الحياة فقدت مذاقها أم نحن افتقدنا حاسة التذوق؟

دائما ما تتكرر في حديثنا عن الماضي افكار متشابهه مهما تغير محور النقاش او الموضوع، لكن المنطلق الذي تخرج منه هذه الاحكام واحد: تسخيف الحاضر وتفضيل الماضي عليه.

نسمع مثلا ان الماضي كان اكثر بركة، والناس اكثر فهما وثقافة، وان الفن قديما كان اصدق واعمق، وحتى ذكرياتنا الشخصيه نشعر احيانا ان روح الاماكن فيها كانت اجمل، المثير بالنسبة لي ان نفس هذه الشكاوى والافكار كننا نسمعها من اهلنا قديما عن ازمان صباهم، وتستمر هذه الافكار في التكرار عبر الاجيال دون توقف.

الاكثر لفتا للنظر انني اختبرت هذا التناقض في نفسي. مررت بايام كنت اعدها قاسية وثقيلة، تمنيت ان تنتهي سريعا، ثم بعد سنوات وجدتني اشتاق لها واراها مليئة بالحياة.

فما الذي يتغير هنا ؟ الايام نفسها، ام زاوية رؤيتنا لها؟ أم ان ذاكرتنا انتقائية !! تجعلنا لا نتذكر الايام كما عشناها وعايشناها بل كما نحتاج ان نتذكرها نفسيا؟َ!

ربما نحن نفقد الاحساس بالحياة ونحن نعيشها فنرغب في حياة مختلفة قبل ان نفهم الحياة التي بين ايدينا!.

هكذا نظلم الحاضر، ونمجد الماضي، ثم نكتشف متأخرين اننا لم ننتفع في ماضينا، ولا استمتعنا بحاضرنا

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الماضي لم يكن حقًا أكثر بركة.

لو عدنا للتاريخ، سنجد أن الأجيال السابقة كانت تشتكي من الغلاء والجهل وضياع الأخلاق في زمانها.

نحن فقط نصرُّ على كذبة الزمن الجميل لأننا لا نملك الشجاعة لمواجهة فشلنا في الاستمتاع بالحاضر. وتسخيف الحاضر هو حيلة ذكية للهروب من مسؤولية صناعة السعادة الآن.

نحن لا نشتاق للماضي بحد ذاته،

نحن نشتاق لـ أنفسنا التي كانت أصغر سنًا وأقل حملًا.

نعم صحيح، اعتقد ايضا ان سبب فشلنا في الاستمتاع بالحاضر هو اننا لا نملك قصه نكتبها له، الحاضر عندنا بلا سردية تقريبا، لذلك يبدوا بلا معنى مقارنة بالماضي الذي انتهت قصته وتحققت نتائجه بالفعل، واعتقد ان عائلاتنا في الماضي هم من رسموا لنا السردية التي سرنا في ضوءها، لذلك عندما انتهت ونظرنا لانفسنا وجدناها خالية بلا خطط مستقبلية ازداد خوفنا ونتجت المشكلة، فالمشكله نتجت عندما فرضت علينا سرديات لم نتعلم كيف نتحكم فيها، فاصبحنا عاجزين عن كتابة سرديات جديدة

ربما نحن نفقد الاحساس بالحياة ونحن نعيشها فنرغب في حياة مختلفة قبل ان نفهم الحياة التي بين ايدينا!.

هذا صحيح بالفعل، وهنا تأتي أهمية الشعور باللحظة، رغم أن ذلك من وجهة نظري قد يكون صعباً، خاصة في الأوقات العصيبة، فلا يقدر الكل أن يعيشوا هذه اللحظات الصعبة ويتذوقوها في توها ولحظتها، بل إما يفكرون في الماضي قبل هذه الصعاب، أو في المستقبل اذا انتهت هذه الصعاب، ويغفلون أن هذه اللحظات التي بين أيدينا حتى وإن كانت عصيبة قد نَحِنُّ لها بعد أن تصبح ذكرى، فلمَ نضيعها إذن بدلاً من عيشها بتفاصيلها وندرك أن هذه اللحظات ستكون يوماً ما الماضي الذي نفضله على حاضرنا!

اوافقك الرأي في نسبة كبيره من رأيك، اعتقد ان سبب نفورنا من الحاضر وهروبنا منه هو السرعة والضغط لا انعدام المعنى، اعتقد ان البحث عن مفهوم يجعلنا نفهم كيف نستشعر اللحظة والحاضر وكيف نستحضر ايجابياته ونستشعرها ونعالج سلبياته ونتعايش معها، هذا المفهوم هو الذي يجعلنا نبرمج عقلنا على عدم الخوف من المستقبل وعدم الهروب من سلبيات الحاضر والحكم عليه بالفشل، اعتقد انه مفهوم الرضا، غير ان معاني الرضا، والثقة بالنفس، والحب، وكل هذه المعاني التي تدفعنا لحب الحياة اصبحت عندنا سطحية او غير مفهومة من وجهة نظري، اصبحنا نتقن الكلام عنها ولا نتقن فهمها واستشعارها، ام ترانا لم نعد نعرف كيف نطبقا؟ لا ادري

تفسيراتك لذلك ممتعة وعميقة ولكن أنا أتبنى تفسيري الخاص الذي كررته هنا وهو اننا نشتاق إلى الماضي حتى لو كان قاسياً لانه ماضي فقط لا غير. ولأنه ماضي فهذا يعني أنه صار مأمونًا بالنسبة لنا. بمعنى أننا قد نجونا منه بحلوه ومره وتخطيناه أما الحاضر فهو مشكوك فيه و المستقبل فمشكوك فيه أكثر وأكثر لأننا لا نعلم المُغيب فيه ونرهبه بشدة لأنه لم يأت بعد ولم نأمنه كما أمنا الماضي. ولكن لماذا نشعر هذا الشعور حيال الماضي و الحاضر و المستقبل؟! أظن الجواب في الوجود و العدم. بمعنى أننا نحب أن نوجد ونحب الحياة ونكره العدم ونكره الموت فأما الماضي فقد عشناه وكانت لنا فيه حياة فلذلك نحتفي به ونحن إليه ونقول: آه لو يعود! ذلك لأننا نريد ان نكرر تجربة العيش مرة اخرى ونحن آمنيني من غائلة العدم و الموت الذي يتربص بنا ولا نعرف له كنه ولا نعلم له موعداً. فالموت أكثر ما ترهبه النفوس أما ما عداه فتجربة حياتية عادية ضمن الحياة وفي هذا يقول شوقي:

داء النفوس وكل داء قبله ......... همٌ نسين مجيئه بذهابه

بسبب زاويتك في النقاش تبادرت في ذهني فكره غريبة! كأن طريقة عقولنا في تلميع الماضي هو ان لا تعكس لنا ما كان عليه الماضي بل ما نحن نفتقده الان في الحاضر!، اعتقد اننا في النهايه عندما نقارن حياتنا الحالية بحياة متخيلة، نخسر متعة الواقع مهما كان جيدا، قد يكون الواقع الحاضر نعيش فيه احلام حققناها بالفعل، لكننا نخسر متعتها بسبب خوفنا الدائم، اعتقد ان هذا الخوف قد اكتسبناه منذ الصغر ومن طرق التربية الخاطئة، ولم نتحصل عليه من خوفنا من المستقبل

اعتقد اننا في النهايه عندما نقارن حياتنا الحالية بحياة متخيلة، نخسر متعة الواقع مهما كان جيدا، قد يكون الواقع الحاضر نعيش فيه احلام حققناها بالفعل، لكننا نخسر متعتها بسبب خوفنا الدائم

جميل أخي يوسف إشارتك إلى هذا المعنى الطريف التليد في آنٍ وأعتقد ان إيليا أبو ماضي أشار إليه في قصيدته كم تشتكي:

إن كنت مكتئبا لعز قدةمضى ,...... هيهات يرجعه إليك تندم

أو كنت تشفق من حلول مصيبة ........... هيهات يمنع ان تحل تجهم

أتزور روحك جنةً فتفوتها ....... كيما تزورك بالظنون جهنم

وترى الحقيقة هيكلاً متجسدًا .....ز فتعافها لوساوس تتُوهم

يا من يجن إلى غدٍ في يومه ........ قد بعت ما تدري بما لا تعلم

لكن ألا ترى أن الشجعان الذين لا يهابون الموت، واليائسين الراغبين في الانتحار .. يُذكر عن بعضهم شوقهم للحظات الماضي .. مع أنهم سالمون من رهبة الموت؟

ومن قال أنهم سالمون من رهبة الموت؟! بل هم يفرون من موت مكرر كل لحظة إلى موت يقضي عليهم للأبد يا صديقي؟! هؤلاء مرضى ونحن هنا نتكلم عن الأصحاء نفسيًا ال1ين يحنون إلى الماضي! وحسبك بيت المتنبي:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ........ وحسب المنايا أن يكن امانيا!

ثم أني لا أصدق أن الشجعان لا يهابون الموت! لا تصدق ذلك ولا تصدق أن الشجاع يدخل الحرب وهو يعلم يقيناً أنه ميت ولكنه يدخلها وفي خاطره فكرة النجاة وإلا فلو تمثل الموت امامه شاخصاً لفر منه فرار السليم من الأجرب! وليست الشجاعة في انعدام الرهبة من الموت ولكن في وجود تلك الرهبة ومغالبتها و الصبر عليها مع وجودها وإلا فلا معنى لغريزة حب البقاء التي تحفظ الجنس البشري التي لولاها لهلك ولم نكن نحن لنتحاور الآن! والتي لولاها لهجم الإنسان الأول على المفترسات أعزلا من رمحه وسيفه وحربته بداعي أنهم لا يهابون الموت ولما كان الإنسان احتال بالأدوات ليتغلب على الطبيعة من حوله!

جوابك مسدد يا صديقي ..

وقد يكون سببًا للحنين للماضي، ولكن لست أراه السبب الاكبر

السبب الاكبر من وجهة نظري نزوع الانسان الى الكمال .. فالمرء لا يفتؤ يطلب الكمال في شأنه وملذاته .. لكن قانون الدنيا يعاكسه

طُبعت على كدر وانت تريدها *** صفوا من الاقذاء والاكدار

ومكلف الايام ضد طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار

فإذا عاكسته الدنيا بالنقص حزن وتكدر حاله .. لكنه لا يتوب عن طمعه في تكميل امره .. حتى إذا أقعده الحال عن ذلك ويأس فزع الى الاماني بتكميل امره بالماضي .. فإذا رأى نفسه (غنيًا لكنه مريض) (وصاحب عائلة لكنه مهموم) (وموظفًا لكنه متعب من العمل) كمّل نقصه بالاماني فحنّ الى الماضي منتقيًا فتمنى أن يعود الماضي حين كان (صحيحًا منشرحًا مرتاحًا) لكنه لا يرضى أن يعود كما كان في الماضي (فقيرًا أعزبًا عاطلًا)

وجهة نظر تستحق أم نتاملها نشكرك عليها يا صديقي....

لكن المنطلق الذي تخرج منه هذه الاحكام واحد: تسخيف الحاضر وتفضيل الماضي عليه.

ذكرتني بمقال لطيف قرأته منذ فترة يتحدث فيه الكاتب عن النوستالجيا أو "الحنين إلى الماضي" يذكر فيه أن ذلك الحنين خادع، فمعظمنا يحب الماضي لمجرد أنه ماضي، والعقل يتجاهل في أحيان كثيرة بعض الصعوبة التي تغلف ذلك الماضي للدرجة التي كان الشخص وقتها يتمنى أن يمضي الوقت ويسدل الستار على المرحلة. يذكر فيه الكاتب بعض قصصه القديمة، وعندما رجع إليها في وقت صفاء ذهنه، وحللها بعقلانية اكتشف أن معظم ما يحن إليه من أشياء سخيف ولا يستحق. الاكتشاف الأهم هنا، هو أننا نقلل من الواقع ونتجاهله بالرغم من أنه بإمكاننا صناعة أوقات سعيدة فيه.

جعلتني اشتاق للبحث عن هذا المقال فمن الواضح انه مفيد، اعتقد ان المسبب الجوهري في هذه النظرة الشعورية المشوهه هو الهروب من قلق (الان) فيستخدم عقلنا الحنين الى الماضي وادوات الخيال كاداة للهروب من القلق والصدمات الحالية وليس حبا في الماضي، ربما الحل هو تفريغ ما في وعينا من مخاوف واسباب هذه المخاوف في ورق عن طريق الكتابة وهذا التفريغ للعقل سيجعل مخاوفنا امام اعيننا نستطيع مناقشتها ورؤيتها بصوره اوضح تجعل منها اسهل في الحل

المقال من كتاب اسمه "اسمار" لمهاب سعيد، عبارة عن مقالات فكرية لها طابع ديني، أنصحك بقراءته.

أتفق مع ما قلت، وأضيف أن عقولنا أحياناً تنسى التفاصيل السيئة أو تتجاهلها وتركز بل وتضخم اللحظات السعيدة.

ربما الحل هو تفريغ ما في وعينا من مخاوف واسباب هذه المخاوف في ورق عن طريق الكتابة وهذا التفريغ للعقل سيجعل مخاوفنا امام اعيننا نستطيع مناقشتها ورؤيتها بصوره اوضح تجعل منها اسهل في الحل

نصيحة جيدة، ينصح بها الأطباء النفسيين لتفريغ الضغط والمشاعر السلبية. غير أنها لم تفلح معي عندما جربتها، بل للأمر نتائج عكسية، أكتب لأنسى، فأتذكر كلما أكتب فيزداد حزني، الأمر محبط ومضحك

وأنا في الستين من عمري، عايشت تلك الروح الجميلة التي تتحدث عنها وأفتقدها كثيرًا اليوم.

ربما حقًا ذاكرتنا تختار أن تضيء اللحظات التي تمنحنا دفئًا وحنينًا، فنرى الماضي أجمل مما كان. ومع ذلك، يبقى الحنين دليلًا على أن تلك الأيام حملت معنى خاصًا لا يغيب.

ما أجمل أن نتعلم من هذا أن نستمتع بحاضرنا قبل أن يصبح هو الآخر ذكرى نشتاق إليها.

alyamama_1 أضف ردا

اليوم الذي تعيشه سصبح من الماضي لذلك عيش يومك بإتقان لعلك بعد زمن تتذكره اصنع منه ذاكره جميله وانصحك لو عدت مراراً وتكرارا وتفكر بأن الماضي سيعود وأنه جميل سأخبرك بأن يوماً ما تستذكر جلستك عندما كنت باسط يدك ع خدك وتعاتب نفسك لماذا لم افعل شيئاً في ذلك الحين لذلك عليك بأن تضع قانون حياتك ( يلي فات مات ) اصنع بصمه جميله لعلك ستتذكرها يوماً ما مع صغارك وبالنسبه الماضي هو جميل لاشك في ذلك لكن أيضاً قدم لنا دروس قاسيه علمنا أن نفكر قبل اي تصرف نفعله لكن أن كنت تسأل ايهما اجمل فسأجيبك " الحاضر " هو الاجمل ... لانه غامض واستقبل كل يوم لدرس جديد اتعلمه