتحويلهم ومعاملتهم كالحيوانات أعزكم الله لأنهم يشعرون بأنهم كذلك فى الأصل، فالمفاسد فى ذلك سوف تكون أكبر بكثير من المصالح.

الشاهد من الموضوع أننى أرى أن المتحرش لو كان يفعل ذلك بسبب اضطراب نفسى (وليس مرض عقلي) فهذا لا يُسقط أبداً تنفيذ العقوبة عليه وإلا لوجدنا حججاً مشابهة لغيره كالسرقة والقتل والتعذيب تحت داعى الإضطراب النفسي.

وأرى أيضاً أنه لحل المشكلة لابد أن يكون مع تنفيذ العقوبة تُشكل لجنة لمعالجة هذا الشخص حتى لا يقوم بتكرار الأمر، وأيضاً لجنة لمتابعة هذه الظواهر فى المجتمع حتى يتم الحد منها ومعالجة أصحاب الإضطرابات والأمراض النفسية.

إذا كنت تملك المال، يمكنك تمويل الدراسة التي ترغب بها، حتى في أصعب المجالات. المال يفتح الأبواب، لكنه لا يمنحك الحقيقة دائمًا.

في الماضي، كان يُنظر إلى "داء الكلب" باعتباره اضطرابًا نفسيًا، إلى أن ثبت علميًا أنه مرض فيروسي. هذه الحادثة تُذكّرنا بتطور فهم الإنسان للاضطرابات السلوكية والنفسية، فالكثير من الحالات كانت تُفسَّر تفسيرات خاطئة، ثم تغيرت النظرة مع تطور العلم.

علم النفس نفسه لا يخلو من التناقضات. فمع مرور الوقت، بدأ كل خوف يُلصق به مصطلح "فوبيا"، وأصبحت التصنيفات النفسية تتوسع بشكل مفرط. ومع أن الطب النفسي قد تطوّر، إلا أنه في كثير من الحالات فشل في تقديم تشخيص دقيق أو علاج فعّال، خاصة قبل أن يُعتمد المنهج التجريبي لفهم السلوك البشري. بل في بعض القضايا، استُغلّت تشخيصات الأمراض النفسية لتخفيف العقوبات أو إثبات البراءة في المحاكم.

حتى مرض مثل التوحّد، واجه الكثير من الصعوبات في التصنيف والتشخيص، نظرًا لتفاوت الأعراض من حالة لأخرى. وفي النهاية، وُلد مصطلح "طيف التوحد" كمحاولة لاحتواء هذا التباين.

أنا لا أنكر وجود هذه الأمراض، فلست طبيبًا، ولكن ما يجعلني دائم التفكير في الطب هو ما قاله لي صديق يعمل طبيبًا:

"الطبيب يمكن أن يكون ملاكًا، كما يمكن أن يكون مجرمًا. هو من يختار إن كان سيصف الدواء الصحيح أو دواء لا نفع له. والأسوأ: قد لا يمكنك حتى محاسبته قانونيًا."

هذا الكلام يضعنا أمام واقع مخيف، ويؤكد أن الأخلاق، لا المهنة وحدها، هي من تحدد النتيجة في النهاية.

قد يرتكب شخص جريمة، ثم يُعلن لاحقًا أنه مختل عقليًا، ويتحسن فجأة بعد صدور الحكم بالبراءة. هذه ليست مجرد احتمالات، بل وقائع حصلت.

وبعيدًا عن حالات "فقدان العقل"، فإن معظم الاضطرابات النفسية اليوم ترتبط بالمجتمع المحيط والفكر المفروض على الأفراد.

فمن يختار التشرد هربًا من المسؤوليات يُعتبر مريضًا عندنا، بينما في أمريكا قد يُنظر إليه كمن يمارس حريته الشخصية.

والعزلة الاجتماعية؟ تُعالج في بعض الدول من خلال معسكرات تنموية، وفي دول أخرى بالأدوية والجلسات النفسية.

السؤال المطروح هل نحن نُعالج الإنسان، أم نُطوّعه ليتلاءم مع مجتمع مريض؟

الكثير من قضايا القتل وهو الأمر الأصعب يسقط الحكم لكون الشخص يمثل بأنه مريض نفسي، وهناك شخصيات في ذهنه فقط هم من طلبوا ذلك منه.

في الحقيقة أنا غير مقتنع بفكرة أسقاط الحكم لكون الشخص يبدو أنه مريض نفسي، فعليه أن يحاكم مهما كان الأمر، ويجب أن يوفر القانون ذلك.

في الحقيقة أنا غير مقتنع بفكرة أسقاط الحكم لكون الشخص يبدو أنه مريض نفسي، فعليه أن يحاكم مهما كان الأمر، ويجب أن يوفر القانون ذلك.

كيف تسوي بين شخص سليم في كامل قواه العقلية وارتكب جريمة وبين آخر لديه مرض عقلي أو نفسي وهو يأتي الفعل قهراً؟! أعتقد أنه في المحاكم المصرية وغيرها من المحاكم يُنظر في سلوك المتهم وتقوم لجنة مختصة بفحصه لترى إن كان مسئولا عن أفعاله أم لا إما ما تقوله بتمثيل أنه مريض فهذه ليست حجة لأن المختصين يستطيعون كشف ذلك بالبحث و الادلة الجنائية و بسجل حياته.

أخى جميعنا لدينا مشاكل نفسية، لكن بنسب مختلفة.

سمعنا عن شخصيات قاموا بالتعدي جنسيا على أطفال، هل هم أشخاص في وعيهم؟! بالتأكيد عندهم مرض نفسي ومع ذلك يجب الحكم عليهم.

المشكلة ليست في كون الشخص مريض أو غير مريض ، فأي مريض نفسي يرتكب فعل إجرامي (أياً كان) تحت وطئة المرض وتأثيره فلا يجب معاقبته أو إصدار حكم ضده موازي لشخص عاقل أرتكب نفس الجرم - هذا ظلم مؤكد - والمريض النفسي يحتاج لعلاج خاص وفهم لأسباب هذا المرض فهذا من شأنه منع وعلاج أي مريض قبل أن يتفاقم مرضه بشكل يؤدي لارتكاب جريمة. أنا مشكلتي الأساسية تكمن استخدام الشهادات الطبية المزيفة من أجل الهروب من الحكم أو الحصول على حكم مخفف وهو أمر شائع يلجأ له بعض المحامين لإنقاذ موكليهم.. بالتحايل على القانون فيتم استغلال المرض النفسي كحجة لإخراج المجرمين وتبرائتهم وهو ما يتسبب لاحقاً من ارتكاب جرائم مشابهة.

أنا مشكلتي الأساسية تكمن استخدام الشهادات الطبية المزيفة من أجل الهروب من الحكم أو الحصول على حكم مخفف

للأسف ما أكثر ذلك في وقتنا الحالي، وأصبح من السهل تمثيل ذلك، لأن المرض النفسي ليس كالأمراض الجسدية، حيث يصعب تحديده بإشاعات أو تحاليل لتأكيد وجود المرض.

لذا هذا ما أتحدث عنه لماذا يسقط الحكم لكونه مريض نفسي، إذا كان مريض نفسي كما يقال لماذا من حوله لم يحاولوا مساعدته حتى يعالج.

هذا التخوف مشروع تمامًا، لكن يجب ألا يُلغي مبدأ العدل الحقيقي الذي يراعي النية والقدرة العقلية وقت ارتكاب الجريمة.

صحيح أن هناك من يسيء استخدام الثغرات القانونية ويزوّر تقارير نفسية للهروب من العقوبة، لكن هذه إساءة لا يجب أن تؤدي إلى تجريم المريض الحقيقي أو معاملته معاملة الجاني الكامل الإرادة.

العدالة لا تعني التسوية بين المختلفين، بل تعني التمييز بين من يملك السيطرة ومن لا يملكها. فإذا ثبت أن المتحرش أو المعتدي يعاني من اضطراب نفسي حقيقي، موثق بتقارير طبية موثوقة ومراجعة قضائيًا بدقة، فإن إنزال العقوبة كاملة عليه لا يُنصف أحدًا، بل يضر بمنظومة العدالة نفسها.

بالطبع يا ياسين أنت محق تماماً في تلك الزاوية من الرؤية ولكن كما أشار الصديق أندرو أن المرض النفسي ليس كالأمراض الجسدية، حيث يصعب تحديده بإشاعات أو تحاليل لتأكيد وجود المرض.. فكيف تحصل على شهادات موثقة (لا يتم التلاعب بها).

الحل ليس في تجاهل المرض النفسي، بل في تحسين أدوات تشخيصه، وإنشاء لجان طبية محايدة متعددة التخصصات للفصل في مدى تأثيره على المسؤولية الجنائية. لا يجب أن يكون المرض النفسي بابًا للهروب من العدالة، لكن لا يجوز أيضًا أن نُغلقه تمامًا فنظلم من هو فعلًا مريض… ويدفع الثمن مرتين: مرة بفعل اضطرابه، ومرة بالعقوبة التي لم تمنعه من الأساس.

أيضاً هذا الحل فعال فقط في حالة تطبيقه وهو حل ذكي بالفعل (ولكنه مكلف)

إنشاء لجان طبية محايدة متعددة التخصصات للفصل في مدى تأثيره على المسؤولية الجنائية

فهل تعتقد أن تشرف هيئة محكمة بتسهيلات قانونية ومنح ميزانية فقط لإظهار الحقيقة أم الأسهل لهم إصدار حكم والانتهاء من الأمر برمته؟

لو كان الأمر عبارة عن سرعة الانتهاء من الأمر برمته، فأين العدالة في ذلك!

لو كان الحكم بأول دليل لمتلأت السجون بالمظاليم.

ولكن لتنظر الأمر بموضوعية أكبر هل تعتقد أن هيئة العدالة مع أحترامي لها ستقوم بتكليف لجنة طبية وتحمل كل المصاريف الإدارية لتكفل لتلك اللجنة الكشف والتوثيق لتفاصيل حالة مرضية معينة متهمة بالتحرش الجنسي أم الأسهل إصدار حكم عليها ؟

يسقط الحكم لكون الشخص يمثل بأنه مريض نفسي، وهناك شخصيات في ذهنه فقط هم من طلبوا ذلك منه.

لا أعتقد أن هذا حدث ولو مرة واحدة أستاذ أندرو، شاهدت الكثير من الأفلام الوثائقية عن سفاحين وقتلة متسلسلين، وأغلب كان يقول في التحقيقات أنهم يسمعون صوتا داخليا يجبرهم على هذه الأفعال، وبالطبع لا يلتفت القاضي لهذا الهراء ويعطيه حكم الإعدام في النهاية.

لا أتحدث عن التمثيل أو التلاعب بالقانون، بل عن حالات موثقة طبيًا، فيها الشخص لا يملك السيطرة الكاملة على سلوكه، كما في اضطرابات البارافيليا أو الوسواس القهري الجنسي.

تجاهل البُعد النفسي في هذه الجرائم لا يجعل المجتمع أكثر عدلًا، بل أكثر قسوةً وسطحية.

نعم، المحاسبة ضرورية، لكن دون إدماج الجانب العلاجي، فإننا فقط نُعيد تدوير الأذى بدل احتوائه.

يمكننا أن نفهم دوافع الجريمة دون أن نُلغي الجريمة ذاتها. فحتى إن كان المتحرش يعاني من اضطراب نفسي، فهذا لا يُسقط عنه المسؤولية، بل يُحمّل المجتمع مسؤولية مضاعفة: العقاب من جهة، والعلاج من جهة أخرى. الضحية لا يهمه توصيف الجاني، بل حماية نفسه من تكرار الانتهاك. والعدالة لا تعني الانتقام، لكنها أيضًا لا تكتمل دون ردع واضح. التوازن الحقيقي أن نُخضع الجاني للعقوبة التي يستحقها، ثم نفتح له باب العلاج، لا أن نستبدل الواحدة بالأخرى.