حين أنهيتُ الماجستير، كنتُ أمسكُ بالشهادة وكأنني أمسكُ بتذكرةٍ إلى عالمٍ آخر، عالمٍ يقدّرُ الجمالَ، ويحترمُ الفكرَ، ويُجيدُ الاستماعَ. لكنّ العالمَ الحقيقيَّ كان ينتظرني بالحصى والحواجزَ. تقدمتُ لوظائفَ كُتبَ عليها خبرة عملية لا مكان للحالمين!
سخرَ مني المديرُ يومًا وقال هاتِ لي بيتًا من الشعر يُسددُ فاتورةَ الإنترنت! فضحكتُ كي لا أبكي...
أنا ذلك الذي ظنَّ العالمَ سيفهمُني إنْ تكلمتُ بأبياتِ الشعرِ، ونثرتُ على الأوراقِ أحلامي... أنا الذي صدقَ أنَّ الكلمةَ كفيلةٌ بأن تفتحَ الأبوابَ، وتُشبعَ البطونَ، وتُسكتَ كلَّ تلك الأصواتِ التي تُهمسُ في أذني: ماذا ستفعل بشهادة الأدب هذه
أصدقائي صاروا دكتور و مهندس، وأنا ما زلتُ ذلك الذي يُقدمُ نفسه بـ أديب، فينظرون إليه بشفقةٍ وكأنني أقولُ: عاطلٌ عن العمل!
حتى أمي، التي كانت تفتخرُ بي، صارت تسألُني بخوف: بنتُ خالِتكِ تزوجتْ صيدليًا... متى ستعثرُ على وظيفةٍ حقيقيةٍ
في الليل، حين ينامُ الجميعُ، أفتحُ دفترَ قصائدي القديمَ وأقرأُ ما كتبتُه يومًا كُنتُ أظنُّ فيه أنَّ العالمَ سيحتاجُ كلماتي.
أحيانًا أبكي... ليس لأنني ندمتُ، بل لأنني لا أعرفُ كيف أشرحُ لهم أنَّ روحي كانت تموتُ لو درستُ غيرَ الأدب! لكنَّ الروحَ لا تُطعمُ خبزًا... والقلبَ لا يُسددُ إيجارًا!
ربما...
لكنّي أتساءلُ: أليسَ من قسوةِ الدنيا أن تُحولَ شغفَ إنسانٍ إلى نقطةِ ضعفٍ؟ أن تجعلَ حبَّه للكلماتِ سببًا للسخريةِ؟
أكتبُ الآنَ سيرتي الذاتيةَ للمرةِ الألف... وأحذفُ كلمةَ "أديب" كي لا يُظنَّ أنني
بقيَ أنني أعرفُ كيفَ أقولُ ما لا يستطيعُ الآخرونَ قولَه...
بقيَ أنني أستطيعُ أن أُحرقَ بالحروفِ ما لا يُحرقُه النارُ...
بقيَ أنني، رغم كلِّ شيءٍ، ما زلتُ أؤمنُ بأنَّ كلمةً واحدةً قد تُغيرُ العالمَ... لكنَّ العالمَ لا يريدُ أن يتغير!
قد لا أكونُ قد نجحتُ بالمعنى الذي يفهمُه الناسُ...
لكنّي نجحتُ في أن أبقى إنسانًا يحملُ قلبًا يقرأُ، وعقلًا يتساءلُ، وروحًا لا تبيعُ حلمها بقليلِ من المالِ!
فإن كان الثمنُ أن أكونَ فقيرًا... فليكن!
لكنّي، يومًا ما، سأكتبُ سطورَ هزيمتنا هذه... وسيعرفُ الجميعُ أنَّ الأدبَ لم يمتْ!
التعليقات