مع أننا تربينا على فكرة بسيطة وواضحة أن الفضل لا يُنسى، وأن العلاقات مهما انتهت يبقى فيها شيء من الاحترام، إلا أننا نرى حولنا نماذج كثيرة تفعل عكس ذلك تمامًا.
أشخاص كانوا مقربين يومًا، ثم ما إن تنتهي العلاقة صداقة، خطوبة، زواج، شراكة عمل حتى يبدأ سيل من الإساءة والتجريح، ولا كأنهم كانوا يعرفون بعضهم يوما ما.
كان لي صديقتان يحسنّ معاملة بعضهن جدا، وفجأة حدث خلاف بسيط وهنا حدث تحول في طريقة تعاملهن، أحداهن كانت تذكر الأخرى بسوء من خلفها وتقلل من قيمتها، وتتجاهل كل المواقف الجميلة التي جمعت بينهن.
كانت تقول لها يومًا أنت أختي، ثم أصبحت اليوم تتصرف وكأن كل تلك السنوات لم يكن لها أي معنى.
البعض يبرر تصرفه بأنه (لازم آخذ حقي)، والبعض الآخر يرى أن الطرف الثاني لا يستحق أي معاملة طيبة بعد الآن وكأن انتهاء العلاقة يمنحهم حق إلغاء كل تاريخها.
التعليقات
هذا النوع من القصص صار يتكرر كثيرًا، وكأن انتهاء العلاقة يفتح الباب لإعادة كتابة التاريخ من جديد. الحقيقة أن الخلاف لا يكشف معدن الإنسان فقط، بل يكشف حجم النضج الذي نحمله في داخلنا.
ليس غريبًا أن تختلف القلوب، فهذا طبيعي، لكن الغريب أن يتحول الودّ إلى تجريح، وأن تنقلب الذكريات الجميلة إلى سلاح يلوّح به البعض كلما ضاقت بهم مشاعرهم. المشكلة ليست في الخلاف بحد ذاته، بل في الطريقة التي نختار أن نغادر بها حياة الآخر.
الإنسان الراقي لا يمحو المعروف، ولا ينسى السنين التي جمعت بينه وبين الآخرين لمجرد لحظة غضب. يمكن أن نبتعد دون أن نهدم، ويمكن أن نحفظ الكرامة دون أن نجرح، ويمكن أن نغادر دون أن نترك خلفنا أثرًا سيئًا.
انتهاء العلاقة ليس مبررًا لفقدان الأخلاق. على العكس، اللحظة التي نقرر فيها الانسحاب تُظهر حقيقتنا أكثر من أي وقت آخر.
أنا أقول إن الفضل يبقى أو يذهب على حسب النهاية، لماذا وكيف انتهت العلاقة؟
أحيانًا يكون أخذ الحق بهذه القسوة هو رد فعل مبرر إذا كانت النهاية مرتبطة بخيانة أو غدر عظيم.
أنتِ تقولين إن الخلاف كان بسيطًا، لكن قد يكون هذا الخلاف البسيط قشة قصمت ظهر البعير وكشفت عن خيانة أو نقص في الوفاء كان مخفيًا لسنوات.
وأحيانا نجد أن الطرف المسيء في بعض الخلافات هو من يتمرد ويزيد إساءته حتى بعد الانفصال أو انقطاع العلاقة...
لكن صراحاء يا رغدة، الإنسان ميال بطبعه إلى انكار الفضل في نهاية العلاقة إلا في حالات قليلة، والسبب عصبي بيولوجي بالدرجة الأولى، وهو أن لحظة الانفصال تعيد ترتيب الذاكرة بطريقة انتقائية، أغلب الأحيان أن ما نتذكره مش ما حدث فعلا، بل ما يخدم روايتنا الجديدة عن أنفسنا بعد انتهاء العلاقة لذلك كثير من الناس يرفضون الاعتراف بما قدم لهم، حتى لو كان عميقاً وصادق ليس لأنهم سيئون بالضرورة، بل لأن الاعتراف بالفضل يعني الاعتراف بالخسارة والاعتراف بأن الطرف الآخر ترك أثراً لا يمكن إنكاره وهذا شيء يجرح الأنا أو في حال كان الشخص لا يكن يعنينا كثيراً وآذيناه او تركناه لا نشعر بالخزي وتأنيب الضمير عند تتجاوزه،لهذا السبب ترى ناساً يحرقون تاريخا كاملا فقط ليحموا صورتهم الداخلية أو يحموا نفسهم من تأنيب الضمير والخزي .
لو أن الفرد كان يمتلك ثقة ذاتية عالية وأمانًا عاطفيًا قبل وأثناء العلاقة، لما كان سيحتاج إلى نكران الفضل ليحمي الأنا.
الاعتراف بفضل الآخر دليل على القوة الداخلية للواحد منا (لأنه يدل على أنني لا أخاف من الاعتراف بأن شخصاً آخر أثر في حياتي وأنني ما كنت لأفعل شيء معين لولا وجوده).
فالهروب البيولوجي -كما أسميتِه- يحدث أساسًا بسبب هشاشة الأنا، والشخص المستقر نفسيًا يعترف بالفضل دون تردد، ولا يصنف العلاقات إلى مكسب وخسارة، بل يصفها كما هي، أكسبتني شيئًا وأفقدتني شيئًا آخر...
أعتقد أن شخصًا واحدًا غالبًا يكون سبب الخلاف الأول، لكن التفاعل المبالغ فيه أو استمرار التجريح يعود في النهاية لطبيعة التربية والخلفية النفسية لكل فرد، وكيفية تعامله مع الغضب والخذلان والخلافات. فالأصل النفسي والتربوي يحدد ما إذا كان الشخص يحافظ على الاحترام رغم الانفصال أو يسمح لمشاعره السلبية بالسيطرة على سلوكه.
المرء غالبًا يتمحور تفكيره حول نفسه عند نشوب خلاف، فيفكر" أنا فعلت كذا وكذا" ولا يفكر من زاوية خصيمه ويفكر أن صديقه قد أحسن اليه أيضًا، لذلك الطرفان ينسيان بعضهما بينما يفكران في ذواتهما ويدافعان عنها، غير قادرين على تصريف الواقع في محله الصحيح، ربما احدهما يدرك فضل الآخر، ولكن يصعب عليه أن يعرف بذلك، ويفضل أن يسيطر عليه كبرياءه؛ كي لا يبدو ضعيفًا امام صديقه الذي تصور في ذهنه الآن كعدو.