عن احتراقك الداخلي: هل تعيش حياتك أم تؤدي دوراً أعجب الآخرين؟

​يُقال إن أخطر أنواع السجون هي تلك التي لا نرى قضبانها، وأعتقد أن الزنزانة التي نؤثثها جميعاً اليوم هي (سجن المثاليات والاستعراضات)،

كم حدث وأن استيقظت يوماً وأنت تمارس دور (الإنسان الناجح، أو المُنجز، أو البخير دائماً) لمجرد أنك لا تملك ترف شرح العكس؟ تلك اللحظة التي تجد فيها نفسك تؤدي أدوارك الاجتماعية ببراعة مدهشة؛ ومكابرة، "الموظف الملتزم، الشخص المثالي، القوي دائماً،" و و الخ ،

في حين تشعر في أعماقك بـ فراغ صامت، أو تعب، أو ملل من تكرار التفاصيل ذاتها، وكأنك تشاهد شريط حياتك من مقعد المتفرجين، لا من مقعد القيادة.

​نحن نعيش في عصر يُقدس "الاستعراض، والتلميع" ويحتفي بالنجاحات السريعة، حتى أصبحنا نخشى أو نخاف الاعتراف بالهزائم الصغيرة، أو بالملل القاتل من الروتين،أو بالتفاصيل العادية، أو حتى بحقنا الأصيل في أن نكون "غير منتجين" ولو ليوم واحد. أو لسنا بخير ومثاليين دائماً.

الحقيقة أننا لا نرهق من العمل الشاق بقدر ما نُستنزف من "التظاهر" الدائم بأن كل شيء تحت السيطرة. كل شيء على مايرام، نستهلك كتب تطوير الذات لنغدو نسخاً أفضل، لكننا أحياناً نحولها لسياط نجلد بها أرواحنا لأننا لم نصل بعد لتلك المثالية المعلبة، متناسين أن من حقنا الإنساني أن نكون مكسورين قليلاً، مُتعبين، تائهين حيناً، عاديين، ومن دون خطة واضحة للغد في أحيان،

​هذه (المثالية الزائفة)التي تفرضها علينا ثقافة المجتمع الرقمي أو العصري، جعلت من (الصدق مع الذات) عملاً ثورياً. نحن بحاجة لاستعادة حقنا في التعب دون شعور بالذنب، وفي القلق دون أن نوصم بالضعف. ومن الشعور بالحزن دون أن نُصنف مرضى نفسيين،

السلام الحقيقي لا يبدأ من محاولة إرضاء تصورات الآخرين عنا، وإنما من التصالح مع نقصنا واحتياجنا العاطفي الصرف.

أن لاننكر عاديتنا وإنطفائنا أحياناً وعدم قيامنا بأي إنجاز يوم أو يومين او حتى ايام،

​سؤالي لكل العابرين فوق هذه السطور، ومن قلبي:

متى كانت آخر مرة قلت فيها "أنا بخير" وأنت تعنيها فعلاً من أعماقك؟

متى آخر مرة ضحكت فيها ضحكة حقيقية نابعة من قلبك،وليس مجاملة للأخرين او كي لايقال عنك بارد ومُعقد؟

متى آخر يوم أو آخر فترة لم تُنجز فيها شيئا؟ ومع ذلك مازلت راضِ عن نفسك دون ان تلوم نفسك؟

وهل تشعر اليوم أنك تقود دفة حياتك بحرية ؟ أم أن "خوفك من الآخرين" هو الذي يمسك بالمقود؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مشاركة ممتازة شكرا لك ..

في الواقع أنا أقول كل يوم "أنا بخير" وأنا أعنيها فعلاً .. والسجن الذي وصفته خرجت منه والحمد لله .. في البداية كنت ارتجف خوفاً لأن "السجن" يوفر الاكل والشرب والإنتماء والأمان كما كنت أعتقد.. والآن صرت لا أكتفي بوصف السجن بل أصف للناس مفتاح الخروج .. ولكن لاحظت الناس تتردد ولديها الاسئلة القديمة .. وهل اذا خرجت ستضمن لي الأمان؟ وهل سأستطيع النوم والأكل؟ وهل سأتزوج بدون مشاكل؟ الخ الخ .. الاسئلة نابعة من طريقة التفكير في السجن وهي مجرد تعبير عن الخوف .. "الحرية" مخيفة يا صديقي .. حتى ارجل الرجال يخاف من الحرية .. لذلك نحن "ندعي" اننا نريد الحرية ولكن لا أحد يريدها هي كالحب .. شئ نتغني له ونسلي أنفسنا في السجن ..

والآن صرت لا أكتفي بوصف السجن بل أصف للناس مفتاح الخروج

هنيئا لك، لكن عندي سؤال، هل أنت متأكد من أنك ستظل قادرا على مشاركة الطريق لكل الناس؟ البعض من ضعاف النفوس أو قليلي الحيلة أو ممكن لا يملكون شجاعتك قد يبدأوون في محاربتك مع الوقت. النفس تتعامل بكره وحقد مع الغير إذا حقق ما لا تستطيعه هي.

لذلك أرى أن تحتفظ بسرك لنفسك، أو تشاركه فقط مع من يستحقونه، وإلا قد تخرب الأمر على نفسك.

قد يبدأوون في محاربتك مع الوقت. النفس تتعامل بكره وحقد مع الغير إذا حقق ما لا تستطيعه هي.

هذا ما لاحظته حتى في مجتمع صغير كحسوب ولكن هناك شئ ما يدفع للمشاركة .. وتقولين: تشاركه فقط مع من يستحقونه .. ولكن بحثت عن مجتمعات تهتم بهذه الامور ولكن لا توجد مجتمعات عربية للاسف وكنت اعتقد ان الاعضاء في حسوب نخبة من ذوي الفكر ولكن العقل المحدود يوجد في كل مجتمع ..

وإلا قد تخرب الأمر على نفسك.

لا يوجد خراب بإذن الله وانا على يقين ان كل ما نشاركه يعود الينا اضعاف مضاعفة وزكاة العلم المشاركة كما تعلمين .. وكل يوم اتعلم كيف تعمل العقول المتحجرة وافهم الطريق اليها افضل ..

خالص التحية والتقدير

هذا موقع يهتم بالظاهر الروحية و فوق الطبيعية :

صحيح احيانا يحتوي محتوي غريب جدا ولكنه بيئه تسمح بنقاش اي شئ وتتقبل نوع المحتوي الذي تقدمه وستقابل فيه اشخاص مثلك .

شكر لك ايمان على الاهتمام..

أنا فعلا عضو في الموقع منذ تقريبا ثلاث سنوات لكن لاحظت مثلا ان صاحب الموضوع له سنة كاملة لم يسجل حضور فبالتالي امكانية انشاء حوار معدومة رغم ان المواضيع المطروحة غاية في الاهمية .. حتى عند طرح المواضيع اشعر انني اؤذن في مالطة .. لا ادري هل الموقع مهجور ام لا ولكن لدي تجربة مع موقع عربي آخر كان اسمه "ماوراء الطبيعة" هو غير موجود الآن رغم انه كان صاخب وملئ بالنقاشات ولكن لا ادري اين ذهب ولماذا يغلق موقع كهذا!!

افكر بجدية لانشاء منتدي حقيقي يجمع المهتمين بهذه المواضيع بإذن الله

شكر لك مرة أخرى .. تحياتي

لو تقصد الموقع ده

فهو متاح حاليا

شكرا لك لاهتمامك .. فقد كان توقف فعلا ويبدو انه عاد بشكل جديد

خالص التحية والتقدير

حقيقي انا في غاية الشكر والتقدير لك ..

لقد ارسلت لهم تجربتي واذا وافقوا على نشرها ساكون في منتهى السعادة وسأعلمك بذلك ...

خالص التحية والتقدير

وفقك الله في هذا الموقع او غيره

نهارك سعيد ايمان ..

بالفعل طلبت منهم المشاركة في كتابة المقالات وتم نشر اول مقال لي ويمكن مراجعته من هنا مع خالص شكري وتقديري لك

تحليل عميق وصادق جداً؛ لقد وضعت يدك على الوجع الحقيقي وهو "فوبيا الخروج". السجن، رغم قسوته، يمنح السجين "هوية" ووقتاً منظماً وإجابات جاهزة، بينما الحرية تمنحه "المجهول" ومسؤولية الاختيار، وهذا هو المرعب فعلاً.

​كثيرون يفضلون القيد الذي يعرفونه على الفضاء الذي يجهلونه، ولذلك تتحول الحرية من هدف إلى "أمنية شاعريّة" نتسلى بها لتقليل وطأة القضبان لا أكثر. نحن بالفعل نتغنى بالحرية كنوع من "المخدر الموضعي"، لكن حين يفتح الباب، يرتجف الأغلب ويختار الدفء المعتاد داخل الزنزانة.

​هنيئاً لك كسر هذا الحاجز، فالحرية ليست مجرد خروج، إنها القدرة على تحمل "برد الخارج" دون ندم.

كأنك وصفت العجلة التي يدور فيها كل إنسان بلا راحة، ففعلا أنا في فترة بعد انتهاء العيد كل أعمالي مازلت غير منظمة وهذا طبيعي ولكن ربما أرفض هذا الشعور وحتى من الممكن ألوم نفسي على محاولاتي الطبيعية في السعي لضبط كل شيء، ألومها لأن عليا إنجاز كل شيء بسرعة كما نحن في عصر السرعة، لا أتذكر متى أخر مرة أخذت فيها أنفاسي ورضيت عن نفسي رضى حقيقي

هذا اللوم الذي تشعرين به تجاه محاولاتك الطبيعية في السعي، هو نتاج ثقافة "عصر السرعة" التي أقنعتنا بأن البطء ذنب، وأن التوقف لالتقاط الأنفاس هو ضياع للفرص. الحقيقة هي أن ترتيب الفوضى بعد المواسم (كالعيد) مثلاً هو عملية تحتاج لوقت، والضغط الذي تمارسينه على نفسك هو الذي يستهلك طاقتك أكثر من العمل ذاته.

​حاولي أن تمنحي نفسك "حق الخطأ" وحق "عدم الإنجاز" لبعض الوقت، فالرضا الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن معاملة أنفسنا كآلات مطلوب منها أداء ثابت، ونبدأ في معاملتها ككائنات حية تحتاج للراحة تماماً كما تحتاج للسعي.

لا يمكن أن يعيش إنسان دون الإهتمام بشكله في أعين الناس ، حتى لو ظن أن رأى الناس لا يعنيه، فلا يوجد طريقة ليتأكد بها إن كان صادق أم يلاعبه عقله و يخدعه .. هناك من يقول أن نظرة الآخرين إلينا من شروط الوجود.

أنت تخلط بين "التفاعل الاجتماعي" وبين "الاستلاب الاجتماعي".

نعم، الإنسان كائن اجتماعي يرى نفسه في عيون الآخرين كشرط للوجود المعرفي، لكن المصيبة تبدأ حين يتحول الآخر من "مرآة" إلى "سجان".

​الفرق الجوهري الذي فاتك هو أن الشخص الناضج يستأنس برأي الآخرين كـ "معلومة" لا كـ ،حكم إعدام، أو مقياس نهائي؛ فمن يعيش ليرضي الصورة الذهنية في عقول الناس ليس حياً بالمعنى الحقيقي، إنه مجرد "صدى" لأصواتهم.

أن تقول إننا لا نملك وسيلة للتأكد من صدقنا مع أنفسنا هو تشكيك عدمي يلغي قيمة "الوعي الذاتي". إنها فكره مغلوطة من كل الاتجاهات.

​الحقيقة أن "شروط الوجود" تتطلب حداً أدنى من الاستقلال؛ فإذا كان وجودك مشروطاً بنظرة الآخر، فأنت تتلاشى بمجرد أن يغمضوا أعينهم عنك أو يغيروا معاييرهم.

الحرية ليست في ادعاء عدم الاهتمام مطلقاً، الحرية الحقيقية هي في القدرة على اتخاذ قرار "يخالف" رغبة القطيع ودون الشعور بتهديد في كينونتك.

و الشخص الذي يظن أن نظرة الناس هي "شرط وجوده" الوحيد، هو في الواقع لم يولد بعد كفرد مستقل، له كيانه وكينونته، لكنه سيعيش وينتهي وهو لا يزال جنيناً في رحم التوقعات الاجتماعية.

لا ، هو سجن بالفعل ، و حكم إعدام.

صاحب المقولة فيلسوف فرنسي إسمه سارتر و أوصافك مشابهة للأوصاف التي استخدمها ، ولكنه قال جحيم و ليس سجن ، وقال لا مفر ولا مخرج و ليس حكم إعدام.