تجربتي مع التدخين وفهم أعمق للنشوة

تجربتي مع التدخين وفهم أعمق للنشوة

عندما كتبت ماذا لو كان عقلك هو مصدر الفوضي؟ غالباً لم يستوعب اهمية الموضوع وأبعاده الى القليلون .. فبدون أن أدري كنت أفهم تماماً أن "العقل الذي لا يتوقف عن التفكير" هو آفة الحياة وسبب جميع الأمراض والعلل .. في هذه المساهمة سأحاول أن أوضح رحلتي في محاولة "إسكات" العقل وأين وصلت ..

في البداية بدأت بالتدخين وليس للتقليد أو أصدقاء السوء .. في الأيام الأولى .. لم يكن الأمر مجرد عادة .. بل كان اكتشافًا. مع كل سيجارة .. كنت أشعر أنني دخلت حالة خاصة من “السلطنة” واللذة غير المسبوقة. كان الإحساس جديدًا .. قويًا .. ومغرِيًا لدرجة أنني كنت أنظر لغير المدخنين بنوع من الشفقة .. وكأنهم محرومون من متعة لا يعرفونها.

لكن ما لم أكن أراه حينها هو ما يحدث في الخلفية.

العقل لا يثبت على مستوى واحد من الإحساس. ما يمنحك نشوة اليوم .. سيصبح عاديًا غدًا. ومع الوقت .. يبدأ في طلب جرعة أقوى ليحصل على نفس الشعور الأول. هنا تبدأ اللعبة الحقيقية.

تختفي “اللذة” تدريجيًا .. دون أن نشعر. لا تعود السيجارة تمنحك ذلك الإحساس الذي عرفته في البداية .. لكنها في المقابل تخلق حاجة جديدة: الحاجة لتجنّب الألم.

وهنا يتحول كل شيء.

لم أعد أدخّن لأشعر بالنشوة .. بل لأتجنب التوتر .. القلق .. والفراغ الذي يخلّفه غياب النيكوتين. توقفت المتعة .. وبقي الإدمان. لم يعد الأمر خيارًا .. بل أصبح استجابة تلقائية لاحتياج جسدي ونفسي.

وهذه هي المفارقة التي يغفل عنها كثيرون:

نحن نبدأ بحثًا عن اللذة .. وننتهي هروبًا من الألم.

وعندما تختفي النشوة .. لا يتوقف الإنسان .. بل يبحث عن شيء أقوى .. وهكذا تتكرر دوائر الإدمان .. لكن بأشكال مختلفة.

لكن هناك احتمال آخر…

إن كان الإنسان محظوظًا وواعيًا بما يكفي .. فقد تقوده رحلة البحث عن “النشوة” إلى مكان مختلف تمامًا: إلى مصدرها الحقيقي ..

صفاء العقل وتوقف التفكير اللاارادي أو التفكير القهري .. ليس في مادة خارجية .. ولا في عادة .. بل في حالة داخلية من الامتلاء… في الحب .. بمعناه الواسع. حب الحياة .. حب الذات .. حب المعنى .. وحدث هذا بعد أن تعرفت على "التأمل الروحي" و"اليوغا" وعرفت فيما بعد أن جميع الصلوات والإبتهالات يجب أن تقود لنفس الهدف ولكن لأسباب معقدة ما عدنا نشعر بأي شئ ..

هنا فقط تتوقف المطاردة.

لذلك أرى أن كثيرًا من محاولات الإقلاع عن التدخين وباقي المواد .. رغم أهميتها .. تظل في إطار “العودة إلى الصفر” .. أي التخلّص من الألم. لكنها لا تُجيب على السؤال الأعمق:

ما الذي كنت أبحث عنه أصلًا خلف هذه النشوة؟

حين نُجيب على هذا السؤال بصدق .. لا نتوقف فقط عن الإدمان…

بل نتجاوزه.

قلت انني بدأت بالتدخين وأنني كنت أنظر لغير المدخنين بنوع من الشفقة .. وكأنهم محرومون من متعة لا يعرفونها .. الآن بعد أن تركت كل "الإدمانات" خلفي وعرفت "التأمل" لا أنظر للآخرين بعين الشفقة ولكن أفكر هل هناك أبعد من هذا؟

قطعاً نعم فالحياة لا تتوقف ...

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طرحك عميق وصادق… والأجمل فيه أنك لم تكتفِ بوصف التجربة، بل وصلت إلى جوهرها:

الانتقال من “البحث عن النشوة” إلى “فهم مصدرها”.

لكن دعني أضيف لك زاوية قد توسّع الصورة أكثر:

أنت لم تكن تبحث عن النيكوتين…

ولا حتى عن “السلطنة”…

أنت كنت تبحث عن لحظة صمت داخلي.

التدخين في بدايته أعطاك هذا الصمت بشكل مُزيّف:

هدوء مؤقت، انخفاض في التوتر، إحساس بالتحكّم…

لكن الثمن كان أن يتحول هذا الصمت إلى “اعتماد”.

ثم مع الوعي… بدأت تفكك الوهم:

اكتشفت أن النشوة لم تكن في السيجارة، بل في توقف الضجيج.

وهنا وصلت لنقطة نادرة جدًا:

أن الإنسان لا يريد اللذة بقدر ما يريد التحرر من الإزعاج الداخلي.

لكن سؤالك في النهاية هو الأهم فعلًا:

“هل هناك أبعد من هذا؟”

نعم… لكن ليس بالشكل الذي يتوقعه العقل.

لأن المرحلة التالية ليست “نشوة أعلى”…

بل احتياج أقل للنشوة أصلًا.

في البداية:

نبحث عن شيء يرفعنا.

ثم:

نبحث عن شيء يهدئنا.

وفي العمق:

نصل إلى حالة لا نحتاج فيها أن نهرب… ولا أن نرفع أنفسنا… فقط نكون.

التأمل، اليوغا، وحتى الصلاة حين تُعاش بصدق… لا تعطيك “إحساسًا أقوى”

بل تُعيدك إلى حالة طبيعية جدًا… لكننا نسيناها:

حالة الاكتفاء الهادئ.

ولهذا سؤالك “هل هناك أبعد؟”

إجابته ليست في المزيد من التجارب…

بل في عمق أبسط تجربة:

أن تكون حاضرًا دون حاجة لشيء يغيّرك.

تحية طيبة يا زهراء .. وشكرًا على هذا التوسّع الجميل الذي أضاء زوايا أعمق في الفكرة.

لفتِ انتباهي جدًا قولك إننا لا نبحث عن اللذة بقدر ما نبحث عن التحرر من الضجيج الداخلي… وأظن أن هذا يقترب كثيرًا من شيء أراه بشكل أوسع:

أن الإنسان .. في جوهره .. يبحث عن “الفردوس الضائع”.

منذ اللحظة الرمزية الأولى .. لحظة الخروج من الجنة بسبب “شجرة المعرفة” .. بدأ هذا القلق. كأن المعرفة لم تمنحنا فقط وعيًا… بل حمّلتنا أيضًا هذا الضجيج الداخلي الذي نحاول الهروب منه طوال الوقت.

لهذا أرى أن رحلتنا ليست بحثًا عن لذة جديدة .. ولا حتى عن تهدئة مؤقتة… بل هي .. بشكل ما .. محاولة للعودة "للجنة" ..

عودة إلى حالة قبل التعقيد…

قبل التحليل…

قبل هذا الامتلاء الذهني الذي لا يتوقف.

ومن هنا أفهم ما وصلنا إليه:

أن التخلص من “ثِقل المعرفة” — أو على الأقل التحرر من سيطرتها — هو الطريق الوحيد للعودة إلى تلك الحالة الأصلية.

في تجربتي .. بدأت الرحلة من أماكن بعيدة جدًا… من السيجارة .. ومن كل ما يمكن أن يتخيله الإنسان بحثًا عن نشوة أو هروب. لكن في النهاية .. وجدت نفسي أصل إلى التأمل.

ليس لأنه يعطي “إحساسًا أقوى”…

بل لأنه الطريق الوحيد الذي لا يترك آثارًا جانبية.

هناك .. يبدأ شيء مختلف تمامًا:

ليس إضافة شعور جديد… بل تلاشي الضجيج.

وربما لهذا تعجز الكلمات فعلًا…

لأن ما نبحث عنه في النهاية .. ليس شيئًا نكتسبه ..

بل شيئًا نعود إليه.

تحية طيبة لك،

وشكرًا جزيلًا على هذا الطرح العميق والراقي.

ما تفضلت به يحمل قدرًا كبيرًا من الوعي والتأمل، وقد عبّرت عنه بأسلوب جميل ومتماسك يصل إلى جوهر الفكرة بصدق.

لفتني بشكل خاص هذا الربط بين الضجيج الداخلي وفكرة “الفردوس الضائع”، وكيف صغت الرحلة باعتبارها عودة لا اكتسابًا، وهو طرح ثري يستحق التقدير.

أشكرك على مشاركتك القيّمة، وعلى هذا الحوار الهادئ والمُلهم.

تجربتك ورحلتك مع التدخين ملهمة جدا إكس مان، لكن ما زلت أرى أن التأمل ليس الحل المثالي أو السحري الذي يمكننا اتباعه لنتخلص من فوضى التفكير، خصوصًا أن طبيعة التفكير تختلف من شخص لآخر، وكذلك أسباب التوتر أو الإدمان.

أحيانًا يكون التفكير المفرط مرتبطًا بعوامل أعمق مثل القلق، أو ضغوط الحياة، أو حتى نمط يومي غير متوازن، وهنا قد لا يكفي التأمل وحده، بل يحتاج الأمر إلى مجموعة من الأدوات معًا؛ مثل تنظيم نمط الحياة، أو التحدث مع مختص، أو تغيير بعض العادات والسلوكيات.

في هذه المساهمة سأحاول أن أوضح رحلتي في محاولة "إسكات" العقل وأين وصلت ..

كذلك لفتني هنا ربطك بين إسكات العقل والحالة المثالية، بينما في الواقع ليس الهدف إيقاف التفكير تمامًا، بل فهمه وإدارته بشكل صحي دون أن يتحول إلى ضغط مستمر.

لكن ما زلت أرى أن التأمل ليس الحل المثالي أو السحري
بينما في الواقع ليس الهدف إيقاف التفكير تمامًا

صحيح تماما

الاهداف و الطرق تختلف من شخص لاخر

و حتى بالنسبة للشخص نفسه تختلف من وقت لاخر

و كما ذكر صاحب الموضوع

هل هناك أبعد من هذا؟
قطعاً نعم فالحياة لا تتوقف ...
ZARADO01 أضف ردا

عزيزتي نورا اسعد دائما بحضورك..

انا دائما أتحدث عن التامل والحقيقة ان الصلوات وجدت لأجل هذا الغرض ولكن خوفي من: أين الدليل من الكتاب والسنة .. واذا كانت الصلاة تؤدي لنشوة فوق الخيال فلماذا يتعاطى الناس "المخدات"؟ وكمية من المغالطات التى انا في غنى عنها ..

انا واثق من شئ واحد : ان ما اشاركه مع الآخرين كنت اتمنى لو شاركني اياه احدهم منذ سنوات لأنني كنت ساختصر السنوات بدل التعلم بالتجربة والمرمطة هههه

خالص التحية والتقدير 🙏❤️🙏

بالتأكيد مشاركة التجارب أحد مصادر التعلم، وأسعد دائما بقراءة تجاربك ولا أختلف معك أبدا على أهمية الوصول لحالة التأمل من حين لآخر، لكن ما قصدته أن الهدف الذي نريد أن نصل له يمكن تحقيقه بأكثر من طريقة حسب راحة الشخص نفسه

ZARADO01 أضف ردا

انا على علم ان ما أتحدث عنه تحديدا هناك طرق للوصول اليه وشاركتها في كثير من الاحيان :

  1. وجود معلم روحي لازال على قيد الحياة
  2. معرفة الحب الحقيقي "مجنون ليلي" مثلا أو جلال الدين الرومي أو ابن الفارض الخ
  3. ممارسة التأمل واليوقا وذكرت الفرق بينهم
  4. كل العبادات المذكورة في الاديان
  5. اختيار رباني بحادث مرور او مرض مفاجئ

بصراحة أرى أن ربط النشوة الحقيقية بالتأمل والحالة الروحية فقط قد لا ينطبق على الجميع. بعض الناس يجدون هذا الشعور في الإنجاز أو في العلاقات أو حتى في الإبداع والعمل. الخطر أحيانا يكمن في استبدال إدمان بآخر ولكن بشكل أكثر قبولا اجتماعيا. بمعنى أن الإنسان قد يظل يبحث عن حالة معينة يهرب إليها بدل أن يتعلم التعايش مع التقلبات الطبيعية للحياة. لذلك أرى أن التوازن هو الأهم لا الوصول إلى حالة دائمة من الصفاء.

ZARADO01 أضف ردا

شكرا على مرورك اخي كريم

يبدو ان هناك خلط في فهم مصطلح "النشوة الروحية" .. فقط لتقريب المعنى: عندما تكون مع زوجتك وتمارس العلاقة في وقت الزروة ربما لثواني او دقائق تحدث "اللذة الجنسية" اثناء القذف .. ولكن في التأمل تستمر نفس الاحساس وكأنك "تقذف" لساعة او اكثر وربما اليوم كله لانه ليس هناك "قذف" .. هذا يحدث في "شاكرا الجذر" وبالتجويد والابتعاد عن "الجنس" طاقتك تقوى وبدل الشعور بالنشوة في "شاكرا الجذر" تصعد الطاقة لـ "شاكرا القلب" وهنا لا توجد كلمات لوصف النشوة "ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" .. هذه المرحلة هي بداية العودة للـ "فردوس المفقود" ..

اذا انت كنت مدرك انني اتحدث عن هذا الفهم للنشوة الروحية يبقى ليس هناك المزيد لاشاركك واما اذا هذا الكلام غريب عليك واول مرة تسمعه فانت امام اكثر انسان يمكنه مدك بالمعلومات والتقنيات ومعرفة ما لا يخطر على البال ..

نحن نبدأ بحثًا عن اللذة .. وننتهي هروبًا من الألم.

بعض الديانات والفلسفات تري ان هذا سر الحياة نفسه .

دخول في التجرية وسقوط بدافع البحث عن اللذة والتجربة

محاولة الخروج هربا من الالم مثل البوذية

تعرفت على "التأمل الروحي" و"اليوغا" وعرفت فيما بعد أن جميع الصلوات والإبتهالات يجب أن تقود لنفس الهدف ولكن لأسباب معقدة ما عدنا نشعر بأي شئ

هل تلك الاسباب المعقدة هي طبيعة المخ التي تعتاد ام هناك ما هو اكثر