في مسابقة Spelling Bee لم يكن ابني طفلًا عاديًا يعتلي المسرح.

كان يحمل في ذاكرته مئات الكلمات التي تدرب عليها بصبر.

كان يتهجّاها في البيت كما لو أنه يعزف مقطوعة موسيقية؛

حرفًا حرفًا، مقطعًا مقطعًا، حتى حفظنا نحن إيقاعها قبل أن يحفظه هو.

في أمسيات التحضير، كان البيت يتحول إلى قاعة تدريب صغيرة.

نختبره، نصحح له، نشجعه، نبتسم كلما أصاب.

وكان يصيب كثيرًا.

هو طفل ذكي.

لكن الذكاء لا يُلغي الخجل، بل أحيانًا يجعله أعمق.

جاء يوم المسابقة.

صعد إلى المسرح.

أصدقاؤه يهتفون باسمه، معلمته تبتسم بثقة، وأنا أراقبه من المدرج بقلبٍ يسبق نبضه.

أُعطيت له الكلمة الأولى.

لحظة صمت.

ثم لحظة أطول.

ثم رأيت ما لم أره في البيت قط:

تجمّدت الكلمات في فمه.

كأن الذاكرة أغلقت أبوابها دفعة واحدة.

لم يخطئ…

لم يتلعثم…

لم ينطق أصلاً.

كانت الصدمة صامتة، لكنها مدوّية.

له… لي… ولمعلمته التي لم تتوقع أن تتوقف الرحلة عند أول حرف.

شعرت بالدم يغلي في عروقي.

كاد صوتي يسبقني إليه، كدت أصرخ وأهبط من المدرج، أن أكون الجسر بينه وبين الكلمة.

ثم توقفت.

أدركت أن بعض المعارك، مهما صغر حجمها، يجب أن يخوضها الإنسان وحده.

وأن النزول إليه في تلك اللحظة قد ينقذه من الإحراج…

لكن قد يسلبه فرصة مواجهة نفسه.

لم تكن الهزيمة في الكلمة.

كانت في رهبة المسرح.

في تلك الثواني التي يتعرّى فيها الطفل أمام جمهور، ويشعر أن العيون كلها تختبره.

وأنا، في مكان ما من ذاكرتي، عرفت هذا الشعور جيدًا.

عرفته طفلًا يقف متجمّدًا أمام الناس.

وعرفته لاحقًا حين تحوّل الخوف إلى منبر، وصار الصوت الذي كان يرتجف يومًا قادرًا على أن يؤثر في من يسمعه.

لهذا، لم أقل له إن ما حدث فشل.

قلت له إن بعض الكلمات تحتاج شجاعة أكثر من حفظها.

وإن أول خطوة على المسرح أصعب من كل الحروف التي بعدها.

ربما كانت كلمته الأولى هي الأصعب.

وربما ستكون، يومًا ما، السبب الذي يجعله يصعد مجددًا…

لا ليتهجّى حرفًا،

بل ليتقن صوته.