كيف نوازن بين حاجة الوطن إلى الكفاءات، وحقهم في اختيار ما يليق بمستقبلهم؟

البارحة كنت أشاهد مناقشة بين الإعلامي عمرو أديب وبين نقيب الأطباء بمصر، حول مشكلة عجز الأطباء بالمستشفيات نتيجة هجرتهم أو سفرهم للخارج، وبدلا من البحث عن الأسباب صرح المذيع بأن على الأطباء "دفع ديون تعليمهم قبل السفر"

لن أنكر أن هجرة الأطباء تخلق فجوة خطيرة في النظام الصحي، ويحدث عجز واضح داخل المستشفيات الحكومية، خصوصًا في بعض التخصصات الحرجة. فالجامعات في مصر تُخرج آلاف الأطباء سنويًا، لكن نسبة كبيرة منهم تسعى للسفر بعد التخرج، بحثًا عن بيئة أكثر تقديرًا، ودخلٍ يليق بمستوى الجهد المبذول في دراسة تمتد لسنوات طويلة تحت ضغط كبير.

لكن لنكن عادلين من غير المنطقي أن يُحمّل الطبيب مسؤولية ما هو في الأصل ناتج عن غياب السياسات التحفيزية، وضعف الرواتب، ورداءة بيئة العمل. فمتوسط الراتب اليومي للإعلامي الذي يتحدث يصل ل350 ألف بمقابل الطبيب 465 جنية يوميا، مفارقة عجيبة.

ويمكننا قياس الأمر وتعميمها على كل الكفاءات من مهندسين ومعلمين وغيرهم لذا السؤال هنا:

كيف نوازن بين حاجة الوطن إلى الكفاءات، وحقهم في اختيار ما يليق بمستقبلهم؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ليس الأطباء فقط للأسف من يتمنون الحصول على فرصة سفر تمنحهم ما يستحقونه من دخل يضمن لهم حياة كريمة، فلو نظرنا إلى المعلمين على سبيل المثال سنجد أنهم من أقل الفئات دخلًا وتقديرًا رغم دورهم الجوهري في بناء الأجيال، وبصفتي واحدة منهم أرى يوميًا كيف يعاني المعلم من ضغط العمل وغياب الحوافز، وعدم وجود بيئة تدعم التطور المهني أو حتى تحترم مكانته كما ينبغي، هناك معلمين تحت خط الفقر حرفياً يعملون بمقابل بخس وفي الآخر تلقي الدولة اللوم على المعلم عندما يقوم بإعطاء دروس خصوصية وكأنه ليس له الحق أن يعيش، المشكلة من وجهة نظري أعمق من مجرد "هجرة عقول"، هي أزمة تقدير حقيقي للكفاءات من جميع الوظائف، وأي حديث عن الوفاء للوطن يجب أن يقترن أولًا بوفاء الوطن لأبنائه.

لن أختلف معك بخصوص تقدير الكفاءات، ولكن بنفس الوقت كل من يتلقى التعليم الحكومي لا يدفع إلا ملاليم مقارنة بدول كثيرة، فحتى هناك بعض الدلول الأجنبية حسب ما أذكر انجلترا المتفوقين فقط هم من يتعلمون بالمجان والبقية قد يقترض لأجل سداد تكاليف تعاليمه لذا من المفترض فعلا أن يسدد دينه تجاه بلده قبل أن يفكر في السفر بالخارج، وإلا يسافر يدرس ويعمل بالخارج من البداية

صحيح لا يدفع إلا ملاليم، لكن هل فعلاً يحصل بالمقابل على تعليم يوازي ما يتم تقديمه في الخارج؟ الواقع مختلف تمامًا، فالكثير من الطلاب وخصوصًا في التخصصات الحساسة كالمجال الطبي، يصلون لمكانتهم ليس بفضل جودة التعليم بل بفضل مجهودهم الذاتي وسعيهم الشخصي لتطوير أنفسهم وهذا عن تجربة شخصية بعد أن رأيت طبيعة التعليم في المدارس الحكومية، ورأيت عن قرب أنه رغم كونه متاحًا وميسرًا، لا يوفر دائمًا البيئة أو الإمكانيات التي تخلق الكفاءة، بل يعتمد بشكل كبير على اجتهاد الطالب نفسه، وهذا ما يصنع الفارق الحقيقي.

ابن أخي بكلية الطب منذ الآن وهو يحضر للمعادلة والسفر بالخارج، فقط بسبب الوضع المادي، طبعا هو محق فراتب الطبيب اقل من الحد الأدنى للمعيشة، فكيف سيعيش ويتزوج؟

لذا بدلا من مهاجمتهم مهم توفير سبل معيشة كريمة لهم، رواتب توفر لهم مستوى مادي جيد، على الأقل يساووهم بالمستشارين والقضاة، وغيرهم، لكن تجد الطبيب بواقع ١٠ سنوات خبرة بالمستشفيات راتبه بالكاد يصل ل١٠٠٠٠ جنيها لو لديه أسرة لن يغطوا مصاريفهم لنصف الشهر

أنا أعمل بالقطاع الطبي وعلى علم تام بالرواتب وتفاصيلها وهي سيئة بالفعل وأؤيد جدا طلب وزير الصحة بتعميم هيكل الرواتب الخاص بالتأمين الشامل على وزارة الصحة لأن الرواتب هناك آدامية نوعا ما، ويمكن التشديد على الحضور والانصراف وتأدية المهام كما يفعلون بالتأمين الشامل

لكن بالمقابل طالما هناك مجانية تماما للتعليم للبلد حق مكتسب يجب أن تأخذه مثلا سنوات للتكليف وتكون إلزامية ولا يمكن لأحد أن يسافر بالخارج دون تأديتها، واقصد هنا سنوات تكليف كطبيب وليس سنوات امتياز يتعلم فيها

التصريح الذي أدلى به الإعلامي عمرو أديب حول ضرورة دفع الأطباء ديون تعليمهم قبل السفر يعكس سطحية في تناول قضية بالغة التعقيد، ويُظهر انفصالًا واضحًا عن الواقع المهني والاجتماعي الذي يعيشه الأطباء في مصر. فبدلًا من توجيه الانتقاد نحو السياسات الحكومية التي فشلت في خلق بيئة جاذبة للكفاءات، يتم تحميل الأفراد مسؤولية ما هو في جوهره إخفاق مؤسسي شامل.

الأطباء لا يهاجرون نكرانًا للجميل، بل فرارًا من واقع مهني يفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة. الحديث عن ديون التعليم يتجاهل حقيقة أن الدولة لم تضمن مقابل هذا التعليم الحد الأدنى من التقدير، سواء ماديًا أو مهنيًا. فمن غير المقبول أن يُطالَب الطبيب، الذي يتقاضى بضع مئات من الجنيهات يوميًا، بالتضحية في وطن تُدار فيه الأولويات بمنطق إعلامي استعراضي لا يعترف بالحقائق.

المنظومة الصحية تعاني من نزيف الكفاءات، لا بسبب خيانة هؤلاء الأطباء، بل لأنهم يُدفعون دفعًا للهجرة، في ظل غياب سياسات إصلاح جادة، وبيئة طاردة، ورواتب لا تليق بسنوات طويلة من الدراسة والعمل تحت ضغط مستمر. المسؤولية هنا لا تقع على الطبيب، بل على من وضع السياسات، وأدار الموارد، وفشل في تحقيق الحد الأدنى من العدالة.

من الأجدر أن يُحاسب من أضاع هذه الكفاءات، لا أن يُحاكم من اضطر لمغادرة وطن لا يعترف بقدره.

رغم تأييدي الكامل لكلامك، لكن نقطة مجانية التعليم نقطة لا يمكننا إغفالها لو تم فرض رسوم عادلة على الجامعات أو حلها بقضاء فترة إجبارية على الخريج لخدمة بلده يكون هناك توازن، خاصة أن هناك دول كثيرة تحصل الكثير من الرسوم والتي تبلغ لآلاف الدولارات سنويا ولا يحصل على المجانية إلا المتفوقين فقط، فكما نطالب بوجود برواتب تليق بمجهوداتنا كل هذه السنوات وأنا منهم يجب أن أنظر ماذا قدمت لهذه البلد مقابل التعليم المجاني الكامل، وبجانب كل هذا يجب أن يكون هناك نظام رقابي عال على المستشفيات وعلى إدراتها فللأسف هناك أطباء تترك دوامها بالمستشفى وتذهب لعيادتها الخاصة، وأحيانا أطباء قد لا تتواجد بالقسم إلا مرة أو اثنان بالأكثر على الأسبوع، هناك منظومة كاملة تحتاج لإعادة ضبط وهيكلة، خاصة النظام بوزارة الصحة لكن لو قارنها بالجامعي فشتان المستشفيات الجامعية الطبيب قد يناوب بال48 ساعة مع التزام بالحضور والانصراف لوجود نظام رقابي دقيق

كيف نوازن بين حاجة الوطن إلى الكفاءات، وحقهم في اختيار ما يليق بمستقبله؟

هذه معادلة صعبة، إذ يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي بالتربوي بالثقافي . . .

نعم، كل الأوطان في حاجة إلى الكفاءات والعقول المتفوقة، ولكن كيف تحافظ عليها، وتستفيد من استثمارها في مواطنيها سنوات طوال، وألا تجعل المجهودات تذهب سدى؟

الدولة هي المسؤول الأول في الحفاظ على الكفاءات عبر

١- بناء المواطن والنهوض بالمواطنة.

٢- توفير مستوى تكوين جيد، يضاهى مستوى التكوينات العالمية.

٣ - أصلاحات شاملة لنظام الأجور في جميع القطاعات، بحيث تكون كفيلة بضمان عيش كريم لمواطنيها.

٤ - نهج سياسات التشجيع والتحفيز، ومكافأة الاجتهاد والتفوق.

٥ - فرض بضع سنوات من الخدمة في مؤسسات الدولة، قبل السماح للخرجين باللجوء إلى الهجرة.

جميل جدا أمينة، تعليق مفيد كالعادة، فمن المفترض عند تحقيق التوازن أن نراعي الجانبين الدولة وأصحاب الكفاءة، وبالنسبة للنقطة الثانية رغم أنه بالفعل في مصر هناك جامعات ذات تصنيفات عالمية ولكن تحتاج للتطوير خاصة أن هناك جامعات عربية حديثة العهد وقد سبقتها

جميل جدا أمينة، تعليق مفيد كالعادة،

ممتنة لك نورا، على حسن ظنك بتعليقاتي.

المسألة ليست بسيطة ولا تُختزل في طرف دون آخر. من جهة، لا يمكن إنكار حاجة الوطن إلى كفاءاته، خاصة في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم، ومن جهة أخرى من الطبيعي أن يسعى الأفراد لتحسين أوضاعهم المهنية والمالية والإنسانية، خصوصًا إذا شعروا أن الداخل لا يقدّر هذا الجهد.

الهجرة ليست خيانة، كما أن البقاء ليس تضحية مطلقة، بل هي قرارات شخصية تنبع من واقع معيشة وظروف كل فرد. التحدي الحقيقي ليس في إلقاء اللوم، بل في خلق بيئة تجعل البقاء خيارًا منطقيًا وجاذبًا، لا عبئًا مفروضًا باسم الواجب.

ربما الحل لا يكمن في فرض قيود على السفر، بل في بناء منظومة تقدّر وتحتضن الكفاءات. آنذاك، سيكون الانتماء قرارًا نابعًا من الرضا، لا من الإكراه.

كيف نعيد صياغة مفهوم الولاء للوطن في ظل عالم أصبح فيه العمل والنجاح لا يتحدد بالجغرافيا؟

بالدول الأجنبية مثل أمريكا وانجلترا الطالب الجامعي يقترض ليتعلم عدا المتفوقين أو من يحصل على منح، وتكاليف الجامعات تصل لآلاف الدولارات سنويا، وغالبا الطلاب تعتمد على القروض الطلابية وتسدها بعد التخرج حتى لو اضطر للسفر خارج البلاد يكون ملزم بسداد الأقساط وإن تأخر عليه عواقب ستحدث له، لذا لتحقيق التوازن برأيي يجب أن يكون هناك حل عادل للطرفين، ستحصل على تعليم مجاني تماما كالوضع الحالي فأنت ملزم بالعمل ضمن النظام الحكومي لفترة يحددها القانون ولا يسمح لك بالسفر إلا بعد إنقضائها وليكن خمس سنوات مقابل خمس سنوات الجامعة، أو على حسب تقدير الجهة المسؤولة بنفس الوقت يكون هناك تعميم لنظام التأمين الشامل على كل المحافظات فالرواتب به مجزية ولكن به صرامة بالحضور على عكس نظام وزارة الصحة الطبيب يحضر يوم أو اثنين على الأكثر مع استثناء المستشفيات الجامعية لأن النظام بها مختلف وبها ضغط عمل كبير، وبذلك يكون هناك توازن بين حق الدولة وحق المواطن