12

عجائب التناقض.....عقل يقرأ الخطر و يد تختار الضرر

​عجائب التناقض.. عقل يقرأ الخطر ويد تختار الضرر

​بصراحة، هناك سؤال يحيرني جداً ولا أجد له إجابة منطقية، وكلما فكرت فيه أجد نفسي في دوامة من التناقض. نحن نرى اليوم منتجات كثيرة (مثل "الفيب" أو السجائر الإلكترونية) ومعها ورقة تحذير طويلة وعريضة. هذه الورقة تقول لنا بوضوح: "انتبه، هذا المنتج فيه سموم، النيكوتين يسبب الإدمان، وقد يصيبك بصداع، أو خفقان في القلب، أو حتى مشاكل في التنفس والمعدة".

​السؤال هو: إذا كانت هذه المنتجات بكل هذا الضرر، والشركات نفسها تعترف بذلك في نشراتها، لماذا يُسمح ببيعها وإنتاجها أصلاً؟ أليس من المفترض أن تكون هناك قوانين دولية صارمة تمنع هذه الأمور من الأساس؟

​العجيب في الأمر أن هذا التناقض لا نراه في المجتمعات البسيطة فقط، بل نراه في الدول المتقدمة وبكثرة. والمفارقة الكبرى أنك تجد طبقات واعية ومثقفة هي الأكثر طلباً واستهلاكاً لهذه المنتجات. وهذا هو "التناقض" بعينه، التناقض الذي يجعل الشخص يقرأ "صك هلاكه" بتركيز، ثم يستنشقه بكل هدوء!

​يبدو أننا نعيش في عالم يحكمه منطق "كل ممنوع مرغوب". تماماً كما هو الحال مع السكر والوجبات السريعة؛ الجميع يعرف أنها مسببات لأمراض مزمنة، ولكنها تظل الأكثر مبيعاً وطلباً.

​في النهاية، يبدو أن القوانين تكتفي بوضع "تحذير" لترفع عن نفسها المسؤولية، وتتركنا نحن في مواجهة إرادتنا وضغوط الحياة. الحقيقة المرة هي أن الوعي وحده لا يكفي، لأن "الأمر يحتاج إلى ما يحتاج إليه" من قوة إرادة حقيقية لكسر هذا القيد الكيميائي الذي نغلفه نحن بكلمات مثل "ثقافة" أو "موضة".

​إنه عالم غريب، حيث نشتري السم بمالنا، ونحن نقرأ بوضوح أنه سم!

ذ.الحسين ابدار

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اغلب من يتجه في الأصل إلى التدخين أياً كان نوعه،فهو لديه مشكلة كبيرة في التنفس، لأنه لو فقط تعلم كيف يتنفس بشكل صحي، سيقلع عن التدخين، فتجد أن بالإجماع كل من يدخن لديه مشكلة في السيطرة على النفس أثناء الغضب، وبالتدخين هي الوسيلة الوحيدة التي يمكنه أن ينفس عن غضبه من خلالها، لذلك من الصعب أن يقلع عنها، لأنه في أول موقف عصبي له يجد نفسه يتلهف بشدة بحثاً عنها.

لديه مشكلة كبيرة في التنفس، لأنه لو فقط تعلم كيف يتنفس بشكل صحي، سيقلع عن التدخين

التنفس الطبيعي (شهيق زفير)؟ أعتقد ربما قصدك التّنفيس.. يعني الإفراغ الصحي.

بالإجماع كل من يدخن لديه مشكلة في السيطرة على النفس أثناء الغضب، وبالتدخين هي الوسيلة الوحيدة التي يمكنه أن ينفس عن غضبه من خلالها، لذلك من الصعب أن يقلع عنها، لأنه في أول موقف عصبي له يجد نفسه يتلهف بشدة بحثاً عنها.

تذكرت حالة حقيقية رأيتها في المشفى لمريض كرون كان يعلم أن ما يتعاطاه ماهو إلا مخدّر مؤقت (traitement symptomatique non étiologique) ويفاقم المرض، ومع ذلك كان مستمرا في أخذه الى ان تدهورت حالته بينما كان بإمكانه تجنب كل هذا، التلاعب الكيميائي الذي يسببه الادمان للدماغ من الصعب مواجهته مواجهة فردية دون مساعدة خارجية..

نعم رفيق أقصد عملية الشهيق والزفير، والتي أغلبنا مع الأسف يفعلها بشكل خاطئ، علينا أن نتعلم تقنية التنفس ببطء وهدوء، وتعلم تقنية التنفس العميق حيث يتم استناق الهواء من الأنف بعملية الشهيق لمدة 4 ثوانٍ، ثم كتمه لمدة 7 ثوانٍ، ثم إطلاق الزفير من الفم ببطء لمدة 8 ثوانٍ.

اها..

حيث يتم استناق الهواء من الأنف بعملية الشهيق لمدة 4 ثوانٍ، ثم كتمه لمدة 7 ثوانٍ، ثم إطلاق الزفير من الفم ببطء لمدة 8 ثوانٍ.

نعم أعرف هذه المعلومة بخصوص التنفس لكن بصراحة لم أكن أعلم ان لها علاقة بالمدخنين..

اذ اجد الكثير (سواء مدخنين او غير مدخنين) تنفسهم الطبيعي غير منظم بهذه الطريقة..

شكرا على المعلومة

كم هو أمر غريب ربط مشكلة التنفس بالتدخين، يعني الاعتقاد السائد أن التدخين هو ماقد يسبب مشكلة في التنفس وليس العكس.

ما السبب الذي جعل التدخين يسهل عملية التنفس لهم؟ بالتأكيد هي عملية غير واعية لكن كيف؟

الموضوع لا يتعلق فقط بوعي الفرد بل بكيفية عمل الشركات والقوانين. هذه المنتجات الضارة موجودة لأنها مربحة جداً والناس تميل إلى ما يمنحهم متعة سريعة حتى وإن كان مضر على المدى الطويل. التحذيرات موجودة لتخفيف المسؤولية عن الشركات ولا تمنع الأشخاص من استخدامها. أري الحل ليس فقط بالكلام أو التوعية بل أيضاً بتقديم بدائل صحية جذابة وتثقيف الناس بطريقة تجعل الخيار الصحي ممتع وسهل وليس مجرد منع أو تخويف

لا اظن انه يوجد بديل على شكل منتج لتدخين فالتدخين هو نوع من انواع الادمان الكمئائي وهو يلعب بكمياء الدماغ ليعطي نشوة ذهنية معينة بينما البدائل هي البدائل الطبيعية مثل التنفس العميق او حتى تناول الحلوة وإن كان هذا ليس بديل بالمعنى الحقيقي في النهاية الحل هو في التخلص من الذة الغير طبيعية.

اما من ناحية العلاج فلا التخوف مفردا يجدي ولا الترغيب مفردا يجدي فالحل هو في إقامة حملات توعوية كاملة عن التدخين وعن مختلف انواع الادمان لتوعية الشباب بمخاطر هذا المواد وتحفيزهم على التعافي منهم مت توفير لهم ما يلزم من ادوات وهذا يتطلب عمل مؤسسي كامل وهذا ما نعاني نحن في الوطن العربي وهو غياب العمل الموسسي.

مرحباً بك استاذ الحسين إلى مجتمع حسوبi/o.

مقالة رائعة، تطالبنا بالعمل بما نعرف، وان نتحدى أنفسنا فيما نشتهي، وان نستغل قدرتنا على اتخاذ القرار المناسب لصالحنا وان ساعدنا على الضرر كل ما حولنا.

اهلا وسهلا بك كاتب متألق، نستفيد من جزالتك وطرحك.

ممتن لك أستاذ علي على هذا الاستقبال الدافئ. الجمال الحقيقي يكتمل حين نجد عقولاً تشاركنا الشغف وتتفاعل مع الكلمة بصدق. سعيد جداً بتواجدي بينكم.
الحقيقة المرة هي أن الوعي وحده لا يكفي، لأن "الأمر يحتاج إلى ما يحتاج إليه" من قوة إرادة حقيقية لكسر هذا القيد الكيميائي الذي نغلفه نحن بكلمات مثل "ثقافة" أو "موضة".

رصد دقيق لحالة تعطل الفص الجبهي (المسؤول عن المنطق) أمام طغيان الجهاز الحوفي (المسؤول عن المكافأة الفورية)..

بوضع "تحذير" لترفع عن نفسها المسؤولية

هو درع قانوني يحمي الشركات من الملاحقة القضائية مستقبلاً تحت بند "العلم المسبق للمستهلك". الحقيقة هي أن العالم لا يحكمه المنطق الأخلاقي، بل يحكمه "توازن المصالح"، حيث يُسمح بالسم ما دام المستهلك قد "وقّع" بيده على استلام فاتورة هلاكه.

طرحك عميق ويلامس جوهر التناقض فعلاً، لكن فقط للتوضيح:

الشركات لم تضع هذه التحذيرات من تلقاء نفسها ولا بدافع أخلاقي. هذه التحذيرات فُرضت عليها بقوانين من جهات صحية ورقابية دولية ومحلية بعد صراعات طويلة مع لوبيات التبغ.

الواقع أن هذه الجهات لا تملك – حتى الآن – سلطة منع صناعة السجائر والفيب نهائياً لأسباب اقتصادية وسياسية معقدة، لكن أقصى ما تستطيع فعله هو تقليل الضرر عبر:

  • فرض التحذيرات الصريحة
  • تحديد نسب المواد
  • منع الإعلان
  • رفع الضرائب
  • تقييد البيع للفئات العمرية

بمعنى آخر:

القانون لا يقول "هذا آمن"، بل يقول: "نحن نعلم أنه ضار، لكننا عاجزون عن منعه، فنبرئ ذمتنا بالتحذير وننقل عبء القرار للفرد".

وهنا يظهر التناقض الحقيقي لا في وعي الإنسان فقط، بل في بنية العالم نفسه:

اقتصاد يقوم على ما يدمّر صحة الإنسان، ثم يطالبه بالمسؤولية الفردية عن اختياره.

لذلك فالمسألة ليست مجرد "كل ممنوع مرغوب"، بل "كل مربح مسموح"، حتى لو كان سُمّاً يُباع بعلم الجميع.

همم لاننا في مفارقة الان من جهة هناك شركة تربح اموال ضخمة عبر بيع شيء مضر سهل البيع وربح مستقر ومن جهة دولة تبحث عن ضرائب مستقرة وعن طريقة وكلاتها لمكافحة التبغ تتحكم في ضمان ربحية القطاع ومن جهة انسان يدمن كل ماهو محرم ومضر لانه يعطيه نشوة سلبية بانه اقوى ولكن في النهاية يدمنها فيضر نفسه فقط... والمشكلة الحقيقية لانه لايوجد وعي قوي للبشر في عصرنا الحديث رغم انه وفرت لنا الصحة والمعلومات ولكن الحكمة والوعي يبدو يضعف سنة بعد سنة للعالم.

اعتقد ان المشكلة هي اننا نتعامل مع الحاضر ولا نفكر الى فيه، اما المستقبل فلا نفكر فيه تفكيرا حقيقيا جادا، لذلك ترانا ننجذب الى المتع والملذات اللحظية، نركض خلف المتعة اللحظية السريعة، ولا نعمل بجد واجتهاد للوصول الى المتعة المؤجلة المستقبلية، واعتقد ان الدين يعالج هذا الامر بوضوح، جميع الاديان تعدك بالمتع المستقبلية وترسخ في ذهنك وجوب العمل المستمر والتخلي عن الشهوات والبحث عن المتاع الاني للسعي خلف الانجاز المستقبلي والمتاع المستقبلي، الحل الوحيد للتخلص من هذا التناقض والخروج عنه هو الادراك باننا علينا تأجيل المتع العاجلة، والعمل المستمر نحو المستقبل، حتى ان الحياة اذا تأملناها سنراها لا تكافئ الى من فهم هذه المعضلة، وفهم هذا القانون وتعامل معه، اذا سعيت نحو العمل المستمر للبناء المستمر نحو المستقبل ستتطور وتحصل على كل ما تريد في المستقبل، واذا سعيت للحصول على ما تريد وكل ما يجعلك تشعر باللذة اللحظية، ستحصل على اللذات التي تسعى خلفها لكنك ستخسر في المستقبل كل شئ حتما، هذه هي فلسفه الحياة، ولكل مننا حق الاختيار، إما ان تختار الحاضر او ان تختار المستقبل

للأسف ان القوانين الدولية تدعي انها توازن بين الحريات الفردية وبين دور الدولة الإرشادي، ويعتقدون ان منع كل ما يسبب ضرراً للجسم قد ينتهي بحظر السكر والدهون وقيود لا تنتهي على خيارات الإنسان الشخصية.

لدرجة انهم يعتبروا هو احترام لحق المستهلك بمنحه المعلومة كاملة ليتحمل هو تبعات قراره، والوعي بالخطر مع الاستمرار فيه هو صراع إنساني ابدي بين اللذة والمنطق . ​و الاستهلاك حتي من الطبقات المثقفة لان الإدمان الكيميائي لا يفرق بين وعي ثقافي وآخر بسيط، فالعقل يدرك الخطر لكن الجهاز العصبي يبحث عن الراحة المؤقتة.

مشاركة مميزة أ/الحسين،

أتعلم ميزة الوضوح مقابل الغموض؟ مثلًا شركات السجائر فعلًا تضع الملصقات للابتعاد عن الدعاوي القضائية مع شركات الأدوية (وهما أصلًا يعملان سويًا) هنا تأتي ميزة الوضوح، المشتري لا يشعر أن الأضرار مخفية عنه، أو لا يعلم مصيره، بل العكس الدراسات موجودة والملصق أمامه، ولكنه يشتري لأن الدعاية والإعلان تبيع له الصورة الأخرى، الوجاهة الاجتماعية، وسيلة التفريغ، رجال متقدمين في السن وصحتهم بخير مع التدخين، وأخيرًا عادة يرونها يوميًا بين الأقارب والمعارف وزملاء العمل، والسائد غالبًا يثير الفضول لتجربته.

أن الإرادة وحدها لا تكفي إلى حدوث أي تغيير ، لأنها قد تصطدم بحدود القدرة العملية التي تتيح لها التحقق في الواقع . 

إن الفعل الإنساني يتحدد عند نقطة التقاء ثلاث قوى : المعرفة التي تكشف الإمكان .. والإرادة التي تحفز على الفعل .. والقدرة التي تجعل الإمكان فعلاً . 

كما إن الوعي لا يُقاس بكمية المعرفة المخزونة ، بل بمدى تحوّل تلك المعرفة ، عبر الإرادة والقدرة ، إلى طاقة خلاقة تُعيد تشكيل الذات .