من أكثر الخرافات خطورة تلك التي تربط بين الفشل أو حتى الانحطاط الأخلاقي وبين الأصل أو العِرق. كأن الجينات وحدها هي التي تقرر من سينجح، ومن سيبقى على الهامش.
في كتاب "خرافات عن الأجناس"، يناقش المؤلف هذه الفكرة تحت ما يسمّيه "التمييز البيولوجي"، ويشرح كيف استُخدمت الفروق الطبقية كمبرر عنصري مغلّف بلغة الواقع والمنطق. أتذكّر جيدًا ما قاله والد أحد زملائي بعد نجاحنا في البكالوريا. كان يصرّ على أن يدرس ابنه التمريض، لأنه تخصص سريع ومنصب شبه مضمون، ويكفيه3 سنوات فقط. كان يقول له: "شوف فلان، جاب معدل ممتاز، كان قادر يدرس طب أو هندسة، لكن اختار تخصص مضمون، لأنه يعرف من وين جاي ومن أي حي وعائلة. احنا مو من الناس اللي تدخل طب، هذا للّي أبوهم طبيب ولا عايش مرتاح، مو النا." لم يكن يتحدث بكراهية، بل بحسرة عميقة، كأن الحياة حُسمت لصالح الآخرين سلفًا.. وهنا تكمن الخطورة: حين نُقنع أنفسنا أن الحلم لا يخصنا فقط لأننا وُلدنا في مكان معين، أو لأن والدنا ليس طبيبا أو مهندسا.. الكتاب يقولها بوضوح: ما نراه فشلا أو انحطاطا ليس وراثيًا، بل نتيجة الفقر، والتهميش، وحرمان الأجيال من الدعم والتعليم. الخرافة العنصرية لا تهاجم أفرادا، بل تهاجم فرصهم. تُقنعك بأن مكانك في الصف الخلفي مهما حاولت.. كأنك تُلام، وتُقصى، وتفوّت فرصًا لمجرد أنك خرجت من واقع لم تختره.
بينما حين نغرس في الناس أن أحلامهم أكبر من مكانهم، نمنحهم فرصة لصناعة واقع جديد، لا إعادة تدوير الخيبة!
كم من حلم كُسِر لأننا أقنعنا أصحابه أنه ليس لهم؟
التعليقات