لماذا ننسى ونتذكر أننا نسينا؟ سؤال يبدو غريبًا، لكنه يمسّ كل واحد منا، النسيان ليس عيبًا في الذاكرة كما نظن أحيانًا، بل هو وظيفة أساسية لحماية عقولنا من الفوضى. تخيّل لو أن عقلك احتفظ بكل التفاصيل الصغيرة، كل الأحاديث العارضة والوجوه العشوائية، هل كنت ستستطيع التفكير بوضوح أو اتخاذ قرار؟

لكن المدهش أن عقولنا لا تترك الأمر هكذا فقط. أحيانًا ندرك أننا نسينا شيئًا ما، نعرف أن هناك معلومة ناقصة، اسم على طرف اللسان، فكرة مرت ولم تعد. هذا الشعور ليس صدفة، بل هو ما يسميه العلماء الميتا-ذاكرة، أي أن لدينا وعيًا ثانيًا يراقب ذاكرتنا ويخبرنا أن شيئًا ما غاب، كأن الدماغ يقول لنا: “الباب موجود، لكن المفتاح ضاع.”

النسيان إذن ليس فراغًا، بل مساحة فارغة تمنحنا القدرة على التوازن. نحن ننسى لنتحرر من ثقل الماضي، لنترك ما يؤلمنا ونمضي، ونتذكر أننا نسينا لأن وعينا أوسع من حدود ذاكرتنا، يحتفظ بظل الأشياء حتى إن غابت تفاصيلها.

في النهاية، النسيان ليس ضعفًا، بل نعمة، فهو الذي يتيح لنا أن نركز على ما يستحق البقاء، وأن نعيش الحاضر دون أن نُثقل بأعباء الأمس، وما دمنا نتذكر أننا نسينا، فهذا يعني أن هناك دومًا خيطًا خفيًا يربطنا بما مضى، ويجعلنا نبحث باستمرار عن أنفسنا وسط كل هذا التيه.