12

هل نحن أحرار أم أسرى بيولوجيتنا؟

أفكّر حين أنظر إلى الناس من حولي؛ فأجد أن لكلٍّ منهم محورًا تتمحور حوله حياته. منهم من يجعل المال جوهر وجوده، ومنهم من يكرّس نفسه للفن، ومنهم من يرى في العلاقات معنى حياته، وآخرون يجدون ضالتهم في الدين. محاور مختلفة، وغايات تبدو متباينة، لكنها جميعًا تشكّل مركزًا يدور حوله سلوك الإنسان وقراراته اليومية.

ومع التأمل، يراودني تساؤل: هل يمكن أن تكون هذه المحاور، على اختلافها، تخدم بشكل غير مباشر رغباتنا البيولوجية؟ ولعل أبرز تلك الرغبات هي الرغبة في التكاثر، باعتبارها دافعًا أساسيًا لاستمرار النوع البشري. فهل يسعى الإنسان، بوعي أو بغير وعي، إلى بناء قيمة أو مكانة أو معنى لحياته من أجل زيادة فرصه في البقاء واستمرار نسله؟

وهنا تنبثق الفكرة الأكثر إلحاحًا:

هل حياتنا وتصرفاتنا ليست سوى أقنعة راقية لتلك الرغبة العميقة؟ وهل تكيف الإنسان عبر الزمن ليصوغ لنفسه هذه الأشكال المتعددة من المعنى، حتى يضمن استمرار الجنس البشري دون أن يبدو أسيرًا لغريزته؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ليس منطقيا أن نختزل كل هذا في رغبتنا بالإنجاب فلو كانت الغريزة وحدها هي المحرك، لما رأينا من يختار العزلة، أو من يكرس حياته لفكرة، أو من يضحي براحة شخصية من أجل مبدأ، أو حتى من لا يرغب أصلًا في الإنجاب ومكمل حياته بشكل طبيعي.

منهم من يجعل المال جوهر وجوده، ومنهم من يكرّس نفسه للفن، ومنهم من يرى في العلاقات معنى حياته، وآخرون يجدون ضالتهم في الدين. محاور مختلفة، وغايات تبدو متباينة، لكنها جميعًا تشكّل مركزًا يدور حوله سلوك الإنسان وقراراته اليومية.

تختلف غاياتنا من الحياة، وكل شخص يكون لديه طريقته في الوصول لما يريد، وحتى لكل منا طريقة في التعرف على الذات والبحث عن المعنى

اعتقد انك محق . الإنسان حيوان في آخر المطاف ، تحكمه هرمونات و إشارات كهربائية و عمليات كيميائية تدور في عقله. و لكن اختلف في أن الاشكال المتعددة من المعني هي مجرد أقنعة الغريزة بل هي محاولة من الإنسان للارتقاء فوق حيوانيته. الإنسان هو مخترع المعني بالتأكيد و لكن ليس كقناع يجمل الغريزة بل كرغبة في شئ يفوق الغريزة. الإنسان حيوان بالتأكيد و لكن ما يجعله جديراً بالتقدير هو رغبته في أن يصبح أكثر من هذا.

هو أصلا خلق وتطور حتى يكون أكثر من هذا، وأرى أن هذه الرغبة الداخلية في الإنسان للتفوق والتطور والوصول لهدف هي غريزة وضعها الله فيه كي لا ينسى مهمته ولا يعود حيواناً مرة أخرى، أرى البحث المستمر للإنسان عن هدف ومبدأ وفكرة هو دليل بحد ذاته على إستخلاف الإنسان ووجود إرادة خلف هذا الإستخلاف، فبدون هذه الرغبة الغريزية فينا والتي نراها حتى في الأطفال عندما يسألون أسألة وجودية وفلسفية ببراءة وبدون وعي لن يتطور الإنسان، هذه غريزة موضوعة فينا، وهي دليل بالنسبة لي على وجود خالق له حكمة من هذا الخلق

اتفق معك، ولكن اختلف مع أن هذا يعتبر دليل على وجود خالق، بل من الأسهل اعتباره تكنيك طورته الطبيعة على مدار الآلاف السنين لضمان استمرار الكائنات وبقائها.

ما علاقة إستمرار الطبيعة وبقاء الكائنات بهذه الأسئلة الفلسفية والوجودية؟ ليس ثمة صلة أصلاً، ثم إن تواتر هذه التصميمات الذكية والتناسب والنسبية في مليارات المسائل في الكون تأكيد صارخ على وجود خالق، فالطبيعة لا تستطيع أن حتى في مليارات السنين بشكل عشوائي أن تنتج هذه النسبية المعقدة في الكون، أنصحك بقراءة نظرية الإحتمال والإستقراء للسيد محمد باقر الصدر

أزيد على مساهمتك، أن تلك المعاني التي يخترعها الإنسان، ما هي إلا رغبة في الخلود من خلال أي معنى يفني فيه حياته، فيبقى بعده وهذه الرغبة متفاوتة من شخص لأخر بنسبة ولكنها موجودة. لكن متى وجدت فيه هذه الرغبة المستمرة على مر العصور هذا ما أفكر فيه، رغبة في السيطرة والقوة

سلوك الإنسان يتأثر كثيرًا بالبيئة والتنشئة أيضا وليست غريزة فقط. ما نراه ونسمعه ونعيشه من الصغر يشكل اهتماماتنا وطريقة تفكيرنا ويؤثر على قراراتنا وأفعالنا. حتى التضحية بالمبادئ أو التركيز في هدف معين تأتي كرد فعل لما تعلمناه وعشناه. حتي نفهم الإنسان بشكل كامل يجب النظر أيضًا إلى تفاعل البيئة، الثقافة، التجربة، والقدرات العقلية

ليس بالضرورة أن يستمر الإنسان من خلال نسله فقط، بل يمكنه الاستمرار في التواجد بعض موته من خلال أفكاره، ومثال على ذلك كثير من الكتاب والفلاسفة والفنانين والمفكرين الذين تعيش أفكارهم معنا ونتأثر بها حتى يومنا هذا بالرغم من موتهم منذ قرون طويلة.

أعتقد أن الرغبة الحقيقية هنا يمكن أن تكون رغبة الإنسان في التأثير وفي الخلود.

أجاب علم النفس عن هذا السؤال بكل مدرسة من مدارس علم النفس قدمت جواب، فمثلاً فرويد يتفق معك أن غريزة البقاء هي هدف أسمى، وبعده ألفريد أدلر قال أن الهدف هو التفوق والاهتمام الاجتماعي، ثم هرم ماسلو الذي قال أن الاحتياجات الفسيولوجية (الطعام، النوم) هي قاعدة الهرم، وكارل روجرز الذي قال أن الاتساق مع الذات وقبولها هو الهدف الأسمى، وفيكتور فرانكل الذي قال أن تحقيق معنى إنساني من الحياة هو الهدف...

الطبيعي هو رغبتنا في البقاء واستمرار جنسنا، وهذا ضمن أسباب وجودنا في الدنيا، ولكننا نسعى ونبذل قصاري جهدنا حتى ولو اختلفت وجهتنا فنحنُ نبحث عن أنفسنا وعن معنى لتلك الحياة الطويلة الصعبة، فلا أحد سيظل منغمساً فقط في فكرة ضمان استمرار الجنس البشري والتكاثر فقط.

نعم إلى حدا ما نحن أسرى بيولوجيتنا ولتاريخ تطورنا الطبيعي واستخدامك لمثال التكاثر استخدام موفق، للحياة أساليب تتبعها لاستمرار البقاء منها المبالغة في قيمة الجنس في أعينا وهو ما يثبت عكسه بعد الانتهاء من الفعل والمبالغة في قيمة أهدافنا، ولكن عند تحقيقها يرى الإنسان هدفه تبخرت قيمته، بل يتساءل حتى لما كان يسعى في الأساس نحو الهدف، الحياة أشبه برجل يمسك حبلاً به عظمه أمام كلب، فيتقدم الكلب نحو العظمة، وفي الوقت نفسه يبتعد الإنسان إلى الوراء بالقدر نفسه من المسافة فستبقى العظمة إلى ما لا نهاية بعيد عن الكلب، ولكن سيدفع هذا الكلب إلى التقدم نحو الأمام وهو هدف الحياة

أعتقد أن كلها بما فيها الجنس لإثبات الذات والوجود ، فأنت ترغب أن تكون محبوبا مرأي ، مشهور ، مُعترف بنجاحك ، كلها رغبة في إثبات وتأكيد الهوية والوجود ولأن الجنس أكثرها توفرأ وربما هو الفرصه الوحيدة بما أن لسنا جميعا قادرين علي الرسم أو الغناء أو لعب الكره فقد صار محوري جدا

هناك رغبات تقودها أخلاق، مثال على ذلك الرغبة البيولوجية التي تنظم بالزواج، وهناك رغبات منفلته تظر بالإنسان.

عندما كان أطفالي يسألونني أسئلتهم الطفولية الجميلة: كيف تعرّفت على ماما؟ وكيف جئنا نحن إلى الحياة؟ لم أكن أقدّم لهم شرحًا بيولوجيًا معقّدًا .. بل كنت أقول لهم ببساطة:

إن الآباء والأمهات يقفون في طابور طويل في عالم الأرواح .. ويأتي الأطفال ليختاروا آباءهم وأمهاتهم. وكنت أخبرهم أنني عندما رأيتهم أحببتهم بشدة .. وكنت ألوّح لهم من بعيد وأشير بحماس: "تحت تحت" .. حتى يختاروني .. ولذلك أصبحتم أطفالي في هذا العالم المادي.

كانوا يفرحون جدًا بهذه الحكاية .. وربما تبدو مجرد قصة لطيفة للأطفال… لكن أحيانًا أشعر أنها قد تلامس شيئًا أعمق من مجرد خيال.

نحن غالبًا ننظر إلى الإنسان ككائن تقوده البيولوجيا .. لكن ماذا لو كانت القصة معكوسة؟ ماذا لو كان الإنسان حرًا إلى درجة أنه اختار حتى ظروف بدايته .. ثم جاء إلى الحياة ونسي؟ ربما صعوبة الحياة ليست في القيود .. بل في النسيان.

لذلك تبدو فكرة “التذكّر” حاضرة بقوة في التجربة الروحية. فالعبادات والصلاة قد لا تكون لإرضاء قوة خارجية بقدر ما هي محاولات مستمرة لاستعادة الوعي بما كنّا نعرفه يومًا ما. وكأن الرسالة الدائمة هي: تذكّر من أنت.

فطوبى لمن تذكّر… حتى لو اتُّهم أحيانًا بالجنون 😄 .. ثم قابل الحياة — أو ربّه — بقلبٍ سليم.

لفتتني هذه الفكرة لأننا فعلًا إذا تأملنا حياة الناس نجد أن لكل إنسان محورًا يدور حوله: المال، الفن، العلاقات، الدين، أو غيرها.

لكن السؤال الأعمق ليس في اختلاف هذه المحاور، بل في أصل الدافع الذي يدفعنا لصنعها.. قد تكون مرتبطة بشكل غير مباشر برغبة أعمق هي البقاء والتكاثر.

لكن فى المقابلة الإنسان ليس مجرد كائن غريزي؛ فوعيه وقدرته على التفكير جعلاه قادرًا على تحويل دوافعه البيولوجية إلى أشكال أرقى: فن، علم، فلسفة، ودين.

وربما هنا تكمن خصوصية الإنسان: أنه يبدأ من الغريزة، لكنه لا يتوقف عندها.