عندما بدأت في العمل الحر منذ حوالي أربع سنوات، لم أتوقع أن أستمر لليوم صراحةً، لكن في البداية كان لدي حماس شديد وشغف كبير أن أمتهن هذا النمط من العمل، لدرجة أن التفكير وقتها في مهام العمل كان يُؤرِّق ليلي، وأنا التي لم يَزُرني الأرق على الإطلاق ولا حتى ليلة امتحانات الثانوية العامة ولا امتحانات التخرج! المهم أنني توقعت من نفسي أنني سأرفع راية "نعم" لكل فرصة عمل تقابلني، حتى أُثبت نفسي، لكنني اكتشفت أنني مضطرة إلى قول "لا" أمام أكثر من نوع من المشاريع، واكتشفت فيما بعد أن رفضي لتلك المشاريع هو ما ساعدني على الاستمرار بفضل الله -عز وجل- وجعلني مستقلًا أفضل وأكثر رضا عن نفسي. ماذا عنكم؛ ما المواقف التي شعرتم أن قول "لا" فيها هو الخيار الأفضل؟
بالنسبة لي كانت البداية في كتابة الأبحاث العلمية، والتي اكتشفت أنها تُباع لطلبة الجامعات على أنها من مجهودهم، والحمد لله أنني اكتشفت هذا باكرًا وقلت "لا" لهذا العمل رغم أنه كان أول عمل لي ونال استحسان العميل، ووعدني بعمل مستمر لكني رفضت، ثم تكرر هذا الطلب مع عميل آخر للأسف ورفضت مجددًا، لكني تيقنت أن الله سيعوضني، وقد كان فقد عملت بعدها في مشاريع مستمرة لكتابة مقالات للمدونات بمقابل أعلى، لدرجة أنني لم أكن بحاجة إلى تقديم عروض على مشاريع إضافية وقتها.
وقد فادني قول "لا" لنفسي أيضًا عندما اخترت ألا أقدم عروض على مشاريع لا تناسب مهاراتي، والتي لا أرى أني قادرة على تنفيذ متطلباتها بجدارة، حتى لو كانت في مجال الكتابة، فادني هذا في تضييق الاستهداف على أنواع الكتابة التي تناسبني، فقدمتُ أعمالًا استحسنها العملاء، وكانت النتيجة مراجعات وتقييمات جميعها إيجابية والحمد الله. وبالتأكيد لم أتردد في قول "لا"، لأمنع نفسي من التقدم على مشاريع ذات ميزانية زهيدة لا تكافئ الجهد المبذول، فوجدت سِعَة من الوقت لأتفرغ لمشاريع بميزانية أفضل تحفزني لتقديم جودة أفضل.
التعليقات
لهذا السبب دائما ما احذر نفسي وغيري من الخوف، الخوف هو الدافع الأول لقول نعم:
- نعم كي لا تخسر رضى أحد
- نعم كي لا تظطر للاعتذار
- نعم حتى تحضرى بمال اكثر .
- نعم كي لا تنكسر أمام نفسك وتعتقد أن شيء يمكن أن يوقفها...
لكن كل هذه النعمات ماهي إلا صدى من صوت عميق في ذاتنا اللاواعية، صوت الأيغو الأحمق الذي يريد الاحتفاظ بكل شيء والظهور بمظهر البطل الذي يفعل كل شيء ويرضي الجميع ويفعل أصعب الأمور في وقت واحد دون تعب .
بمجرد التفكير في أن هذا الصوت الساذج فينا ليس حقيقاً وأن الرفض أهم من القبول في كثير من الأحيان وقتها فقط تتغير طريقة استجابتنا للأمور ، وقتها تصبح :
- لا هي قوة الكلمة الصحيحة في الوقت الصحيح.
- لا لما لا يرضيني ولا يسعفني وساهم في تنميتي .
- لا للسعي وراء المكاسب الثانوية لكلمة نعم التي ما تلبث تتلاشى ويبقى أثرها مستمرا .
- لا ليست للضعفاء بل للواثقين.
لهذا السبب دائما ما احذر نفسي وغيري من الخوف
بالتأكيد، ولكن ليس الخوف هو السبب الوحيد، هناك سبب يوازيه في الأهمية، وهو عدم تحديد الهدف وتخصيصه، فحينما أشعر أنني أستهدف كل شيء وأي شيء في المطلق، ستكون النتيجة أن أكون مجرد "مُستقبِل" فقط لكل فرصة تظهر أمامي، بغض النظر عن جودة تلك الفرص، فأنسحب وراءها وأتشتت بينها، والأسوء أنني لن أُدرك ما فاتني من الفرص الأكثر جودة.
كلمة لا صعبة ولا تخرج إلا بعد تجارب وتفكير كثير عكس كلمة نعم السهلة التي تربينا عليها فلو قال لك المدرس أنت مخطئ فستكون إجابتك نعم ولو قال لك أهلك أفعل كذا وبلا تفعل كذا ستقول نعم ولو قالك لك أي من كان أعلى منك منزلة أو وظيفة ستقول نعم فالموافقة سهلة أما الرفض والوقوف والتحمل نتيجة الرفض وقول لا فإنه أمر آخر، وكثيرا ما أذكر نفسي بأن الرفض وقول لا كثيرا بعدني عن أشياء ليست محببة لنفسي سواء على المستوى المهني أو العقلي. فقوة لا جبارة.
فقوة لا جبارة
إذًا وما إسقاط تلك القوة على معايير انتقاء المشاريع في العمل الحر، وهل نواجه نفس التبعات التي نواجهها جراء قول لا في أرض الواقع في حياتنا؟
وفرت علي الكثير من الجهد في البحث وراء مشاريع بعيدة تمام البعد عن مجالي وليس لي بها أي صلة سواء معرفة أو خبرة بها فقد تم عرض العديد من المشاريع للعمل عليها وكانت مغرية ولكني رفضتها، وركزت على المشاريع التي أستطيع أن أقوم بها بشكل مرضي، وفي الواقع نفس الأمر رفضت أيضا حتى العديد من فرص العمل المغرية أيضا مادايا ولكنها ليست مفيدة لي سواء على المستوى المهني أو الوظيفي. وقد تبع ذلك نتائج مثل قلة الأموال في العديد من الأوقات ولكن لا بأس فهذه ضريبة أدفعها لأتحمل قول لا حتى تأتني الفرصة المناسبة التي أبحث عنها وأطور نفسي من أجلها لأكون مستحقا لها وراضي عن عملي فيها وانتاجي.
وفرت علي الكثير من الجهد في البحث وراء مشاريع بعيدة تمام البعد عن مجالي وليس لي بها أي صلة سواء معرفة أو خبرة بها فقد تم عرض العديد من المشاريع للعمل عليها وكانت مغرية ولكني رفضتها
القوة في قول "لا" يعني أن خيار "نعم" كان متاحًا أمامنا لكننا اخترنا الاختيار الأصعب كما ذكرتَ، فكيف كان خيار نعم متاحًا أمامك في مشاريع ليست في مجالك وليس لك بها معرفة ولا خبرة؟ منطقي أن الرفض يكون الخيار الوحيد!
لا زال يحضرني إلى اليوم ما كان يقوله المرحوم المخرج الكبير السوري حاتم علي صاحب مسلسلات أحلام كبيرة والغفران..إلخ كيف أنّ الأعمال التي حددت طريقه في العمل هي الأعمال التي قال عليها لا، التي رفضها، قال لقد حددت مستقبلي المهني بما قد رفضت من أعمال لا بما قد قبلت، هذا الموضوع تحدّث عنه باستفاضة في كتاب "الاستبداد المفرح" الذي كان فيها مجموعة حوارات أجريت معه. وأنا أتفق مع هذا الأمر تماماً، أحياناً أن نعلق في أمور جيدة لفترة طويلة تتحوّل للعنة على مستوى المشوار الاحترافي مع انعدام التطوّر، أنا مثلاً بقيت أكثر من 3 سنوات أكتب المقالات وأصنع المحتوى واقبل كل المشاريع التي كانت تطلّ أمامي، ولكن حين تأمّلت فعلاً مهاراتي وأهدافي التي يجب أن أضعها للتطوّر، بتّ أرفض بعض الأعمال التي أعرف أنّها لا تخدم فعلاً معرض أعمالي وهناك بدائل لها أهم، أحياناً صرت بهذه الطريقة أقبل بأعمال بأجور أقل لأحصّل خبرات أعلى ودعم لمعرض أعمالي.
أحياناً أن نعلق في أمور جيدة لفترة طويلة تتحوّل للعنة على مستوى المشوار الاحترافي مع انعدام التطوّر
لكن مبدأ التطور يستدعي الانصياع لفضول اكتشاف بعض المشاريع التي تهم أنماط أخرى حول مجالنا لم نختبرها من قبل، أو أننا نمتلك دراية بسيطة حولها فيمكننا إضافة خبرة ومهارة جديدة عن طريق انجاز مشاريع مختلف عما نقوم به في غالب الأحيان، فكما تعلم الاحتكاك المباشر هو ما يولد الخبرات ويكسب المهارة ويصقلها.
الاحتكاك المباشر والخبرة لا تكون فقط بالانخراط في مشاريع درايتنا حولها بسيطة، على اعتبار أننا سنستكمل ما ينقصنا من الخبرة داخل المشروع نفسه، حتى إن هذا قد لا يكون مقبولا بالنسبة لكثير من أصحاب المشاريع، لكن يمكن اكتساب الخبرة والتطور أيضًا بالاطلاع على متطلبات المشاريع التي تنقصنا، ثم العمل على محاكاتها في أعمال تجريبية وتعلمها واكتساب مهاراتها.
كلمة لا ساعدتني ليس كمستقل فقط ولكن في حياتي الشخصية، فكلمة لا في وجهة نظري تعني الحرية وتعني انني المسيطر علي القرار وانني المتحكم الوحيد وصانع القرار الوحيد والمُلام الوحيد، ففي الحياة مررت بتجربة الخوف من قول لا حتي لا يحزن مني بعض الأشخاص وتغلبت علي ذلك بأنني قررت انه من سيحزن مني لأني راعيت مصالحي الشخصية، لا يستحق ان يكون صديق او في حياتي؛ اما في العمل قول لا ساعدني ان اخصص وقتي للمشاريع التي اعمل عليها لنفسي بغض النظر عن مدي نجاح تلك المشاريع او فشلها، ولكن الحياة هي تجربتي الشخصية وانا الوحيد الذي سيكتبها بالطريقة التي أراها مناسبة.
تعني الحرية وتعني انني المسيطر علي القرار وانني المتحكم الوحيد وصانع القرار الوحيد والمُلام الوحيد
ليس دائمًا وليس في المطلق، البعض يقول "لا" لمجرد الظهور فحسب، الأهم أن يكون الرفض في موضعه، ولا يجعلنا نفوت فرصًا حقيقية قد نندم مستقبلًا على تفويتها.
أحيانا الداعي لقول نعم في البدايات هو أننا إما أننا متردّدون بحيث أنه يمكن أن نعمل على المشروع وقد لا نستطيع إكماله فنغامر، أو خوفنا من أننا لن نحصل على مشاريع في المستقبل، وخوفنا أيضا من أنه يمكن أ، نضيّع الفرصة التي بين أيدينا.
بالنسبة لي قلت لا في العديد من المرات لمشاريع لم تكن في المستوى، بعضها لم يقدّم وصفا جيدا للمشروع فكان مبهما، وبعضها الآخر كان يطيل في قبول العروض حتى أنه يغلقها بعد مدة طويلة من التقديم في كل مرة، وهذا كان يستهلك من رصيد العروض التي لدي في كل مرة فقلت لا بالرغم من أن المشروع في الظاهر يمكنني إنجازه، والعديد من الأمور مثل الميزانية الزهيدة ففي الغالب أقبل بها في حالة ما كانت هنالك تطويرات في الخدمة، وتقييم على حسب الخبرة والأداء، وهو مقبول، لكن في حال رأيت أن الميزانية لا تعكس الأداء فسأرفض.
أحيانا الداعي لقول نعم في البدايات هو أننا إما أننا متردّدون بحيث أنه يمكن أن نعمل على المشروع وقد لا نستطيع إكماله فنغامر، أو خوفنا من أننا لن نحصل على مشاريع في المستقبل، وخوفنا أيضا من أنه يمكن أ، نضيّع الفرصة التي بين أيدينا
قول "نعم" في البدايات هو أمر منطقي بدعوى الاستكشاف والحضور، وليس بالضرورة أن يكون مقرونًا بالخوف أو التردد، بل يمكن أن يكون ضرورة حتى يكتشف المستقل أولوياته ويحدد أهدافه بناء على دراسة واطلاع عملي، وبعد أن تتشكل وتتبلور المعايير التي يقيس عليها المستقل أهدافه، سيتمكن من تحديد المواضع التي يرفض أو يقبل فيها.
وقد فادني قول "لا" لنفسي أيضًا عندما اخترت ألا أقدم عروض على مشاريع لا تناسب مهاراتي، والتي لا أرى أني قادرة على تنفيذ متطلباتها بجدارة
من الجيد للمستقل أن يعرف حدود قدراته الشخصية ومهاراته وما يستطيع فعله بجدارة ونقاط قوته وضعفه، لكن ألا ترين معي أن تلك الجرأة والشجاعة التي تعترينا للتقدم لمشاريع لا نمتلك دراية كبيرة بها لكنها تقع ضمن مجال عملنا (الكتابة) هي نفسها ما تستدعي وتفرض علينا الرغبة في تطوير قدراتنا ومهارتنا لانجازية أفضل، واكتشاف أدوات وطرق ابداعية للانجاز، وقد تساعد في اكتشاف قدرات خفية ودفينة في ذواتنا لم نكن لنستثمرها لولا العمل على تلك المشاريع التي كانت تبدو في الأول صعبة ولا تناسب مهارتنا، لذلك فأظن أن قول "لا" في بعض الأحيان هو تقويض لمسار تطور عملنا كمستقل، وتحديد لما نستطيع فعله دون اعطاء فرصة لتعلم خبرات جديدة.
أعتقد أن هذا مناسب عندما يكون للشخص مشروع شخصي يحاول ويجرب فيه مختلف الأمور حتى يصل لما يريد ويتعلم من أخطاءه ويعرف ما عليه تعلمه وتطويره لتحسين أداءه وهكذا، لكن العميل ووقته ليسوا مستباحين حتى يستغلهم أحد بهذه الطريقة ثم قد ينجح أو يفشل، إضافة إلى أن الشروط التي يضعها العملاء ليست اعتباطية ولكن لأنهم يحتاجون لهذه المهارات بالتحديد.
لكن العميل ووقته ليسوا مستباحين حتى يستغلهم أحد بهذه الطريقة
في طرحي للفكرة لم أقصد أبدا إستغلال العميل ومشروعه للتدريب على مهارات وخبرات جديدة لكنني قصدت بذلك اعتبار ذلك كنداء لترك التردد حول مشاريع نعتقد أنها لا تناسب مهارتنا والتحلي بالجرأة للمحاولة واختبار تجارب جديدة وتركيزها بالممارسة الفعلية.
لذلك فأظن أن قول "لا" في بعض الأحيان هو تقويض لمسار تطور عملنا كمستقل، وتحديد لما نستطيع فعله دون اعطاء فرصة لتعلم خبرات جديدة.
لا أحب أن يقترن التعلم بالتقدم على مشروع لا أستوفي مهاراته، يمكن أن نتعلم ونكتسب تلك المهارة ثم نعود نتقدم على تلك المشاريع، حينها نستفيد مما تعلمناه ونكتسب الخبرة الفعلية. فمثلًا، يومًا ما في بداية عملي الحر، كنت أُتقن الكتابة، لكن لم أكن أعرف ما هو "السيو"، كنت أتجنب أي مشروع يشترط السيو في الكتابة، فلما تأكدت من ضرورة تلك المهارة، تعلمتها أولًا وتدربت عليها جيدًا ودرست شروطها فترة، ثم تقدمت بعد ذلك على مثل تلك المشاريع لأصقل المهارة التي اكتسبتها.
لا أحب أن يقترن التعلم بالتقدم على مشروع لا أستوفي مهاراته،
ربما تلك المهارت هي من مهارتنا لكننا نتفادها لأننا لم نختبرها من قبل، أقول هذا لأنني دائما ما أقول "لا" للكثير من المشاريع المختلفة، ولا أقدم عروضا كثيرة، وحصرت نفسي في قوقعة تخصصات قليلة جدا، وأواجه مجموعة من العروض بالرفض، وأعزو ذلك لكثرة ترددي أو لعدم اتقناعي بأنني أستطيع فعلها، فمرة تقدمت لمشروع وبعد تقديم عينة تجريبية تم اختياري من ضمن مجموعة من المستقلين حسب قول العميل طبعا، لكنني رفضت العمل رغم أن عائده المالي كبير فقط لأنه يعتبر كوظيفة دائمة تتطلب اجتماعات دورية وتواصل مستمر وكذا مهام مختلفة، بعد ذلك شعرت وكأنني أنقص من قدراتي وما استطيع فعله.
وبعد تقديم عينة تجريبية تم اختياري من ضمن مجموعة من المستقلين حسب قول العميل طبعا، لكنني رفضت العمل رغم أن عائده المالي كبير فقط لأنه يعتبر كوظيفة دائمة تتطلب اجتماعات دورية وتواصل مستمر وكذا مهام مختلفة، بعد ذلك شعرت وكأنني أنقص من قدراتي وما استطيع فعله
ما فعلتيه بالفعل فيه تقليص لقدراتك ومهاراتك الفعلية، فالعينة التجريبية أثبتت للعميل أنك مؤهلة للعمل بالفعل، بل وتم اختيارك من ضمن عشرات المستقلين، مما يدل على كفاءتك، أرى أن المشكلة هنا كانت تتعلق بالخوف من حجم المسؤولية والتردد ولا تتعلق بنقص في مهاراتك، وهذا أشعر به عادة على أعتاب أي مشروع، لكن نحتاج بالفعل بعضًا من الجرأة والثبات حتى ننغمس في المشروع ما دمنا نمتلك مهاراته، وحينها ستكتشفين في الغالب أن قدرتك على تحمل المسؤولية ليست بالضعف الذي كنت تعتقدينه، خاصة وأن حجم كثير من المشاريع في البداية قد يبدو لنا ضخمًا وصعبًا أكثر مما يبدو عليه في الواقع.
من الأشياء التي لاحظتها أن الشهص المبتدئ في العمل الحر غالبا ما يكون متحمسا لقبول أي فرصة عمل تأتيه، وذلك رغبته في بناء سمعته وتحقيق النجاح. ولكن مع مرور الوقت واكتساب الخبرة يدرك أن قول "لا" لبعض العروض يُعتبر جزءًا طبيعيًا من عمله.
في تجربتي الشخصية، قمت مرة بتقبل عمل معين ولكن مع مرور الوقت وتطور مهاراتي أدركت أنني غير مؤهل تماما لتنفيذه بجودة عالية، و يعود إلى تسرعي في قبول العمل دون قراءة الأمور بشكل جيد وتقييم المتطلبات بشكل صحيح.
من هذه التجربة إكتشفت أن قول "لا" في بعض الأحيان من الأمور الإيجابية. فقد أدركت أنه من الضروري أن يكون لديك رؤية واضحة لمجال عملك وأن تتحكم في اختياراتك بحكمة، وذلك لتحقيق أقصى استفادة من مهاراتك وخبراتك.
من الأشياء التي لاحظتها أن الشهص المبتدئ في العمل الحر غالبا ما يكون متحمسا لقبول أي فرصة عمل تأتيه، وذلك رغبته في بناء سمعته وتحقيق النجاح.
هذا منطقي في البداية، فمن غير المعقول أن يدخل المستقل من باب العمل الحر رافعًا لافتة الاعتراض على ما لم يكتشفه بعد، وتلك المرحلة ضرورية ليكتشف المستقل المعايير التي سيبني عليها أهدافه المحددة فيما بعد.
في الحياة العامة هناك قول سائد
-كلمة لا بتريح
هي تريحك أنت من عناء تحمل مسؤولية ما لا تريد إثقال كاهلك بها، مهما صغر شأنها أو كبر، وتريح من تقولها له وطأة العشم والانتظار، الذي يؤول دائما، إلى تحرج أو انقطاع، أو طمع في مزيد، أو خيبة أمل. والنتائج الثلاث ألعن من بعض.
.. مع ذلك، أنا لا أحب أن أقولها إذا طلب أحد شيء مني، حتى ولو على نحو استغلالي، طالما لا يوجد ضرر واقع علي، وطالما يمكنني ببساطة تقديم المساعدة دون كثير جهد، لا أحبذ قول لا من باب تأكيد سيطرتي على نفسي، فأنا واثق من قدرتي على استدعاء الكلمة إذا ما احتجتها في أي وقت.
أنا لا أحب أن أقولها إذا طلب أحد شيء مني، حتى ولو على نحو استغلالي، طالما لا يوجد ضرر واقع علي
يختلف قياس وتعريف الضرر من شخص لآخر، هناك من يرى أن طلب صاحب المشروع مهام إضافية من المستقل بدون زيادة هو استغلال لهذا المستقل الذي يستحي أن يرفض، في حين أن صاحب المشروع قد لا يرى أن هذا ضرر، بل يراه تبادل منفعة خاصة إذا كان يتعامل مع مستقل جديد.
والحمد لله أنني اكتشفت هذا باكرًا وقلت "لا" لهذا العمل رغم أنه كان أول عمل لي ونال استحسان العميل.
رفض المشاريع التي لا تتوافق مع رؤيتنا أو قيمنا هو أفضل رفض يوجهنا دائما لأن الهدف من أي عمل ليس الريح ولا الاستفادة فقط بل ترك قيمة نشعر بالفخر نحو أنفسنا لتقديمها، سبق وخضت تلك التجربة مرتين عندما عرض علي كتابة محتوى لأحد صناع المحتوى المشهورين ولكن نوع محتواه كان مشابه للنوع الرائج هذه الأيام، لا يقدم أي قيمة، والتجربة الثانية كانت نفس الفكرة ولكن كانت إدارة حساب بشكل يومي، والجامع بين الأمرين أن الرفض لم يكن بسبب عدم القدرة على تقديم المطلوب بل اعتراضا على قيمة المطلوب نفسه! فشعرت أنني أنافق نفسي إذا عملت على محتوى أنتقد ظهوره للناس!
والجامع بين الأمرين أن الرفض لم يكن بسبب عدم القدرة على تقديم المطلوب بل اعتراضا على قيمة المطلوب نفسه! فشعرت أنني أنافق نفسي إذا عملت على محتوى أنتقد ظهوره للناس
أصبتِ يا رنا، وأتعجب كثيرًا ممن يرون أننا يجب أن ننفصل عن معتقداتنا وقيمنا ومبادئنا عندما نعمل، بل ويصفون ذلك بالمهنية! ويقصرون دورنا في تقديم المهمة المطلوبة دون النظر في تَبِعاتها الأخلاقية والمجتمعية!
تعلمت أن أقول لا للمشاريع المبهمة، وبالأخص التي يبدو صاحبها عشوائيًا. هذا الكائن العشوائي متعب، فهو لا يعرف الحد الفاصل بين حقوقك وحقوقه ولا يدرك كيف يدير مشروعه ولن تجدي معه سوى التعب.
أمس قلت لا لمشروع طلب فيه مني صاحبه أن أنجز قدرًا كبيرًا منه على سبيل العينة والاختبار قبل بدء المشروع.. قلت لا ووضحت له سبب الرفض، وأشعر بالارتياح عن قراري رغم أن العائد المادي كان كبيرًا، ولكني أعرف أنني كنت لأخسر نفسي لأرضي هذا العميل.