عندما دخلتُ قسم الفلسفة، شعرت بحزن عميق لأنني لم أحقق حلمي بالدخول إلى القسم الذي كنت أرغب فيه بسبب الظروف. تمنيت كثيرًا أن أترك هذا القسم أو أن أحول إلى قسم آخر، ولكن الظروف منعتني من ذلك. لم أحب هذا القسم أبداً، لكنني استمريت فيه وتخرجت منه.
مرت تسع سنوات على تخرجي، ولم أحصل على وظيفة بعد، لكنني وجدت أشياء كثيرة في هذا القسم. فتحت لي أبواب الفكر والتحرر العقلي. لم أبقَ أسيرة للعادات والتقاليد، ولم أرضَ بالتسليم الأعمى إلا بعد التفكير. فتحت لي الدراسة آفاقًا واسعة من الحرية الفكرية، من الكتابة والتعبير ، حتى لو كنت بحاجة ماسة إلى الوظيفة.
أعتقد أن مفهوم الدراسة في الوقت الحالي أصبح محصورًا فقط في الحصول على وظيفة وكسب المال. كثير من الطلاب يختارون التخصصات الطبية رغم أنهم لا يحبونها، فقط من أجل الأمان الوظيفي. لكنني أرى أن الدراسة أكبر من ذلك بكثير؛ هي أن تتعلم وتتحرر من القيود، أن تحرر عقلك وفكرك، أن تجد نفسك في تخصص يقودك إلى آفاق جديدة في الحياة فهي رحلة لاكتشاف الذات ووسيلة لتحرير العقل والتفكير النقدي،
لكن واقعًا، هناك توجه قوي في أغلب الأنظمة التعليمية والمجتمعات يربط الدراسة مباشرة بالوظيفة والأمان المادي، وهذا سبب ضيق رؤية كثير من الناس حول قيمة التعليم الحقيقية.
التعليقات
لو كنا مجتمع عقلانى ودرس كل شخص ما يحبه وسعى أن يكون مميزاً به ويفيد المجتمع ، بالتدريج سيتوافق ذلك مع سوق العمل .
ولكن للاسف حتى الاطباء بعضاً منهم يعملون فى الدولة ويحصلون على القليل ، ولا يقدرن على فتح مكان خاص بهم ، أو فشلوا عندما ارادوا ذلك .
عندما نحب شئ سنسعى جاهدين للوصول إلى نتيجة وتحقيق مقابل مادى منه ، وان لم يحدث ذلك فحينها هذا المجال غير مجدى لأن هناك قاعدة يابانية تقول ، انك لكى تقول انك نجحت يجب عليك :
- أن تعمل ما تحب
- وما تحبه يحتاجه المجتمع
- وما يحتاجه المجتمع سيدفع مقابله
للأسف المجتمع يفرض علينا غير الذي نحن عليه ولايتيح الفرصة للأختيار ،بل يعطي فرصاً محدودة جداً ،يهتم بجانب ويترك الجوانب الأخرى ،شكراً لك على هذه المشاركة الرائعة فكرة هذه القاعدة اليابانية نالت اعجابي فعلاً إن الأنسان عندما يحب عمله يبدع فيه ، وان كان هذا العمل في خدمه للمجتمع فهذا هو المطلوب وبالتالي الفائدة تحص للجميع للمجتمع وللشخص نفسه.
بالنسبة لنا كشعوب عالم ثالث نعم الدراسة وسيلة هامة للتوظيف . لكن يمكنني أن ادرس الطب أو الهندسة وأكون مثقفاً و ملماً مثل الدكتور مصطفى محمود أو أحمد خالد توفيق وزاكر نايك وراغب السرجاني وأمثالهم .
أوافقك الرأي ولا أحد يُنكر أن التخصصات العلمية كالهندسة والطب يمكن أن تكون بوابة للثقافة والتأثير، كما فعل هؤلاء العظماء الذين ذكرتهم، وكلهم نماذج مُلهمة فعلاً.
لكن الفرق أن العلم وحده لا يكفي ليصنع عقلًا حرًّا.
هناك من يدرسون الطب أو الهندسة، ويخرجون منهما بمهنة فقط، وهناك من يجعلون منهما منصة لفهم أوسع للوجود والإنسان.
الوعي لا يتحدد بنوع الدراسة، بل بكيفية استخدام الإنسان لما تعلمه، وبشغفه بالمعرفة الحقيقية التي لا تقف عند حدود الشهادة أو المهنة.
لكن المجتمع يفرض عليك ان تدرس أختصاص حتى وان لم تكن لديك رغبة في ذلك ،لابد ان يكون هناك توازن وتوفير الفرص للجميع فمن المفترض ان يبدع شخصاً في مجال الطب وآخر في الكتابة وآخر في التدريس مثلاً ،لكن المجتمع يهمش الجميع من خلال عدم توفير الفرص او من خلال تقليل الأجور فترى الجميع يذهب الى اختصاصات محدودة للحصول على الأمان المادي فقط.
ما تقولينه يُجسد بعمق المعنى المنسي للتعليم، وهو أن ينقلك من حالٍ ذهني إلى آخر، وأن يعيد تعريفك لنفسك قبل أن يعطيكي شهادة أو لقب.
الفلسفة، رغم بُعدها عن سوق العمل، من أكثر العلوم التي تترك أثرًا فينا كبشر، لأنها لا تُقدم أجوبة جاهزة، بل تعلمنا أن نسأل.
لكن المفارقة المؤلمة، أن المجتمعات لا تحتفي بهذا النوع من النجاح الداخلي، بل تقيس القيمة بالعائد المادي والمكانة الاجتماعية فقط.
أليس هذا اختزالاً للإنسان؟
نعم هو اختزال مؤلم للإنسان ولتجربته الوجودية.
أن تُختصر القيمة في ما نملكه لا في ما نصبح عليه، هو تجاهل لجوهر الإنسان ككائن يتطور، يتأمل، ويبحث عن معنى.
الفلسفة لم تعلّمني فقط كيف أفكر، بل كيف أنجو من الضياع في عالم سريع، سطحي، لا يتوقف كثيرًا عند الأسئلة، بل يُسكتها بالأرقام والألقاب.
صحيح أنها لم تضمن لي وظيفة، لكنها منحتني ذاتًا أفهمها، وأزمة أُحاورها، ونظرة أعمق لحياتي وللموت وللعالم من حولي.
وربما هذا هو النجاح الحقيقي، وإن لم يُصنَّف كذلك في أعين الآخرين
حينما قرأت حديثك عن الدراسة كوسيلة لتحرير العقل تذكرت لحظة مررت بها في سنتي الجامعية الأولى كنت قد التحقت بتخصص لم أختره عن قناعة بل نتيجة لمجموعي الدراسي شعرت في البداية أنني عالق في مسار لا يشبهني وكنت أفكر يوميا في التحويل أو الانسحاب لكن شيئا فشيئا بدأت أكتشف أن ما أدرسه لا يقاس فقط بفرص العمل بعد التخرج بل بمدى قدرته على فتح نوافذ جديدة في ذهني
تعلمت من هذا التخصص أن أنظر إلى الأمور من زوايا متعددة وأن أشكل رأيي بعيدا عن التلقين أدركت أن الوظيفة قد تتأخر لكنها لا تلغي القيمة العميقة لما اكتسبته من فهم وتحليل وتفكير نقدي
أوافقك تماما أن التعليم الحقيقي هو ذاك الذي يترك أثرا في طريقة تفكيرنا ونظرتنا للحياة لا مجرد شهادة تعلق على الحائط.
حديثك عبّر تمامًا عما شعرت به في مرحلة ما من دراستي، وكأن كل كلمة كتبتِها كانت تصف صراعًا داخليًا مررتُ به أيضًا.
كم هو جميل أن تتحوّل التجربة التي بدت في بدايتها “اضطرارًا” إلى باب لفهم أعمق للحياة ولنفسك.
أعجبتني عبارتك “فتح نوافذ جديدة في ذهني”، فعلًا هذا هو جوهر التعليم… أن نُعيد ترتيب عقولنا، لا فقط أن نحفظ معلومات.
أحيانًا لا نُدرك قيمة الطريق إلا بعدما نمشيه قليلًا.
شكرًا لمشاركتك، كانت ملهمة بحق.
شكرًا لك من القلب على كلماتك النبيلة والمشجعة
حديثك لامسني بصدق وأشعر بالامتنان لأن تجربتي البسيطة استطاعت أن تعكس جانبًا من تجربتك أيضًا
نعم أحيانًا تولد أعظم التحولات من لحظات الاضطرار وتمنحنا الحياة فرصًا خفية لفهم أعمق لذواتنا ومساراتنا
وسعدت كثيرًا أنك توقفت عند عبارة فتح نوافذ جديدة في ذهني فهي تمثل تمامًا ما شعرت به حين بدأت أرى التعليم كرحلة وعي لا مجرد تراكم معرفة
ممتنة لحضورك وكلماتك الملهمة فوجود أمثالك في هذا النوع من الحوارات هو ما يمنحها المعنى الحقيقي
ولي الأمتنان ايضاً لقرائتك وتأملك وردك بهذا الأسلوب الراقي الذي يعكس ما ورائه من قيمه جوهرية في نفس قارئها .
شكرًا من القلب على كلماتك الجميلة التي أسعدتني جدًا
قراءة مثل هذه الردود الراقية تجعلني أشعر بأننا نسير على الطريق الصحيح معًا
تبادلنا لهذه الأفكار بروح ودودة وصادقة هو ما يمنحني دافعًا أكبر للاستمرار
أنا ممتنة جدًا لوجود شخص مثلك يقدر جوهر الموضوع ويتحدث بلطف واحترام
دعينا نواصل هذه الرحلة معًا وننشر هذا النوع من الوعي والحوار البناء
كل الحب والتقدير لك
أحيانًا الطريق اللي ما اخترناه بإرادتنا هو اللي بيكشف لنا أعماق ما كنا لنعرفها لولا الظروف
صحيح إن الواقع المادي ضاغط لكن القيمة الأعمق للتعليم تظل في قدرته على تحرير الفكر وتوسيع الأفق مش بس تأمين الوظيفة
الوعي ده في حد ذاته مكسب كبير ولو اتأخر العائد العملي، فالأثر العقلي والروحي سبق بسنين
صحيح الغرض من التعليم هو فتح الآفاق العقلية أولًا، وهذا لا يغني عن أهمية الحصول على وظيفة، ففي حالتك مثلًا يمكنك العمل في مجال الكتابة أو الترجمة، وسيكون تعليمك ركيزة مهمة تبني عليها مهاراتك للترجمة، وقد يكون هو بمفرده سبب تحقيقك لدخل جيد جدًا من مجال الكتابة، والتواصل مع دور نشر للعمل معهم، أو حتر العمل كمستقلة.
مررتُ بتجربة مشابهة، دخلتُ قسمًا لم أكن أرغب فيه بسبب الظروف، وكنت أظن أنني أضعت حلمي ومستقبلي. لكنني لاحقًا اكتشفت أن الدراسة لم تكن مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل كانت رحلة لفهم نفسي والعالم من حولي.
صحيح أنني لم أحصل على وظيفة حتى الآن، لكنني حصلت على شيء أعظم: حرية الفكر، والقدرة على التفكير النقدي، والرغبة في التعلّم لأجل التعلّم، لا فقط لأجل الراتب.
للأسف، أصبحت الدراسة في نظر كثيرين مجرد بوابة للوظيفة، لا مجالاً لاكتشاف الذات. لكنني ما زلت أؤمن أن التعليم الحقيقي هو الذي يحرر العقل، ويصنع إنسانًا مختلفًا، لا مجرد موظف.
شكرًا لكل من يُعيد تسليط الضوء على القيمة الحقيقية للمعرفة بعيدًا عن ضجيج السوق والوظائف.
ربما لأننا في زمن أصبحت فيه المعرفة تُقاس بما تُنتجه ماديًا، لا بما تُحرره داخلنا.
رحلتك تذكّرني بأن بعض الطرق التي لم نخترها بملء إرادتنا، قد تقودنا رغم ذلك إلى أنفسنا.
نعم، الوظيفة مهمة، لكنها ليست الغاية الوحيدة. والفكر الحرّ لا يُقاس بوظيفة أو منصب، بل بمدى قدرتنا على رؤية العالم بنظرة أعمق وأصدق.
شكرًا لأنك كتبت تجربتك بهذا الصدق