ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

تذكرت هذه المقولة بسبب موقف عشته أثناء دراستي الجامعية. كنت أستأجر غرفة صغيرة على سطح منزل لدى أسرة بسيطة .. وكان لديهم طفلة في السادسة أو السابعة من عمرها. كثيراً ما كنت أرى الأم تحمل طبق الطعام وتلاحق ابنتها محاولة إطعامها .. بينما الطفلة تقفز هنا وهناك بلا اهتمام واضح بالأكل.

في أحد الأيام عدت إلى المنزل فوجدت المشهد نفسه. نظرت إليّ الأم وهي تشكو بحيرة: ابنتها لا تأكل .. ولا تعرف كيف تعيش أصلاً بهذا الشكل. قلت لها حينها: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان». وأضفتُ أن الطفلة ما دامت لا تعاني خمولاً أو مرضاً أو هزالاً .. فهي على الأرجح بخير. ثم قلت لها جملة شعرت أنها الأهم: هي محظوظة لأنكِ أمها.

لا أدري إن كانت فهمت قصدي بالكامل .. لكنني كنت أعني أن الطفل لا يتغذى على الطعام فقط .. بل على شيء أعمق: الشعور بالأمان والحب والاحتواء. في بعض التقاليد الشرقية يُشار إلى هذه الحالة بطاقة الحياة أو البرانا (Prana) .. أي الحيوية التي تنتقل عبر الثدي مع الحليب قبل أن تنتقل عبر الغذاء نفسه. الحقيقة لا اعرف ترجمة (برانا) بالعربي ولكن صديقي "المجنون" الذي حكيت عنه في مساهمة بعنوان "الشجرة التى قالت انها تحبني" كان يفضل التعبير عنها بكلمتي «المنّ والسلوى» .. وهو وصف شاعري ربما أقرب لثقافتنا.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل كل الأطفال يحصلون على هذا النوع من التغذية المعنوية؟ للأسف ليس دائماً. أحياناً يصل الطعام المادي كاملاً .. لكن يغيب الدفء النفسي .. فلا يشعر الطفل بالشبع الحقيقي مهما أكل.

ولهذا تذكرت بيت أمير الشعراء أحمد شوقي:

إذا النساءُ نشأن في أميّةٍ رضع الرجالُ جهالةً وخمولاً

البيت لا يتحدث عن التعليم المدرسي فقط ولا الامية تعني عدم القدرة على القراءة .. بل عن البيئة الأولى التي يتشكل فيها الإنسان. فالأم ليست مجرد مصدر طعام .. بل مصدر وعي وشعور ونمو داخلي (البرانا) .. حين يختل هذا المصدر .. تظهر آثار ذلك لاحقاً في المجتمع كله.

ويروي سادغورو قصة شهيرة عن جلوسه للتأمل على جبل شاموندي في مدينة ميسور بالهند .. حيث يقول إنه دخل في حالة تأمل عميقة ظنها دقائق أو ساعات .. ثم فوجئ لاحقاً بأنه عندما فتح عينه بالجماهير الغفيرة حوله .. البعض كان يعلق قلادات الزهور حول رقبته والبعض الآخر يقبل قدميه ولما تسآل بدهشة عن الذي جعلهم يظنون انه "قديس" او قورو فكانت الصدمة عندما اخبروه انه جالس دون ان يتحرك من المكان نحو 13 يوماً .. يقول سادغورو انه لم يصدق وهرب من المكان ولما وصل البيت سأل والدته كم غاب من المنزل - وكانوا معتادين على غيابه المتكرر - فقالت "اسبوعين" تقريباً .. روى سادغورو هذه الحادثة في عدد من مقابلاته ومحاضراته المنشورة .. ويستخدمها للتعبير عن فكرة أن الإنسان في حالات الوعي العميق قد تتغير علاقته المعتادة بالجسد واحتياجاته.

قد يظن البعض أن التعمق في مثل هذه الأفكار نوع من التعقيد غير الضروري .. لكنني أرى العكس. أنا لا أتحدث عن نظريات فلسفية معقدة أو فلسفة جان بول سارتر الوجودية بل عن تفاصيل صغيرة نعيشها يومياً دون أن ننتبه لها:

كيف نحب .. كيف نربي .. وكيف ننقل الحياة لمن حولنا دون كلمات.

أحياناً لا تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الضجيج أو الحلول المتسرعة .. بل إلى من يسلّط الضوء فقط .. كي نرى ما يحدث بوضوح. فالمشكلة ليست دائماً في قلة الحركة .. بل في الحركة داخل الظلام .. حيث يختلط الحابل بالنابل ونظن أننا نتقدم بينما نحن ندور في المكان نفسه.