التعليم و صناعة التخلف العقلي

المناهج التي يدرسها الطالب في مصر سنة 2026 في العلوم والرياضيات للمرحلة الاعدادية والثانوية لم يتغير جوهرها منذ التسعينات. درس "الخلية النباتية" للصف السادس الابتدائي يدرس بالرسم والشرح نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاما. في المقابل، سنغافورة تراجع منهج الرياضيات كل ست سنوات، وآخر مراجعة سنة 2020 أدخلت الذكاء الاصطناعي من الصف الرابع الابتدائي. النتيجة أن سنغافورة احتلت المركز الأول عالميا في اختبار TIMSS 2023 للرياضيات والعلوم. الطالب المصري يدرس في 2026 معرفة أنتجت في الثمانينات، والطالب السنغافوري يدرس معرفة أنتجت 2022.

في أغسطس 2024 قررت وزارة التربية والتعليم حذف الجيولوجيا وعلم النفس والفلسفة نهائيا من الصف الثالث الثانوي، وجعلت اللغة الأجنبية الثانية خارج المجموع، ودمجت الفيزياء والكيمياء في مادة واحدة اسمها "العلوم المتكاملة". السبب المعلن هو تخفيف العبء عن الطالب. لكن التخفيف لا يعني التطوير. التطوير هو أن تحذف الحفظ وتزيد الفهم. فنلندا أدخلت البرمجة مادة إجبارية من الصف الأول الابتدائي سنة 2016. إستونيا ستدخل الذكاء الاصطناعي لكل المدارس سنة 2025. هم يضيفون مهارات القرن الحادي والعشرين، ونحن نحذف مواد القرن العشرين. المريض الذي تخفف عنه الدواء لا يشفى.

أكثر من خمسة وعشرين مليون طالب في مصر يدرسون كتابا مدرسيا واحدا لكل مادة. لا توجد نسخ متعددة ولا مناهج اختيارية معتمدة. إذا كان الكتاب الواحد ضعيفا، فإن جيلا كاملا يصبح ضعيفا. في الولايات المتحدة لا يوجد منهج قومي موحد. كل ولاية تضع معايير فقط، ثم تختار كل منطقة تعليمية من بين عشر دور نشر كبرى مثل Pearson وMcGraw-Hill. المدرسة نفسها تختار الكتاب الأنسب لطلابها. في ألمانيا كل ولاية لها منهجها الخاص. في اليابان الوزارة تضع إطارا عاما، وسبع دور نشر تؤلف كتبا مختلفة، والمدارس تختار. التنافس بين المؤلفين يرفع الجودة ويجبرهم على التحديث. نحن ألغينا هذا التنافس. نحن نستنسخ عقلية واحدة خمسة وعشرين مليون مرة، ثم نتساءل لماذا لا يظهر إبداع.

امتحان الثانوية العامة 2025 لا يزال يقيس قدرة الطالب على تذكر تعريف "التمثيل الضوئي". لا يقيس قدرته على تصميم تجربة لإثباته. نظام البكالوريا الدولية يخصص أربعين بالمئة من درجة العلوم لبحث علمي يجريه الطالب بنفسه. فنلندا ألغت المواد المنفصلة وطبقت "التعلم القائم على الظواهر"، فمشروع "تصميم مدينة مستدامة" يدرس فيه الطالب الفيزياء والكيمياء والجغرافيا معا. سوق العمل سنة 2026 لا يريد من يحفظ، بل من يحل المشكلات. نحن نخرج طالبا حافظا لا فاهما.

الكتاب المدرسي المصري سنة 2024 لا يزال ورقيا في معظمه. المنصات الرقمية اختيارية، والمحتوى الرقمي مجرد تصوير للكتاب الورقي. إستونيا لديها منهج رقمي وطني كامل منذ 2014، وكل طالب له هوية رقمية تعليمية من الصف الأول. كوريا الجنوبية استبدلت الكتب الورقية بأجهزة لوحية في آلاف المدارس منذ 2015. نحن نعد الطالب لعالم الورق، بينما العالم انتقل إلى عالم البيانات.

أستاذ الفيزياء في الجامعة ينشر بحثا عن "النقاط الكمومية" سنة 2024. طالب الثانوية لا يزال يدرس "نموذج بور للذرة" الذي وضع سنة 1913. لا توجد قناة رسمية لتحديث مناهج المدرسة بنتائج البحث الجامعي. في الولايات المتحدة مؤسسة NSF تمول مشروعات لربط البحث بالفصول الدراسية. في ألمانيا معاهد ماكس بلانك تصدر نسخا مبسطة من أبحاثها لطلاب الثانوي سنويا. عندنا الجامعة في واد والمدرسة في واد آخر.

المشروع القومي للترجمة طبع ثلاثة آلاف عنوان منذ 1995. متوسط النسخ المطبوعة ألف نسخة، ومكان البيع منفذ واحد في القاهرة. تسعون بالمئة من المصريين لم يسمعوا بهذه الكتب. كتاب "الإنسان الإله" ليوفال هراري ترجم إلى خمسين لغة وبيع منه ثمانية ملايين نسخة لأن ناشرا خاصا تولاه، مع تسويق وتوزيع عالمي. الثقافة التي لا تصل إلى الناس ثقافة ميتة مهما كانت قيمة محتواها.

الجامعات المصرية تضم تراكميا أكثر من مليون وأربعمئة ألف رسالة ماجستير ودكتوراه منذ الخمسينات حتى اليوم. هذا يدل علي ان كل من هب ودب أصبح حاصلا علي الماجيستير . المشكلة ليست في العدد، بل في النظام. النظام يجبر كل معيد على إعداد رسالة للترقية. فظهر تضخم كمي. عشرة بالمئة من الرسائل ممتازة ومنشورة دوليا، وستون بالمئة أبحاث ترقية بعناوين مكررة وآمنة، وثلاثون بالمئة ضعيفة. الكارثة أن سبعة وتسعين بالمئة من تمويل البحث حكومي. البحث ينتج لينشر في مجلة ويوضع على الرف، لا ليتحول إلى منتج أو شركة. فيتنام تنفق نصف ما تنفقه مصر على البحث، لكنها تنتج ضعف براءات الاختراع لأن تسعين بالمئة من تمويلها يأتي من الشركات. نحن ننتج معرفة وندفنها.

ماذا خسرنا بسبب هذا الجمود؟ خسرنا اقتصاديا لأن خريج 2026 غير مؤهل لوظائف البرمجة وتحليل البيانات والطاقة المتجددة، فنستورد خبراء من الخارج. وخسرنا علميا. مصر نشرت أربعة وأربعين ألف بحث سنة 2022، أي واحد وثلاثة عشر من مئة بالمئة من إنتاج العالم، فأصبح ترتيبها الرابع والعشرين في عدد الأبحاث. هذا ترتيب كمي فقط. لو قسنا الإنتاج بالنسبة لعدد السكان تصبح مصر في المركز التسعين. كوريا الجنوبية عدد سكانها واحد وخمسون مليونا وتنتج ثلاثة ونصف بالمئة من أبحاث العالم. نحن مئة وعشرة ملايين وننتج واحدا بالمئة. أي أن المواطن الكوري ينتج بحثا علميا ست مرات ضعف المواطن المصري. أما في الكيف فالمصيبة أكبر. في مؤشر الابتكار العالمي مصر في المركز السادس والثمانين. نحن ننشر ورقا كثيرا لكنه لا يتحول إلى منتج أو قيمة اقتصادية. لو قارنا بالتأثير والاستشهادات فلا توجد مقارنة أصلا. وخسرنا تربويا لأن الطالب تعلم أن العلم ثابت، ففقد شغف السؤال. صارت علاقته بالمنهج علاقة حفظ وإلقاء لا شك واستكشاف. وخسرنا اجتماعيا لأن الفجوة اتسعت بين خريج المدارس الحكومية الذي درس منهج التسعينات، وخريج المدارس الدولية الذي درس مناهج 2023.

ما الحل؟ أربعة إجراءات تحتاج إلى قانون.

الأول: دورة التحديث الإلزامية. يصدر قانون يلزم بمراجعة شاملة لمناهج العلوم والرياضيات كل سنة أو سنتين، ومناهج اللغة والتاريخ كل خمس سنوات. تشكل لجنة دائمة من أساتذة جامعات ومعلمين وخبراء سوق عمل، ويكون عملها مستمرا وليس موسميا. ست سنوات مدة طويلة جدا، العلم يتضاعف كل سنتين.

الثاني: تحرير الكتاب المدرسي. تضع الوزارة معايير المحتوى والمهارات فقط. وتترك لدور النشر الخاصة والمؤسسات الأهلية تأليف خمسة كتب مختلفة تحقق هذه المعايير. المدرسة تختار الكتاب الأنسب لطلابها. لجنة اعتماد محايدة تراجع الكتب قبل طرحها. هذا يخلق سوقا تنافسيا يحسن الجودة وينهي احتكار المطابع الأميرية.

الثالث: النشر الرقمي المفتوح. كل كتاب تموله الدولة يوضع بصيغة إلكترونية مجانا على موقع الوزارة. ويسمح بالطباعة عند الطلب في أي مطبعة أهلية بسعر التكلفة. طالب أسوان يحصل على الكتاب في نفس دقيقة صدوره في القاهرة.

الرابع: جسر الجامعة إلى المدرسة. إلزام كل كلية علوم وتربية بإنتاج وحدة دراسية مبسطة سنويا من أحدث أبحاثها، وتهديها لوزارة التعليم لتضمينها كنافذة "العلم الحديث" في مناهج الثانوي. كما يحدث في برنامج CERN للمدرسة في أوروبا.

التطوير ليس شعارا يكتب على غلاف كتاب جديد. التطوير قرار سياسي وإداري بأن عقل الطالب أهم من تكلفة طباعة الكتاب. الأمم التي سبقتنا لم تكن تملك موارد أكثر، لكنها كانت تملك شجاعة مراجعة ما تدرسه لأبنائها كل سنة أو سنتين.

الحضارة تبدأ عندما يقرر المجتمع أن كتاب الفيزياء المقرر على الابن يجب أن يكون أحدث من كتاب الفيزياء الذي درسه الأب.

---

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طرح مهم، وأعتقد أن المشكلة ليست فقط في المناهج بل في طريقة تقديم المعرفة. تحديث المحتوى ضروري، لكن الأهم هو الانتقال من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الفهم والتجربة وحل المشكلات. الطالب اليوم لديه وصول لمصادر علمية هائلة، ودور التعليم يجب أن يكون توجيهه لكيفية التفكير وليس فقط ماذا يحفظ. أي إصلاح حقيقي يحتاج تطوير المناهج، تدريب المعلمين، وتوفير بيئة تشجع البحث والإبداع