لماذا ننسى ونتذكر أننا نسينا؟

لماذا ننسى ونتذكر أننا نسينا؟ سؤال يبدو غريبًا، لكنه يمسّ كل واحد منا، النسيان ليس عيبًا في الذاكرة كما نظن أحيانًا، بل هو وظيفة أساسية لحماية عقولنا من الفوضى. تخيّل لو أن عقلك احتفظ بكل التفاصيل الصغيرة، كل الأحاديث العارضة والوجوه العشوائية، هل كنت ستستطيع التفكير بوضوح أو اتخاذ قرار؟

لكن المدهش أن عقولنا لا تترك الأمر هكذا فقط. أحيانًا ندرك أننا نسينا شيئًا ما، نعرف أن هناك معلومة ناقصة، اسم على طرف اللسان، فكرة مرت ولم تعد. هذا الشعور ليس صدفة، بل هو ما يسميه العلماء الميتا-ذاكرة، أي أن لدينا وعيًا ثانيًا يراقب ذاكرتنا ويخبرنا أن شيئًا ما غاب، كأن الدماغ يقول لنا: “الباب موجود، لكن المفتاح ضاع.”

النسيان إذن ليس فراغًا، بل مساحة فارغة تمنحنا القدرة على التوازن. نحن ننسى لنتحرر من ثقل الماضي، لنترك ما يؤلمنا ونمضي، ونتذكر أننا نسينا لأن وعينا أوسع من حدود ذاكرتنا، يحتفظ بظل الأشياء حتى إن غابت تفاصيلها.

في النهاية، النسيان ليس ضعفًا، بل نعمة، فهو الذي يتيح لنا أن نركز على ما يستحق البقاء، وأن نعيش الحاضر دون أن نُثقل بأعباء الأمس، وما دمنا نتذكر أننا نسينا، فهذا يعني أن هناك دومًا خيطًا خفيًا يربطنا بما مضى، ويجعلنا نبحث باستمرار عن أنفسنا وسط كل هذا التيه.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

النسيان له دور مهم في تنظيم حياتنا وحماية عقولنا من الفوضى لكن يمكن النظر إليه أيضًا كآلية تساعدنا على التكيف مع الضغوط والمواقف الجديدة فحين ننسى نحن لا نفقد فقط معلومات بل نترك مساحة لتجارب وأفكار جديدة وهذا يجعل وعينا أكثر مرونة وقدرة على التركيز على الحاضر بدل أن نثقل أنفسنا بالماضي

فحين ننسى نحن لا نفقد فقط معلومات بل نترك مساحة لتجارب وأفكار جديدة

أظن أن هذا يتماشى مع مفهوم (النوروبلاستيسيتي) حيث أن الذاكرة كشبكة ديناميكية تعيد تشكيل نفسها. فالنسيان بهذا المعنى يصبح شرطا ضروريا للتعلم المستمر.. وهو ما يضيف بعدا عمليا مهما للطرح الأصلي..

أنت قدّمت النسيان كنعمة مطلقة تقريبًا، وهذا منظور جيد فعلا، لكن هناك جانب آخر لا تغفله، وهو أن النسيان خيانة مؤلمة من عقولنا، حين يسرق منّا ذكرياتنا مع من نحبهم، أو تفاصيل كنت أودّ أن تبقى في ذاكرتي للأبد. أشياء كوّنت شخصيتي وهويتي ومبائي لفترة كبيرة.

وهذا غير خيانة ذاكرتنا لنا في حياتنا اليومية كالمفتاح الذي نسيناه ويعطلنا ربع ساعة قبل الدوام، أو المعلومة التي أنساها في الامتحان رغم مذاكرتي لها.

ربما الصواب أن نرى النسيان كوجهين لعملة واحدة: نعمة حين يخفف الحمل، ونقمة حين ننسى أشياء مهمة فعلا لم نكن نرغب أو نتمنى نسيانها تماما.

أتفق مع رأيك، النسيان لا يمكن أن ننظر له كشيء إيجابي فقط، فهو في النهاية خلل يؤثر علينا، كما أن مثلًا كشخص كمريض الزهايمر لن يكون له نفس وجهة النظر الإيجابية هذه عن النسيان.

مرحبا أستاذ محمد.. يبدو أننا نتفق على أن النسيان ليس مجرد عيب في الذاكرة بل وظيفة أساسية.. وأن إدراكنا لوجود فجوة معرفية هو ما يدفعنا للبحث والتعلم.

أضيف أنه حين نقول إن «النسيان نعمة» (لنكن أدق) هناك فرق بين النسيان السلبي الناتج عن إهمال المعلومة.. والنسيان النشط الذي يقوم به الدماغ لحمايتنا. طرحك يركز على هذا النوع الثاني وهو بالفعل ضروري للتوازن النفسي.