المجتمع المادي يقدس النتيجة فقط؛ فإذا لم تصبح غنياً أو ناجحاً بتلك المقاييس المشوهة التي يضعها، فأنت في نظره فاشل، متأخر، وغير مُنجز. لكن في ميزان الخالق جل وعلا، الأمر يختلف تماماً. الله يحتسب السعي ويأمر به ويُكافئ عليه كقيمة مستقلة بذاتها. في هذا الميزان الإلهي "المُجتهد" الذي بذل السبب والجهد— حتى لو لم يحصد نتائج مادية ملموسة بين يديه— هو شخص ناجح بامتياز ومأجور، لأنه أدى ما عليه، وقام بواجبه، ولم يتكاسل. في الفيزياء، هناك قانون يقول: "الطاقة لا
hamzamottahar
حمزة عبدالمغني كاتب رأي مهتم بالفكر الإنساني والشأن الاجتماعي، وتأملات الإنسان، مسكون بالفلسفة والبحث عن الأصالة الإنسانية في عالم افتراضي.
148
5.37 ألف مشاهدات المحتوى
عضو منذ
يكفي أن تتصفح منصات التواصل اليوم لتجد نفسك أمام مئات الخبراء والمتخصصون الوهميون بسيل متواصل من النصائح والوعود البراقة؛ من أسرار الثراء السريع، إلى كيف تكسب مهارة معقدة في خمسة ايام بدون معلم، إلى تفكيك العقد النفسية المعقدة وتحليل السلوك، إلى وإلى وهلم جرا، مطر من النصائح والإرشادات في مقاطع قصيرة.بشكل يومي متكرر يسهم في صناعة الجهل المركب اكثر من صناعته للمعرفة الحقيقية. لقد تحول الفضاء الرقمي من (ديمقراطية للمعرفة) -أتاحت العلم للجميع- إلى ساحة مفتوحة لـ (وهم الخبرة) حيث
الكثير منا تقريبًا بنفس الدائرة: بداية مشتعلة بالحماس، دفتر جديد ، أهداف وخطط، أو تطبيق مليء بالأعمال المجدولة، شعور واضح بأن “هذه المرة مختلفة”. نضع قائمة طويلة من الإنجازات المنتظرة ( تعلّم مهارة جديدة، تطوير عمل، تعلم لغة، قراءة كتب مؤجلة أو حتى الالتزام بنظام صحي او رياضي) ثم شيئًا فشيئًا يبدأ كل شيء في الانحسار، حتى نجد أنفسنا قد تركنا الخطة قبل منتصف الطريق. كم خطط واهداف وضعتها و لم تكتمل، اذا الأمر ليس استثناءً. هذه تجربة شائعة جدًا.
في مرحلة ما من حياتنا المهنية، نجد أنفسنا أمام تساؤلات صريحة وربما مقلقة: كيف انتقلت من مهنة إلى أخرى؟ هل كان ذلك بدافع التطور ومواكبة التغيرات؟ أم بسبب فقدان الشغف تجاه ما كنت تفعله؟ وكم مرة غيّرت مسماك الوظيفي فقط لتواكب العصر؟ هذه التساؤلات أصبحت جزءًا طبيعيًا من واقع العمل الحديث، خاصة في مجتمعات مثل "حسوب" التي تجمع المستقلين، المطورين، وصنّاع المحتوى. في الماضي، كان الاستقرار المهني هو القاعدة؛ يختار الشخص تخصصًا ويستمر فيه لسنوات طويلة. أما اليوم، فالتطور التكنولوجي
((نحن شركة رائدة، نسعى للتميز، ونقدم أفضل الخدمات بأعلى المعايير)) هل مرت عليك مؤخراً مثل هذه العبارات الرنانة في بروفايل شركة ما؟ نعيش في عصر ذهبي من التطور العمراني والتقني، لكنّا لا نزال نجد فجوة سحيقة بين هذا التطور الهائل الذي نعيشه، وبين "السردية المؤسسية" التي تخرج بها شركاتنا للجمهور؟ بينما يتسابق العالم نحو. "عصرنة" او "أنسنة" العلامات التجارية، لا تزال معظم بروفايلات شركات عربية حبيسة قوالب إنشائية معلبة وجاهزة تجاوزها الزمن. إن مأزق المحتوى التقليدي في مشهدنا الرقمي الحالي يكمن في إصرار الشركات
في سوق العمل اليوم، يبرز تساؤل جوهري يواجه أصحاب الشركات والموظفين على حد سواء: هل تعكس شهادة الخبرة القدرة الفعلية على الأداء المهاري، أم أنها مجرد إثبات لتواجد فيزيائي في مكان ما لفترة زمنية معينة؟ بينما يرى البعض او تعتمد بعض الجهات والمؤسسات أن الشهادة هي المعيار الأسمى، يرى آخرون بأن المهارة الصامتة قد تتفوق بمراحل على سنوات من العمل الروتيني الذي لم ينتج شيئاً حقيقياً. الوهم الزمني مقابل الإتقان الميداني شهادة الخبرة في جوهرها هي وثيقة إدارية تشهد بأنك
عدتُ اليوم إلى "حسوب" بعد غياب لفترة وجيزة، وهي فترة كانت كفيلة بأن تضعني وجهاً لوجه أمام حقيقة قاسية: لقد أصبحنا نعيش في عالم يضج بالضوضاء والتوتر لدرجة أننا فقدنا الألفة مع الصمت أو مع ذواتنا. خلال فترة انقطاعي، تأملتُ في حال جيلنا مقارنة بجيل آبائنا ومن سبقونا. هم أيضاً عرفوا الضجيج، لكنه كان "خارجياً" ومؤقتاً؛على سبيل المثال لا الحصر (كانوا يفتحون التلفاز ويرون أخبار الحروب مثلاً حرب الخليج أو الغزو على العراق ،وكذلك يسمعون في الإذاعة خطابات سياسية حادة
يُقال إن أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا نرى قضبانها، وأعتقد أن الزنزانة التي نؤثثها جميعاً اليوم هي (سجن المثاليات والاستعراضات)، كم حدث وأن استيقظت يوماً وأنت تمارس دور (الإنسان الناجح، أو المُنجز، أو البخير دائماً) لمجرد أنك لا تملك ترف شرح العكس؟ تلك اللحظة التي تجد فيها نفسك تؤدي أدوارك الاجتماعية ببراعة مدهشة؛ ومكابرة، "الموظف الملتزم، الشخص المثالي، القوي دائماً،" و و الخ ، في حين تشعر في أعماقك بـ فراغ صامت، أو تعب، أو ملل من تكرار
ثمة غواية قديمة تسكن قلوب التائهين، وهي الاعتقاد بأن "الحياة الصحيحة" تختبئ خلف رفوف المكتبات، وأن المسارات المتعثرة يمكن تقويمها بمجرد العثور على النص السحري الذي يملك المفاتيح. لكن الحقيقة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن من انكسر مسار حياته لا يحتاج لخرائط جديدة بقدر ما يحتاج لشجاعة الوقوف وسط الأنقاض دون أن يغمض عينيه. لقد شوهت كتب "التنمية البشرية" و"الإرشادات المعلبة" بريق التأثير الحقيقي للورق، حين حولت التحول الوجودي إلى وصفات باردة ومكررة، بينما التأثير الذي نعنيه هنا هو
في إحدى الليالي، كنت أتصفح هاتفي بلا هدف تقريبًا حين وصلتني رسالة من صديق، كان آخر لقاء جمعنا قبل سنوات، ومع ذلك ـ نظريًا ـ لم تنقطع علاقتنا؛ فنحن “متصلان” دائمًا عبر التطبيقات. كتب لي جملة قصيرة: "هل شعرت يومًا أنك تتحدث مع كثير من الناس، لكن لا أحد يسمعك حقًا؟" (بعدها قمت بالاتصال به) جملة عابرة، لكنها بقيت عالقة في ذهني، لأنها مألوفة أكثر مما ينبغي. نعم ففي عصرنا لم يعد التواصل صعبًا كما كان. بضغطة زر يمكنك مراسلة
في لحظة ما، حين يلهث الإنسان وراء كل ماهو بعيد عن متناول يده ويومه، ينسى أن قدميه اللتين تحملانه هما المعجزة الأولى. يظن أن العافية في ما سيأتي، في المال الذي لم يكتسبه بعد، في المجد الذي لم يُكتب له، في الشهرة التي لم تُعلن اسمه، في الحلم الذي يسعى إليه. ولنكن أكثر إنصافاً؛ نعم ليس من الخطأ أبدًا أن يخطط الإنسان لمستقبله، و يسعى صوب أحلامه، و يعمل بالأسباب التي توصله لاستقراره وطموحه. هذا سعيٌ مشكور، بل إنه مفروض
بقلم:حمزة عبدالمغني وانت تسير في شارع مزدحم أو تجلس في مقهى هادئ، هل شعرت يوماً ان هناك كاميرا تلاحقك لا أعني "بالمعنى السينمائي" أقصد "بالمعنى النفسي" إحساس دائم بأنك مُراقَب، وأن كل حركة أو كلمة أو فعل أو عمل أو حتى طبق الطعام الذي أمامك يجب أن يصبح مادة للعرض على المحكمة الرقمية الكبرى: منصات التواصل الاجتماعي. هذا الشعور ليس خيالاً محضاً. في علم النفس يُعرف بمصطلح “الجمهور الوهمي” (Imaginary Audience). وهو حالة ذهنية يعتقد فيها الفرد أن الآخرين يراقبونه باستمرار ويهتمون
بقلم /حمزة عبدالمغني في الثالثة فجراً، حين يهدأ ضجيج المدن وتغلق الشوارع عيونها، تظل آلاف الشاشات مضيئة في غرف صغيرة موزعة على مدننا الكبيرة. خلف كل شاشة شخص يتحدث مع كيان برمجي لا إنسان. شاب يكتب اعترافاً طويلاً لصديق افتراضي، فتاة تسأل خوارزمية عن معنى الحزن الذي يسكنها، آخر يطلب نصيحة من برنامج لا يعرف اسمه ولا ماضيه. لقد تجاوزنا مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة عمل أو مصدر للمعلومات. إذ اننا نقف اليوم عند بداية مرحلة مختلفة تماماً: آلة الذكاء