انحياز الزمان ومحتوى مواقع التواصل

  • HamzaSalim

يكاد غالب المحتوى الذي نستهلكه أن يكون في قالبين، أحدهما يندرج تحت اسم انحياز المكان، والآخر انحياز الزمان.

انحياز المكان

الذي تعنيه هذه العبارة، هو أنّنا ننحاز في استهلاكنا للمحتوى للمكان الذي نتواجد فيه، وهذا كان من مشاكل العصور القديمة. حيث أنَّ الأفكار المتداولة غالبًا ما كانت محلّية.

إذا أردتَ التعرّض لأفكار جديدة، يجب عليك أن تُسافر وتصرف الأموال، أو تنتظر أن يصل لك كتاب ما من تلك البلدان مع أحد التجّار.

لهذا كان من الصعب أن يتعرّض الفرد المحلي لغير أفكار مجتمعه، وكان من الصعب أن يقرأ غير الكتب التي كُتبت منذ قديم الزمان، سواء في الدين والفلسفة وغيرها.

انحياز الزمان

مع عصر السرعة الرقمية، يكاد أن يختفي انحياز الزمان إلى الأبد، فأنت بتصفّح لوقت بسيط ستتعرّض لأفكار من كافّة البلدان والثقافات.

تولّد نتيجة عصر السرعة انحياز أخطر، وهو أنحياز للزمان، أي أنّك دائمًا ما تقرأ المنشورات الحديثة، جرّب أن تحصي ما تراه كل يوم، ستجد أنَّ السواد الأعظم أُنتج قبل 24 ساعة، من منشورات فيسبوك وستوريات انستغرام وسناب جات ورسائل تواصل. عدد قليل فقط من المحتوى الذي تتعرّض له أُنتج قبل 10 سنوات، ولا تكاد ترى محتوى قبل 100 سنة أبدًا.

مشكلة انحياز الزمان

مشكلة استهلاك المحتوى من هذا النوع، هو أنّك ستبقى عالقًا في الحاضر الذي لا ينتهي، في الأخبار المتجدّدة والترندات الصاعدة.

الذي يزيد الطين بلّة، هو أن طريقة استخدامنا للهواتف، والتطبيقات الشائعة تفرض علينا انحياز الزمان هذا بطريقة افتراضية، فالهواتف لا تُسهِّل استهلاك المحتوى القديم، إلّا لو كنّا يقظين وحدّدنا المحتوى الذي نريد استهلاكه.

أفكار صمدت أمام اختبار الزمن

مشكلة انحياز الزمان هو أنّه يقلّل تعرّضنا للأفكار العظيمة، أفكار تلك العقول التي تتضمّن طبقات عميقة من التفكير والتجربة، والتي لا زالت باقية صامدة رغم قدمها.

تلك الأفكار تُحفّز العقل، وتجعله يولّد أفكار أفضل من عنده. لهذا تجد الجيل الحالي رغم وفرة ما يمكن أن يصل له من معلومات، إلّا أنّه يفتقر للاطلاع العميق في الكتب العريقة، والأفكار التي صمدت أمام اختبار الزمن.

المحتوى الحديث سطحي

معظم المحتوى المُنتج بشكل حديث يكون سطحيًا، تلك الترندات التي تستحوذ على الانتباه مُصمّمة لحلب أكبر كميّة من ردود الفعل العاطفية من عقلك، معظم ذلك المحتوى قد أُنتج خوفًا من "ديد لاين" قريب، أو رغبة في شُهرة سريعة.

هل تثق في محتوى وقتي كهذا ليغذِّي عقلك؟ البحار البارع لا يُعير اهتمامًا كبيرًا بالرياح العاتية، لأنّه يعرف أنّها وقتية، لكنّه يولي الاهتمام الأكبر بالتيارات والأمواج المائية، هذه تكون أقل ظهورًا للناظرين، لكنّها ما تجعل الرحلة تمرُّ بسلام.

الثورة على انحياز الزمان

قد لا يكون ممكنًا أن نتجنّب قراءة كل المحتوى المُنتج بشكل حديث، فقد يكون في بعضه أخبار مهمّة لنا، لكنَّ المهم سيصل لك رغمًا عنك، وسيشيع بين الناس وأحيائهم.

يُمكن أن تثور على انحياز الزمان بأن تزيد من استهلاك الكتب القديمة مقارنة بالمنشورات الحديثة، أن تُعرِّض نفسك لتلك الأفكار والتيارات المائية الثابتة والمستقرّة، وأن تكفّ عن ملاحقة عواصف الرياح الزائلة.

يمكن أن تثور على انحياز الزمان بأن تُفكّر كيف سيكون أثر ما تستهلك بعد سنة، خمسة وعشرة سنوات؟ هل سيبقى الموضوع ذا أثر، أم أنَّ طلاق هذا الزوج، خسارة هذا الفريق وافلاس تلك الشركة، لن يستحق أن يكون شيئًا يُذكر بعد سنة من الآن!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فعلا أستاذ حمزة، انحياز الزمان كما عرفته في طرحك هو واقع نعاني منه، حيث يطفو المحتوى الحديث التافه فوق السطح، ويصبح الاكثر استهلاكا ويسرق منا الوقت الذي كان يجب علينا أن تمضيه في التعرف على المحتويات القيمة التي كان لها أكبر الأثر في حياة البشرية.

لكن هنا لدي ملاحظة، أين يتواجد المحتوى التافه الحديث وأين يتواجد المحتوى القديم القيم؟ لا أظن أن المحتويين يتواجدان في نفس المكان. فالمحتوى الحديث الاقل قيمة ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع على الانترنت ومن خاصياته أنك تحتاج لربط دائم على شبكة الإنترنت للاطلاع عليه.

بعكس المحتوى القديم والقيم فهو مستقل عن الربط الدائم في الانترنت، يمكنك أن تنزل كتابا على حاسبك وتقوم بقرائته رغم تعذر الإنترنت، كما يمكنك شراء كتاب من المكتبة واخذه معك في رحلتك وقرائته.

هنا يظهر أن بامكاننا تغييب المحتوى الحديث التافه عنا بالتقليل من ربطنا للانترنت وبابتعادنا عن وسائل التواصل الاجتماعي وكما قلت فإن كان الامر مهما لدرجة كبيرة فحتما سيصلنا خبره

هذه فكرة جيّدة أسماء. كلّما كنّا أكثر اتصالًا بالانترنت، كنّا أقرب للمحتوى الحديث، وإذا ابتعدنا بتنزيل كتاب مثلًا، أصبحنا أقرب للمحتوى القديم.

شكرًا لمساهمتك :)

لقد أثرت نقطة مهمة، إن إبقاء العقل منشغلًا في أحداث آنية، قد لا تعنيه، ولا تقدم له أي حلول لمشاكله، سيجعله عالقًا، ولن يقدم له أي تطور على المستوى الفكري، ولذا أرى أنه رغم سهولة الوصول للمعلومة إلا أنه لا يمكن الاعتماد على الأخبار الحالية لتطوير الذات والفكر ولتحصيل المعارف، ولذا فمهما سيطر المحتوى الرقمي، ستظل الكتب والقراءة حاجة ملحّة

أولًا أود أن أبدي إعجابي بالمساهمة يا حمزة، والتي تطرح علينا موضوعًا في غاية الأهمية.

بالنسبة لرأيي، فأنا أرى أن التفاعل عبر هذه المنصات يجب أن يكون بداعي التمرّد والنقد المستمر لما يعجبنا أو لما نتشبّث بالاطلاع المستمر عليه، حيث أننا يجب أن نتغلّب على منطقة الراحة والإدمان التصفّحي التي نتورّط فيها إذا ما تناولنا ثقافة المحتوى من خلال المنظور الذي رميتَ إليه. فمن جهة أخرى، أحب دائمًا أن أدفع نفسي إلى التفاعل مع الآخرين والاطلاع على نوعيات مختلفة من المحتوى، ممّا يسهّل عليّ عملية التخطّي، ويمكّنني -استدعاءً لتعبيرك- من التحرّر من الانحياز، سواء كان زمنيًا أو مكانيًا.

أولًا أود أن أبدي إعجابي بالمساهمة يا حمزة، والتي تطرح علينا موضوعًا في غاية الأهمية.

شكرًا علي :)

الفكرة التي طرحتها جديرة بالاهتمام، فالذي أفهمه هو أنّك تُحبَّ أن تتعامل مع هذه المواقع من عقلية مُنشئة للمحتوى، لا متلقية له فقط. وهو بالتأكيد امر أفضل من المتابعة السلبية.

مرعب كيف تتلاعب بنا خوارزميات تقنية ماكرة !

على الرغم من أنني أصارع نفسي لأبقى على اتصال دائم بالمحتوى المفيد غير المحدد بزمان أو مكان، إلا أن الخوارزميات تجبرني على تحديث الصفحة باستمرار لمشاهدة المنشورات الجديدة لدرجة أنني إن بقيت لمدة لم أطلع فيها على آخر التحديثات أشعر فيها وكأنني قد خرجت من كهف مقطوع عن البشر .

حتى أن المحتوى القديم إذا ما قمت بمشاركته مع أحدهم سيسخر مني بالقول : "من أين أتيتي .. من الجاهلية؟" أو ما هذه الجودة الرديئة؟"، وما شانك بالجودة رّكز على القيمة المتضمنة في المحتوى، وقِس على ذلك الكتب التي يتم التعامل معها بذات الطريقة، فبدلاً من شراء كتاب قديم وثري، أقوم بشراء كتاب حديث لا يقارن بسابقه فقط لأن الغلاف يبدو جذاباً والعنوان شبابي !

مساهمة رائعة كالعادة !

مساهمة رائعة كالعادة !

شكرًا تقوى!

إلا أن الخوارزميات تجبرني على تحديث الصفحة باستمرار لمشاهدة المنشورات الجديدة

بالضبط، الخوارزميات تفرض علينا أن نتعرّض للمحتوى الجديد لأنّه ببساطة هذا من مصلحتها، المحتوى القديم لا يدرُّ الاعلانات ولا يجلب تفاعل جميع الناس مرّة واحدة.

بالضبط، الخوارزميات تفرض علينا أن نتعرّض للمحتوى الجديد لأنّه ببساطة هذا من مصلحتها، المحتوى القديم لا يدرُّ الاعلانات ولا يجلب تفاعل جميع الناس مرّة واحدة.

وننصرف نحن لتحقيق مصالحها عوضاً عن تحقيق مصلحتنا الشخصية، لنتنبه أننا لم نستفد أي شيء يذكر !

هذا يعد من الموضوعات التي دائما تشغل فكري لكن بعد ما ركزت في ردت فعل الشباب المستقبلين لمثل هذا المحتوى التافه السطحي فقد وجدت مؤشرات ايجابية عظيمة.

هناك العديد من الشباب يرفضون ما يرون من محتوى متهالك ليس له قيمة ويميل الي التفكير والتحليل والتفسير والنقاش والاهتمام بكل ما هو قيم لاثقال انفسهم بالمفيد.

إنحياز الزمان أدي لإختلاف معني التريند إختلاف جذري؛ التريند سابقاً أو منذ عقود كان عبارة عن ثورة علمية سواء كانت أو أدبية، كتاب فلسفي مدهش، نظرية النسبية، وغيرها من القيم والمفاهيم والعلوم التي تستحق أن تصبح محل جدل ونقاش عالمي

أما الآن التريند هو مقطع موسيقي، مقطع فيديو لشخص ما، صور لقطط وغيرها؛ إندثر العلم الحقيقي وراء هذه المهمشات في المعني والقيمة، أصبح تأثر الإنسان بإنتاج الإبداعي يقل لعدم تعرضه للنقاش الكافي والبحث العميق في كل جديد، معلومات سطحية وليس من الأكيد صحتها.

التريند سابقاً أو منذ عقود كان عبارة عن ثورة علمية سواء كانت أو أدبية.

لا أظن رياض أنّ الترند سابقًا كان ثريًا في كلّ مرة.

الفكرة أنّه كان يشيع بين ناس مجتمع واحد، في مقهى أو اجتماع، لم يكن يشيع بين كلّ الناس مرة واحدة. لهذا قد لا تجد الكثير من ترندات ذاك الزمان قد عاشت لتُخلّد.

الذي يزيد الطين بلّة، هو أن طريقة استخدامنا للهواتف، والتطبيقات الشائعة تفرض علينا انحياز الزمان هذا بطريقة افتراضية، فالهواتف لا تُسهِّل استهلاك المحتوى القديم، إلّا لو كنّا يقظين وحدّدنا المحتوى الذي نريد استهلاكه.

لم أفهمها، ماذا تعني بذلك؟؟ ألا يمكنني البحث في تواريخ قديمة واستخراج معلومات قديمة؟ إلا لو كان للعبارة تفسير آخر حمزة.

نعم أحياناً من الصعب البحث عن أمر منذ مائة عام ولكن لأنّ الأمر حديث، أليس كذلك؟

أظن في العقد القادم أو بعد مائة عام سيمكننا البحث عن المنشورات القديمة، ربما لن نجدها في متصفحات البحث وسنضطر للدخول للخزانات السحائبية ومناطق التخزين، لكن ما أظنه بأننا سنجدها.

لم أفهمها، ماذا تعني بذلك؟؟ ألا يمكنني البحث في تواريخ قديمة واستخراج معلومات قديمة؟ إلا لو كان للعبارة تفسير آخر حمزة.

تستطيعين ذلك. لكن هل هذا أسهل أم سحب الشاشة بلمحة خفيفة للحصول على منشورات جديدة في فيسبوك وتويتر؟

أظن في العقد القادم أو بعد مائة عام سيمكننا البحث عن المنشورات القديمة، ربما لن نجدها في متصفحات البحث وسنضطر للدخول للخزانات السحائبية ومناطق التخزين، لكن ما أظنه بأننا سنجدها.

اعتقد ايناس أنّها موجودة أصلًا من الآن، هناك الكثير من الطرائق للبحث في المحتوى القديم، لكنّ المحتوى الحديث يبدو أكثر اثارة للمتلقين.