في السنوات الأخيرة، ألاحظ كلما جلست في المقهى أن أطفالا صغارا يدخلون علينا كل عشر دقائق تقريبا، يأتون واحدا تلو الآخر وهم يحملون في أيديهم علب الحلوى أو المناديل الورقية، ويحاولون بيعها للزبائن بإلحاح هادئ. أعمارهم تبدو صغيرة جدا، تتراوح ما بين عشر وخمس عشرة سنة، وهذا المشهد تحديدا هو ما يجعلني أشعر بضيق وعدم ارتياح، فالطفل في هذا السن من المفروض أن يكون مكانه الطبيعي هو حجرات الدراسة، يتعلم ويعيش براءة طفولته، وليس التنقل بين الطاولات بحثا عن من يشتري منه بضاعة بسيطة. وما زاد من تأثير هذا المشهد في نفسي هو رؤيتهم يتحركون لوحدهم، بدون أي مرافق أو حماية، وكأنهم وجدوا أنفسهم فجأة مجبرين على مواجهة خشونة الحياة والاعتماد على أنفسهم في سن مبكرة جدا.
إن هذه الظاهرة في نظري مرتبطة أساسا بضغط الفقر، لكنها تعكس أيضا غيابا كبيرا للوعي عند بعض الآباء الذين لم يفكروا جيدا في مسؤولية تربية الأبناء ومستقبلهم قبل إنجابهم، مما يجعلني أشعر أحيانا أن هؤلاء الصغار مسلوبو الإرادة ومجبرون على هذا العمل وليس اختيارا منهم، وكأن الأقدار حملتهم مسؤوليات ثقيلة تفوق طاقتهم وسنهم. وقد رأيت مرة موقفا أثر في كثيرا، حين قام أحد الزبائن بالتحدث مع طفل منهم بطريقة قاسية جدا وقال له كلاما جارحا أمام الجميع، بالإضافة إلى ما يتعرضون له من طرد ومعاملة سيئة من بعض أصحاب المقاهي، وهذا ما يجعل وضعهم النفسي والاجتماعي أصعب، فهم عالقون بين حاجتهم الملحة للمال وبين رفض المجتمع القاسي لهم.
بالنسبة لي، أعتبر أن ما يقوم به هؤلاء الأطفال ليس مجرد بيع بسيط أو تجارة عابرة، بل هو في جوهره نوع من التوسل بطريقة غير مباشرة، لأنهم في النهاية يبحثون عن المال بأي وسيلة ممكنة للبقاء. وهذا الأمر يطرح علامة استفهام كبيرة حول تماسكنا المجتمعي، لأن استمرار رؤية الأطفال في هذه الحالة يعني أن هناك خللا عميقا يحتاج إلى معالجة حقيقية وجذرية، يبقى هذا المشهد اليومي جرحا يؤلمني ويجعلني أفكر كثيرا في مصير هذه الوجوه الصغيرة، وفي المسؤولية الأخلاقية التي نتحملها جميعا تجاههم، فالطفل خلق ليلعب ويتعلم ويحلم، لا ليكون وقودا لمهن الشارع في وقت مبكر من عمره.