يُقال إن أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا نرى قضبانها، وأعتقد أن الزنزانة التي نؤثثها جميعاً اليوم هي (سجن المثاليات والاستعراضات)، كم حدث وأن استيقظت يوماً وأنت تمارس دور (الإنسان الناجح، أو المُنجز، أو البخير دائماً) لمجرد أنك لا تملك ترف شرح العكس؟ تلك اللحظة التي تجد فيها نفسك تؤدي أدوارك الاجتماعية ببراعة مدهشة؛ ومكابرة، "الموظف الملتزم، الشخص المثالي، القوي دائماً،" و و الخ ، في حين تشعر في أعماقك بـ فراغ صامت، أو تعب، أو ملل من تكرار
وهم الرفوف: هل تُرمِّمُنا الكتبُ أم نختبئُ فيها من فوضى حياتنا
ثمة غواية قديمة تسكن قلوب التائهين، وهي الاعتقاد بأن "الحياة الصحيحة" تختبئ خلف رفوف المكتبات، وأن المسارات المتعثرة يمكن تقويمها بمجرد العثور على النص السحري الذي يملك المفاتيح. لكن الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن من انكسر مسار حياته لا يحتاج لخرائط جديدة بقدر ما يحتاج لشجاعة الوقوف وسط الأنقاض دون أن يغمض عينيه. لقد شوهت كتب "التنمية البشرية" و"الإرشادات المعلبة" بريق التأثير الحقيقي للورق، حين حولت التحول الوجودي إلى وصفات باردة ومكررة، بينما التأثير الذي نعنيه هنا هو
لماذا أصبح الإنسان الحديث أكثر وحدة رغم أنه أكثر اتصالًا؟
في إحدى الليالي، كنت أتصفح هاتفي بلا هدف تقريبًا حين وصلتني رسالة من صديق، كان آخر لقاء جمعنا قبل سنوات، ومع ذلك ـ نظريًا ـ لم تنقطع علاقتنا؛ فنحن “متصلان” دائمًا عبر التطبيقات. كتب لي جملة قصيرة: "هل شعرت يومًا أنك تتحدث مع كثير من الناس، لكن لا أحد يسمعك حقًا؟" (بعدها قمت بالاتصال به) جملة عابرة، لكنها بقيت عالقة في ذهني، لأنها مألوفة أكثر مما ينبغي. نعم ففي عصرنا لم يعد التواصل صعبًا كما كان. بضغطة زر يمكنك مراسلة
كلمات صدق ووفاء
محراب القدور.. وترانيم العطاء خلف الأبواب الموصدة، وفي تلك المساحات الضيقة التي تفوح منها رائحة الطبخ،و الهيل والزعفران، ثمة معركة صامتة تُخاض كل يوم. تظنُّ الكثيرات أن "العبادة" قد انحصرت في زوايا المساجد وبين دفتي المصاحف، فيشعرن بغصةٍ حين يسرقهنَّ الوقتُ من سجادة الصلاة إلى "محراب المطبخ". لكن الحقيقة أنَّ حفيف الثياب في المطبخ، وصوت غليان القدور، وصبر الأمّهات والزوجات على وهج النار ونصب الصيام؛ هو تسبيحٌ من نوعٍ آخر. إنه "جهادُ الحب" الذي لا يراه إلا الله. فكل لقمةٍ
ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟
في لحظة ما، حين يلهث الإنسان وراء كل ماهو بعيد عن متناول يده ويومه، ينسى أن قدميه اللتين تحملانه هما المعجزة الأولى. يظن أن العافية في ما سيأتي، في المال الذي لم يكتسبه بعد، في المجد الذي لم يُكتب له، في الشهرة التي لم تُعلن اسمه، في الحلم الذي يسعى إليه. ولنكن أكثر إنصافاً؛ نعم ليس من الخطأ أبدًا أن يخطط الإنسان لمستقبله، و يسعى صوب أحلامه، و يعمل بالأسباب التي توصله لاستقراره وطموحه. هذا سعيٌ مشكور، بل إنه مفروض
الجمهور الوهمي… هل نعيش حياتنا لأنفسنا أم لشاشاتهم؟
بقلم:حمزة عبدالمغني وانت تسير في شارع مزدحم أو تجلس في مقهى هادئ، هل شعرت يوماً ان هناك كاميرا تلاحقك لا أعني "بالمعنى السينمائي" أقصد "بالمعنى النفسي" إحساس دائم بأنك مُراقَب، وأن كل حركة أو كلمة أو فعل أو عمل أو حتى طبق الطعام الذي أمامك يجب أن يصبح مادة للعرض على المحكمة الرقمية الكبرى: منصات التواصل الاجتماعي. هذا الشعور ليس خيالاً محضاً. في علم النفس يُعرف بمصطلح “الجمهور الوهمي” (Imaginary Audience). وهو حالة ذهنية يعتقد فيها الفرد أن الآخرين يراقبونه باستمرار ويهتمون
مابعد العزلة: حين تصبح الخوارزمية أكثر حناناً من الواقع.
بقلم /حمزة عبدالمغني في الثالثة فجراً، حين يهدأ ضجيج المدن وتغلق الشوارع عيونها، تظل آلاف الشاشات مضيئة في غرف صغيرة موزعة على مدننا الكبيرة. خلف كل شاشة شخص يتحدث مع كيان برمجي لا إنسان. شاب يكتب اعترافاً طويلاً لصديق افتراضي، فتاة تسأل خوارزمية عن معنى الحزن الذي يسكنها، آخر يطلب نصيحة من برنامج لا يعرف اسمه ولا ماضيه. لقد تجاوزنا مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة عمل أو مصدر للمعلومات. إذ اننا نقف اليوم عند بداية مرحلة مختلفة تماماً: آلة الذكاء