بين سموّ الحوار وحقيقة الجدال

الحوار هو سعيٌ صادق لمعرفة الحق،والوصول اليه، واحترام الحقيقة، يقوم على تنزيه نفس المتحاور عن الأحقاد، وفيه تصون نفسك من لحظات الغضب والعصبية، وعن نزعة التعالي أو حبّ الظهور.

غالباً يبدأ بموضوع محدد ويدور النقاش حوله دون انحراف، وتُستخدم فيه البراهين الساطعة والحجج الراسخة المستندة إلى الوحي الإلهي أو الحقائق العلمية.

الحوار طريق مستقيم يحفظ الحقائق، ويُنمّي المودّة، ويُشيّد المجتمعات. فيه يُنقذ صاحب الحقّ أخاه من الخطأ، وتُصان النفس والعقل، ويُستثار العمل والبناء.

أما الجدال، فمع أنه يشبه الحوار في صورته الظاهرة، إلا أنه يختلف في جوهره؛ إذ يعلو فيه الصوت، وتستولي عليه المغالطة. يبدأ بموضوع وينتهي وقد انفتح على قضايا شتّى، يثير الغبار ويزرع بذور الضغائن. يلازمه العناد والتحدي والكبر والرغبة في إهانة الآخر. أفكاره مبتورة، وحججه ناقصة، لا يكتمل فيه دليل ولا يستقيم فيه تعريف،ولا توضح فيه حقيقه،يملئه الاستهتار والاستحقار،والفخر والاستكبار. يبدأ وديًّا، وينتهي عداوةً وخصومة. لا يزيد علمًا، ولا يحفظ خُلقًا، ولا يصون مودة. بل يفسد يومك، ويكدّر صفوك، ويُذهب عنك الجدّ في العمل، والبصيرة في الحكم. وصاحبه غالبًا أشقى الناس بنفسه، وأشدّهم إيلامًا لغيره.

أيُّ أسلوبٍ يغلب على نقاشاتنا؟ أهو رقيُّ الحوار الباحث عن الحق، أم سطوةُ الجدال الذي يجرّنا إلى المغالطة والخصومة؟
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أُحييك على هذا الطرح أ. الحسن.

بالفعل هناك فارق كبير بين الحوار والجدال وإن كانا يتشابها في الظاهر، لكن الباطن وكيفية سير كلًا منهما والناتج يختلف كليًا كما تفضلت ووضحت.

أعتقد أن أغلب النقاشات في المنصة هنا يغلب عليها الحوار لأن المنصة لها قوانين واضحة ومعظم الأشخاص هنا أناس متفتحي العقل يبحثون عن الحوار الراقي والاستفادة، لكن لا يمكننا أن نقول نفس الكلام على وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى فلا قوانين تنظم النقاش فيها وغالبًا ما يكون الحوار عبارة عن جدال أو سخرية واستهزاء من الطرف الآخر أو حتى سبه والخطأ فيه!

أعتقد أن أغلب النقاشات في مجتمعنا مع الأسف يغلب عليها طابع الجدل لا الحوار فكلٌّ يسعى لإثبات نفسه وعلوّ صوته بغضّ النظر عن كون كلامه صحيحًا أم لا وإن جئتَ تناقش أحدًا بفكرتك فالأغلب لن يتقبّل رأيك خصوصًا إن رفعت صوتك دفاعًا عن الحق إذ سرعان ما يُقابل ذلك بالرفض وعدم التقبل هذه هي الصورة الغالبة للأسف

ومع ذلك لا يخلو مجتمعنا من أناس يبحثون بصدق عن الحقيقة ويتحاورون بروحٍ صافية لمعرفة صحة الأمور ويتقبّلون الآراء والنقد بصدر رحب بل ويُسهمون في بناء أنفسهم إذا تبيّن أنهم لم يكونوا على حق

وأجمل مثال أراه هو مجتمع حسوب فقد لاحظت أنّ النقاشات هنا يغلب عليها الرقيّ وأنّ أغلب الأعضاء أصحاب فكر واعٍ يبحثون عن المعرفة والحقيقة بعيدًا عن الانفعال والجدال العقيم

في النهاية يبقى الحوار جسرًا نحو الفهم والتقارب بينما يظلّ الجدال طريقًا إلى التباعد والخصومة

طرح عميق وملامس للواقع 👏 للأسف نرى في حياتنا اليومية – سواء في النقاشات العائلية أو حتى على منصات التواصل – أنّ الجدال يغلب على الحوار، فيضيع الحقّ وسط الأصوات العالية والتمسّك بالرأي. بينما لو أدركنا قيمة الحوار الحقيقي كجسر للوصول إلى الحقيقة وبناء المودّة، لكان أثره فينا وفي مجتمعاتنا أعظم. الفرق بين الاثنين ليس في الكلمات المتبادلة، بل في نوايا القلوب وطريقة الإصغاء.

شكراً ،لمرورك الكريم، وملاحظتك التي تدل اهتمامك بالموضوع، أتمنى أن تكوني شعلة نور في صناعة الوعي.

الفرق بين الحوار والجدال واضح جدا؛ لكن لعلي أسرد عليكم موقف كان فيه أصعب نوع رأيته من أنواع الجدال: أحد العملاء الذين دخلت معهم اجتماع اليوم كان يجادل معي في أنه يريد عمل بحث سوق ثانوي ويدفع لي تكلفة عليه وأنا أقول له أن هذا البحث لا داعي له ولا أريد أن أهدر ميزانيته في الأرض وهو غير مقتنع ومُصِرّ على أن أنفذ المشروع حتى أني قلت له يعني أنت مسؤول عن النتيجة أمام الله فقال لي نعم.

أعتقد أننا يجب أن نفرق بين الحوار و الجدال و المراء. الحوار هو أي محادثة تنشأ بيننا ولا يكون فيها نية لدى طرفيها في أن يكسب قضية أما أو يستميل الطرف الآخر إلى جانبه. أما الجدال فهو فيه هذا وهو أننا ندخل الحوار وفي نيتنا أن نكسبه وكل منا يعتقد أن معه الحق ويجدال عنه بقوة ليس لأجل الباطل ولكن لأن طرفي الجدال لم يقتنعا بعد بوجهتي نظريهما. هنا يكون الطرفان متحمسان لمنطقهما حتى يقتنع أحدهما برأي الآخر أو يتحفظ كل منهما برأيه ولكن عن يقين بصحة رأيه لأن الطرف الآخر لم يجد حجة أقوى لإقناعه بعد. أما المراء فهو الجدال بالباطل وهو أن طرف الجدال يريد أن يكسب الجدال بأي طريقة ويستعمل المغاطات وهو هنا لا يهمه الحق أو معرفة الحقيقة وإنما يهمه صورته أمام الناس وأمام خصمه بانه هو من كسب الجدال.

أعتقد أن ما يغلب على نقاشاتنا في الواقع هو الجدال أكثر من الحوار لأن أغلب الناس يدخلون النقاش بروح الدفاع والهجوم وليس بروح البحث عن الحقيقة وكأن الهدف هو الانتصار لا الفهم أحيانًا تشعر أن النقاش يتحول إلى معركة شخصية وليس تبادل أفكار أرى أن المشكلة ليست فقط في أسلوب النقاش بل في نية البداية لو دخل كل شخص بروح الفضول والرغبة في التعلم لكان النقاش أقرب للحوار لكن طالما دخلنا ونحن نحمل أفكارًا مسبقة ونريد إثباتها فقط فسنظل ندور في دائرة الجدال

أن مثل هذا التحدي يتطلب الصمت والحكمة ، أكثر من الكلام والنقاش.

لماذا برئيك يتمسك الناس بأرائهم؟

للأسف الشديد، أغلبنا مر بتلك الفترة التي أحببنا فيها الجدالات العقيمة وهوينا متعة إقحام الطرف الآخر وإذلاله والانتصار لأنفسنا ولو كنا على الباطل المبين!

ومنا من لم يخرج بعد من تلك الدوامة، فأحيانا أدخل إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وأجد الناس هناك كيف يتناحرون ويتجادلون بعنف وكراهية فأشعر بذلك الاشمئزاز العميق وأسرع بالخروج قبل أن ينكد علي يومي.

لا أدري بصراحة، لكن الجدال والخصومات صوتها عالي فتبدو كأنها الغالبة، أما النقاش الهادئ والحوار الباحث عن الحق فلا ضجيج له، فلربما ظهر بمظهر الضعيف القليل المفقود بينما هو ليس كذلك.

وكما يقول المثل الفرنسي: البراميل الفارغة تصدر ضجيجا كبيرا. «Les tonneaux vides font le plus de bruit»

بعد تجربتك المريرة، ما هي الفوائد المكتسبة، والنصائح المعتبرة؟

الفوائد المكتسبة:

  • الجدال نتيجته سلبية غالبا.
  • الجدال يؤدي بنا أحيانا كثيرة إلى صنع مغالطات لندافع عن رأينا، نجد أنفسنا بعدها مؤمنين بها وهي مغالطات لا أساس لها من الصحة.
  • الجدال في الدين كارثة، لأنه إذا أدى بنا للمغالطات، ستكون من القول على الله بغير علم الذي قال عنه بعض العلماء أنه أكبر من الشرك بالله والعياذ بالله.
  • الذي يبحث عن الحقيقة لا يجادل، وإنما يناقش.
  • علامات الجدال واضحة جدا من بداية النقاش، لا حاجة للتعمق فيه.
  • لا يمكن إقناع شخص لا يريد أن يقتنع.

النصائح:

  • لا تجادل
  • لا تجادل
  • لا تجادل

وأذكر بوصيته صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا"

في مجتمعنا كثيرًا ما يتحوّل النقاش إلى ساحة جدال، وكأن الهدف هو الانتصار على الآخر لا الوصول إلى فهم أعمق. شخصيًا، لا أميل إلى الدخول في مثل هذا النوع من الحوارات، فأنا أؤمن أن الجدال العقيم يستنزف الوقت والطاقة بلا جدوى. لذلك، إذا وجدت أن النقاش بدأ يأخذ هذا المنحى، أنسحب بهدوء. أمّا ما أفضّله فعلًا فهو النقاش القائم على أسلوب راقٍ، فيه احترام متبادل وتبادل للآراء دون محاولة فرض الرأي أو إحراج الطرف الآخر. مثل هذه الحوارات تُبقي مساحة التفاهم مفتوحة، وتجعل العلاقة بين الأطراف أكثر ودّية، حتى وإن اختلفت وجهات النظر.

الصمت عند الجدال، والاستماع بجد قد يغير الموقف.