ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟

​في لحظة ما، حين يلهث الإنسان وراء كل ماهو بعيد عن متناول يده ويومه، ينسى أن قدميه اللتين تحملانه هما المعجزة الأولى. يظن أن العافية في ما سيأتي، في المال الذي لم يكتسبه بعد، في المجد الذي لم يُكتب له، في الشهرة التي لم تُعلن اسمه، في الحلم الذي يسعى إليه.

​ ولنكن أكثر إنصافاً؛ نعم ليس من الخطأ أبدًا أن يخطط الإنسان لمستقبله، و يسعى صوب أحلامه، و يعمل بالأسباب التي توصله لاستقراره وطموحه. هذا سعيٌ مشكور، بل إنه مفروض ومطلوب لتستقيم الحياة.

لكننا نتحدث عن تلك اللحظة التي يتحول فيها السعي إلى "لهثٍ محموم"؛ إلى توتر وقلق دائمين، حين يركض المرء خلف شيءٍ ما متناسيًا ما بين يديه متجاهلا لحظته، معتقدًا أن السعادة والسلام ليسا إلا في ذلك ذاك البعيد، فينسى حاضره، ويسخط على ذاته وواقعه، ويغفل عن كنز اللحظة التي يحياها.

أسأل نفسك: ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟

​لو سُلب البصر، لعرفت أن النور لم يكن في الشوارع المضاءة ولا في الشاشات، عينيك هما ما يضيء لك طريق بيتك وعالمك، لو سُلب السمع، لاكتشفت أن السيمفونيات لم تكن في قاعات فيينا، كانت في صوت أمّك حين تناديك، في ضحكة طفلتك،

لو تحجرت عاطفتك وصرت شخصاً مريضاً فاقداً للشغف والشعور، لعرفت أن العاطفة التي لم تكن تنتبه لها، في احتضان ابنك او ابنتك، في ضحكة زوجتك، في دعاء ابيك،في لمة عائلتك، في الرجفة الصغيرة حين تلمس يدًا مُحبة، هذا وغيرها، كانت أعظم من كل قصور الدنيا، وأدفى من أشهر ترندات العالم.

​نحن، أبناء هذا العصر، نمارس غفلة حداثية: نكدّس الأمنيات كما لو كانت أسهماً في بورصة، نبدّل الهوية كما لو كانت قناعًا في مسرح، نركض خلف صعودٍ رقمي كأنه خلاصنا الأخير.

لكن الفيلسوف الهادئ، الإنسان الذي استخلص الحكمة من حياته، يدرك جيداً أن: السعادة ليست فقط في ما تُضيفه، وأنها ما أنت عليه الأن، في ما لم يُسلب منك بعد.

 تخيّل نابوليون في منفاه، لا يحمل سوى جسده المرهق؛ هناك فقط أدرك أن الإمبراطوريات تنهار، لكن القدرة على الوعي بالذات هي المملكة التي لا تُسلب إلا بالموت.

​في السردية الكبرى لهذا الوجود، أنت لست غريبًا. أنت نصّ مكتوب بعناية: أنت أجل وأعظم نعم الله بذاتك بما انت عليه بلا القاب، وفي أعماقك صدى الكلمة الأولى: "كن". فهل يليق بك أن تنشغل عن هذا المعنى العميق بجمع حصى على قارعة الزمن؟

​ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنت عليه الآن؟

ستكتشف أن كل ما ظننته نافلة كان هو الأصل.

 أن الامتنان وتقدير اللحظة الراهنة وعيشها بكل تفاصيلها ليس ترفًا روحيًا،وليس عجزاً ولا تكاسلاً ، إنه ضرورة وجودية. أنك حين تقول "الحمد لله"، مقدراً وممتناً لكل ما انت عليه الآن راضياً، فأنت تعلن يقظة: أنا هنا، أنا أملك، أنا ممتلئ،

​الفلسفة ما بعد الحداثية قد تقرأ الإنسان ككائن متشظٍ، هارب من ذاته، لكنه يظل في النهاية محتاجًا إلى يقين بسيط، أنه هو بذاته كافِ، هو بذاته، كنز، وأن ما بين يديه هو كنز، وأن الغفلة عنه هي الفقد الحقيقي.

كثيراً من الناس لا يُقدر قيمه النعم التي كان فيها حتى يفقدها.

​فلتجعل من حياتك سؤالًا واحدًا يتردد كصدى: ماذا سيحدث إذا سُلب ما أنا عليه؟

ولتجعل من جوابه سلوكًا، وامتنانًا، ويقظة لا تنام. عندها فقط، ستدرك أنك ثريًا معنوياً ونفسياً،،،، وكافياً، وأنك تحمل في داخلك عالمًا لا يُقاس بخطوط الطول والعرض، بل يقاس بالوعي الذي يشعرك أنك حيّ الآن.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

من أخطر ما قد يحدث للإنسان في الحياة هو إيلاف النِعم أو التعود عليها، فأبسط الأشياء لدينا وفي حياتنا هي في الحقيقة نعم كبيرة جدًا، لكننا للأسف قد لا نشعر بها لأننا تعودنا على وجودها ولم نفقدها أو نخسرها يومًا، فالعائلة أكثر من يشعر بأهميتها هو اليتيم، والصحة أكثر من يشعر بقيمتها هو المريض.

فالحمد لله على كل شيء وكل حال دائمًا وأبدًا.

ياسلااام عليكِ، @Seham_Sleem

نعم هذا هو لب الموضوع وجوهرة

حين يألف الإنسان النعم، ولايشعر بقيمة ماهو حاصل بين يديه وحاضره،حتى يفقده.

والأهم ان لايكون "الحمدلله" فقط ترتيد لسان، الاهم ان يتحول الحمد الى سلوك ورضى وامتنان لكل لحظة يعيش فيها الإنسان،

بوووووركتِ

حتي تعرف ماذا تذكرت الان ؟ لقد تذكر قصة النبي ايوب.

ففي التفشير الصوفي لقصته قد سلب منه كل شئ ليس كابتلاء بل لكي يري نفسه بدونها موجود وله قيمة في وجوده مع الله حتي لو فقد كل شئ حتي صحته ومظهره .

@eman_hamdy_0

قصة عميقة وعظيمة فعلاً نستخلص منها ما ذكرتِ، والكثير من الدلالات والمعاني.

بووووركتِ

أتابع كثير من المصابين بالسرطان بأنواعه، البعض يستغرب أني أعذب نفسي ولكن الأمر ليس كذلك، أنا أحبهم وأدعمهم ويذكروني بحقائق كثيرة وفكرة أن يسلب شيء منا لم نكن نلاحظة ونظنه عادي مثل البصر أو السمع أو عدم القدرة حتى على التنفس بشكل طبيعي أو المشي، وأشعر أن هذا المحتوى ليس مؤلم بقدر ما هو يوقظ مشاعري وإدراكي على حقيقة تلك الحياة غير المضمونة ففي لحظة قد يسلب كل شيء

أحسنتِ

اولاً هذه لفتات إنسانية في دعمك وحبك لمريض السرطان،

ثانياً انها طريقة في التهذيب النفسي والتربية الوجدانية الاخلاقية النبيلة، لكي يدرك الإنسان حجم النعم التي يتنعم وينعم بها وقد لا يلاحظها ولا يعيرها بالاً حتى يفقدها،لذلك فهو يذكر نفسه كلما حاولت الحياة الدنيا وأمانيها ان تنسيه ذلك، فيدرك بذلك جلال النعم التي هو فيها ويحمدالله عليها ذكراً وسلوك حياة

بووووركتٍ

لدى مشكلة كبيرة مع تلك الفلسفة يا حمزة، فهو يُستخدم كمخدر للفشل أو التكاسل عن تغيير الواقع الغير جيد، فلو طبقنا نفس المنطق في كل جوانب حياتنا لخضعنا لأي وضع سيء فقط لأنه نعمة وأن لدينا الكثير من النعم التي لا مشعر بها!!

فهذا المنطق هو ما جعل بعض المجتمعات ترضى بالفقر والجهل لمجرد أنهم يمتلكون نعم شخصية، الانجاز البشري في أي مرحلة من التاري بُني ع السخط والنقد الايجام وعدم الرضا بالواقع بل وهو المحرك الذي يدفعنا للاختراع والبناء والعمل.

@ahmed_abd_elkhalek

ارجع لقراءة النص

تجد

[ ولنكن أكثر إنصافاً؛ نعم ليس من الخطأ أبدًا أن يخطط الإنسان لمستقبله، و يسعى صوب أحلامه، و يعمل بالأسباب التي توصله لاستقراره وطموحه. هذا سعيٌ مشكور، بل إنه مفروض ومطلوب لتستقيم الحياة.]

هذا المقال ليس معناه ان يكون الإنسان اتكالياً محبطاً غير ساعياً أو فرداً فاعلاً في مجتمعه ككل.

هذا لاغبار عليه حتى ان الله لايحب العبد المتكاسل، وكثير من الايات والاحاديث تحث على العمل والانتاج و و الخ.

نحن نتحدث حينما يتغافل الانسان على نعمه وحاضره، ويضل يلهث بهوس خلف المستقبل والطموح بطريقه مضنية تسنتزفه صحيا ونفسياً وجسديا متناسياً كل النعم التي بين يديه

ويربط سعادته كلها وسلامه في ذاك الذي يسعى اليه لذلك تجد الكثير من المنكسرين نفسياً حين لم يحققوا ماارادوا، والكثير ممن يعتريهم القلق والتوتر الدائم على المستقبل متناسيا لحظته الذي هو فيها و و الخ.

اعد قراءه المقال أحمد

قرأته أكثر من مرة يا صديقي

نحن نتحدث حينما يتغافل الانسان على نعمه وحاضره، ويضل يلهث بهوس خلف المستقبل والطموح بطريقه مضنية تسنتزفه صحيا ونفسياً وجسديا متناسياً كل النعم التي بين يديه

حتى مع هؤلاء الذين تخاطبهم لن يفيدهم هذا الكلام، ذلك الذي يسعى للكمالية والانجاز المستمر ليشعر بقيمته حين تحدثه عن الشعور بالنعمة التي في يديه لن تفيد معه شيء، أنا واحد من هؤلاء وأقول لك أن هذا المنطق لا فائدة منه ولن يغير شيء، المشكلة لدينا في أنني أشعر بقيمتي من خلال الإنجاز، أنا لا أعرّف أحمد من ذاته بل مما يفعله يوميا، وكلما فعل أكثر وأنجز اكثر شعرت اني إنسان أفضل، لذا لا أتوقف تماما عن السعي المتعب خلف المستقبل.

أنا أعرف النعم التي لدي، وأقول الحمد لله في كل لحظة عليها وأعرف ان الله أنعم علي بالكثير والكثير، ومع ذلك أريد أن أصل إلى أهدافي وسأفعل أي شيء لأصل إليها.

لذا فالحل ليس فيما تقول، بل الحل في أن أنظر لنفسي من الداخل، أن أراني كإنسان لديه الحق في أن يستمتع ويعيش لحظات من الراحة والهدوء دون أن تطاره الكمالية، الحل في أن أسدد احتياجاتي النفسية التي لم تسدد حتى الآن، أطلب من الله أن أتخلص من عيوبي وكماليتي.

يا صديقي احمد

تعتقد انك تعارضني، لكنك في الحقيقة تؤكد فكرة المقال وأنت لاتشعر، وزيادة على ذلك اعترفت بمرضك وعيوبك (الكمالية المفرطة).

​ركز معي قليلاً يا أحمد..

تقول إن كلامي لا يفيد ولايجدي الذي يسعى للإنجاز و و الخ، ثم تنهي تعليقك بالاعتراف بأنك تبحث عن حل لـ "عيوبك وكماليتك" وتطلب من الله أن "يسدد احتياجاتك النفسية". ألا ترى التناقض الصارخ هنا؟

​أنت اعترفت إذ تقول إنك تُعرّف نفسك بما تفعله لا بما أنت عليه، وهذا يا صديقي هو " نقص الذات" بعينه، نقص داخلي وخلل نفسي،

إذا كنت تُعرّف قيمتك كإنسان بما "تنجزه" فقط، فماذا سيبقى منك كإنسان في اليوم الذي يمر عليك بمرض، أو تعب، أو إخفاق خارج عن إرادتك؟ هل تنعدم قيمتك حينها؟

​أنت تظن أنك تسعى "للكمال"، والحقيقة أنك تهرب من "الفراغ". المنطق الذي تصفه هو منطق "الآلة" لا "الإنسان". الآلة قيمتها فيما تنتجه، فإذا توقفت عن الإنتاج أُلقيت في الخردة بلاقيمة وبلا أهمية. أما الإنسان، فقيمته في "وجوده" أولاً، وإنجازه هو ثمرة لهذا الوجود وليس شرطاً له.

​تقول إنك "تعرف النعم وتقول الحمد لله"، لكن "الحمد" الذي لا يورث سكينة ولا يفرمل لهثك خلف سراب الكمال هو حمدٌ باللسان فقط، مجرد كلام، لم يذق القلب معناه، ولاتجد له الطمأنينة والسلام طريقاً.

الحمد الحقيقي ياصديقي هو الذي يجعلك تنجز بـ "حب" لا بـ "ذعر"، تسعى لأنك "قوي" لا لأنك "ناقص" تبحث عما يكملك.

​المشكلة في منطقك أنه "سقف لا ينتهي"؛ فبعد كل إنجاز ستبحث عن الذي يليه لتشعر بقيمتك، وستظل قيمتك وسعادتك "رهينة" لما ستفعله غداً، ولن تعيش "اليوم" أبداً، وهدا يخبرك بالعلم والمنطق انك لن تشعر بقيمتك ابداً وستظل تبحث عما يملأ نقصك مادمت وقد ربطت قيمتك بإنجازك،

ثم إن

​الحل الذي قلت أنت أنك تبحث عنه في "النظر لنفسك من الداخل" هو بالضبط ما دعوتُ إليه في مقالي؛ فالعين التي تدرك قيمة البصر الآن، والقلب الذي يمتن للحظة الهدوء، هما فقط من يملكان "النفس الطويل" للإنجاز الحقيقي.

أما الذين يركضون لأنهم يكرهون "واقعهم" وغير راضين عن "ذواتهم" بدون إنجاز، فغالباً ما يصلون إلى أهدافهم بجسد محطم وروح منهكة،وعلل نفسية.. وحينها، لن يجدوا أي طعم لتلك الأهداف.

أخيرا وهذا الأهم

إذا كنت من هؤلاء الذين يسعون للكمال والإنجاز ولا فائدة للمنطق معهم ولا مخاطبتهم ولن يفيدهم بشيء وأنت بقولك واحد منهم

إذاً هذا المقال لايعنيك وليس لك،

أحاول تعويد نفسي على الامتنان والرضا الداخلي مؤخرًا، وتذكر المعنى من الحياة دائمًا، وتذكر الآية الكريمة "لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ". لأنه لا شيء دائم في هذه الحياة.

منذ يومين نشر أ. أيمن منشورًا عن تجربة شخصية له يعيشونها حاليًا في لبنان بسبب الأوضاع، ممكن تقرأها أ. حمزة:

@raghd_agaafar

صدقيني هذا أجل وأسمى ما تفعليه، وستدركين ذلك حين تجدي السعادة والسلام والطمأنينة في ابسط تفاصيل يومك، في تلك التفاصيل العادية التي قد لايعيرها الكثير انتباهاً حتى يفقدها.

السعادة والسلام والامان الذي قد لايجدها صاحب المليارات والقصور الشاهقة.

بالمناسبة كنت قد

قرأت المقال الذي أشرتي علي بقراءته للأستاذ أيمن وآثر فيني كثيراً

وقد تركت تعليقاً هناك.

بوووركتِ ودمتِ بسعادة وسلام

لم اتمكن من تفسير الشعور وانا اقرأ

ولكن شعرت كما لو انك تكلمني

جزاك لله خيرا

يسعدني ذلك يا عزيزي

وجزاك الله خيرا

ودمت بسعادة وسلام