منذ عام ونصف بدأت قصة شغف جديدة لي مع المشي، لقد وقعت في حب المشي بشكل لا يصدق، مع أني كنت في الماضي أعتقد أنه ممارسة مملة وغبية، لكن بعد أن جربته بشكل منتظم، وبعد القراءة حول المشي، اتضح لي أن المشي لي مجرد حركة جسمانية، بل هو فعل فكري فلسفي بالدرجة الأولى، فحين نمشي، نسمح لفكرنا أن يتحرر من قيود الجلوس، كما يقول نيتشه: “الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي.”
في المشي، يتوازن الجسد والعقل، وينكسر زمن الإنتاجية الذي يربطنا بالكراسي والشاشات، أدركت ما يقصده هايدغر بأن المشي يعيد الإنسان إلى “الوجود في العالم”، يعيد ربطنا بالوجود والزمان ، والأجمل من هذا أنه يعيدنا إلى أصلنا الأول، إلى كوننا كائنات أرضية متجذرة في الطبيعة، أننا جزء من الأرض والتراب، ولأن من يمشي يختار العزلة والبطء في عالم يقدّس السرعة فهو يعيد التواصل مع ذاته بشكل عميق وينفتح على صوت عقله ويطبطب على نفسه ويحتويها ويهدهد مخاوفه.
المشي إذًا هو تأمل متحرك، فعل تحرر، وبحث عن معنى خارج الجدران، وبدون مبالغة هو صيدلية متكاملة، فيها دواء للنفس والعقل والجسد وإلهام للفكر.
أخبرني عنك: ماهي طقوسك في المشي؟
التعليقات
خارج الجدران، وبدون مبالغة هو صيدلية متكاملة، فيها دواء للنفس والعقل والجسد وإلهام للفكر. أخبرني عنك: ماهي طقوسك في المشي؟
لا، لا أمشي وحدي ولا مع أحد.
أنا أمشي مع ظلي فقط ذلك الكائن الذي لا يتكلم ولا يصمت، لا يسبقني ولا يتأخر، لكنه يذكّرني دائمًا أن الوحدة مجرد وهم، وأن الرفقة لا تُقاس بالبشر بل بالوعي.
فحين أمشي، لا أحتاج صديقًا يسير بجانبي، بل فكرة تمشي داخلي. الطريق ليس مكانًا لأحاديث الآخرين، بل مختبر لحديثي مع نفسي، حيث تتكشّف الطبقات الخفية من الذاكرة والوجع والجمال.
لذلك، لا أبحث عن من يشاركني الخطوة، بل عن من يستطيع أن يفهم الصمت بين الخطوتين.
والله طريقتك في الحديث عن المشي جعلتني أنظر إليه بطريقة مختلفة. أنا من الأشخاص اللي لا يحبون المشي إطلاقًا، بل أجد نفسي أبحث دائمًا عن أي وسيلة مواصلات مهما كانت المسافة قصيرة، فقط لأتجنب المشي، ربما من الكسل أو من اعتيادي على الراحة الزائدة. لكن بعد وصفك له كمصدر للإلهام وأثره العميق على النفس والعقل والجسد شعرت بمجرد قراءة كلماتك بارتياح نفسي ورغبة في تجربته فعليًا. لذلك قررت أن أستبدل ركوب السياره بالمشي، وربما أبدأ في جعله عادة لأرى إن كان سيحدث فيَّ هذا التوازن الذي وصفتيه
بالنسبة لي المشي من الأمور التي تجعلني أشعر بالسعادة وأني حية فعليا، أحب أمشي بمفردي أحيانا عندما يكون عقلي مشوش بالتفكير أو به زخم أفكار وبه زحمة أو مع مجموعة ممن أتوافق معهم جدا إن كان الغرض ترفيهي.
أحب المشي بأي مكان لا يهم لأني غالبا أثناء المشي أكون منفصلة عمن حولي وهناك حوار داخلي يدور بيني وبين نفسي بدردشة سريعة ولا أحب وضع سماعات أو الحديث بالهاتف، أفضل أن أكون كما أنا بدون أي شيء يشغلني؟
نورا ،،، ألا تدركين أن هذا التنقل بين المشي الفردي والجماعي حسب حالتكِ المزاجية هو أبعد ما يكون عن الجوهر الفلسفي للمشي؟ إنه نزوة عابرة، ليس أكثر. عندما يقول نيتشه وهايدغر أن المشي يعيدنا إلى أصلنا الوجودي، فليس المقصود بهذه الانفصالية السلبية التي تتباهين بها، التي تشبه هروبًا من الواقع بدلاً من مواجهته.
أنتِ تشبهين ذلك الشخص الذي يدخل مكتبة مليئة بالكتب النادرة ليقرأ العناوين فقط ثم يخرج معتقدًا أنه أصبح مثقفًا. لقد وقفت على عتبة الباب ولم تجرؤ حتى على دخول عالم الأفكار الحقيقية.
المشي الفلسفي الذي تحدثنا عنه يحتاج إلى عقل متأمل، لا إلى عقل مشوش كما وصفت نفسك. يحتاج إلى شجاعة المواجهة مع الذات، وليس الهروب منها عبر الدردشة السريعة
قد يكون المشي عند نيتشه وهايدغر تجربة فلسفية وجودية عميقة، لكن ليس بالضرورة أن يعيشه الجميع بنفس الطريقة. المشي في جوهره ممارسة شخصية جدًا، يختلف معناها من فرد لآخر.
فهو بالنسبة لي طريقة بسيطة لترتيب أفكاري، وأحيانًا لمجرد الاستمتاع باللحظة. لا أعتقد أن هناك طريقة صحيحة واحدة للمشي أو للتأمل، فكلامهم ليس قرآنا نسير عليه، كل شخص يطوع ذلك حسب شخصيته، فالقيمة الحقيقية تكمن في ما يضيفه للفرد. بالنسبة لي هذا الأسلوب يوصلني للحالة التي أطمح لها، سواء من التأمل والحديث مع الذات ويكفيني أن أشعر بالصفاء والهدوء.
جميل أنك ترين المشي ممارسة شخصية، لكن هذا التعليل المريح لا يختلف كثيرًا عن قول من يهرب من العمق بحجة الحرية في التفسير...
حين تتحدثين عن المشي وكأنه مساحة صفاء أو لحظة هدوء، تبدين وكأنك تضعين زهرة على سطح بحيرة وتقولين: ها أنا أتأمل. لكن الفعل الفلسفي ليس زينة، بل اصطدام بالذات، وخلخلة لما نظنه بديهيًّا. نيتشه لم يكن يتحدث عن المشي كرياضة للعقل المتعب، بل كتمرّد ضد ثقل الوجود، كحركة تحرر من الركود. أما قولك القيمة فيما يضيفه لي المشي، فهو أشبه بحديث المستهلك لا المفكر — لأن الفلسفة لا تُقاس بمدى الراحة، بل بمدى قدرتها على زعزعة الراحة ذاتها...
تبسيط الفعل بحجة أنه شخصي يشبه من تقول:
أرى النار كما أشاء، ليست حرارةً بل ضوءًا جميلًا فقط.
هذا التبسيط قد يُرضي الذائقة، لكنه لا يُشعل الوعي.
الفعل الفلسفي لا يتشكل على قياس النفس، بل يُعيد تشكيل النفس نفسها.
الفلسفة ليست وصاية ولا وصفة جاهزة، نيتشه وهايدغر قدما رؤاهم، حتى الفلاسفة بينهم قد يختلفوا بالرؤى ووجهات النظر والتفسير، بل قد تجد مدارس فلسفية متضاربة ومتضادة، لذا لا أحد يحتكر معنى المشي أو يملك تعريفًا نهائيًا له. بالنسبة لك هو اصطدام بالذات، وبالنسبة لي هو صفاء وهدوء، وكلاهما وجهان للتجربة الإنسانية. الفلسفة الحقيقية تبدأ حين نعترف بتعدد القراءات لا حين نفرض قراءة واحدة.
ما تقولينه د. نورا صحيح عن تعدد الرؤى في الفلسفة ، لكنه لا يمنحنا ترف المساواة بين كل قراءة وأخرى.
الفلسفة ليست وصاية، نعم، لكنها أيضًا ليست فوضى تأويل حيث تتحول كل وجهة نظر إلى حقيقة مكافئة.
الفكر لا يُقاس بكونه مختلفًا فحسب، بل بمقدار عمقه في لمس جوهر الوجود. القول إن لكلٍّ مشيه الخاص لا يصنع فكرًا، بل يذوّب الفكر في مشاعر ذاتية.الاختلاف في الفلسفة ليس هدفًا بذاته، بل نتيجة لبحثٍ في المعنى، لا هروبٍ منه... الفلسفة الحقيقية تبدأ حين نُخضع التجربة للتساؤل لا حين نُبررها،وحين نبحث عن ما وراء الشعور، لا حين نكتفي بالشعور نفسه...الاعتراف بتعدد القراءات لا يعني غياب المعايير، بل الإقرار بأن هناك قراءات أعمق وأقدر على ملامسة جوهر الفعل الإنساني.والمشي — كما طرحه في المساهمة ليس مجرد حالة صفاء، بل اختبار لمدى قدرتنا على مواجهة الذات خارج المألوف.
تعدد القراءات لا يعني أننا نساوي بينها كلها، هذا صحيح. لكن لا يكفي أن نقول إن هناك قراءات أعمق من غيرها من غير أن نحدد ما هو المعيار الذي نقيس به العمق؟ أهو طريقة التحليل؟ أم قوة الدليل؟ أم القدرة على اختبار الفكرة؟ من دون هذا التحديد، تبقى كلمة العمق مجرد انطباع شخصي لا برهان يمكن الاعتماد عليه.
فاختياري للمشي مدخلًا لترتيب ذهني ليس تبريرًا ولا هروبًا إنما هو ممارسة عملية ألاحظ، وأتساءل، وأدون، ثم أعود للتفكير من جديد.
ثم إن الفصل بين الخبرة الشخصية والفكر ليس أمرًا مسلّما؛ فمدارس فلسفية كاملة انطلقت من التجربة المعاشة بوصفها مادةً للتساؤل، لا ذوبانًا فيه كما تقول. سؤالي البسيط هو ما الأسئلة التي ترى أن تجربتي في المشي تعجز عن الإجابة عنها؟ وما الذي تسميه ما وراء الشعور بطريقة يمكن مناقشتها وفحصها؟
فاختياري للمشي مدخلًا لترتيب ذهني ليس تبريرًا ولا هروبًا إنما هو ممارسة عملية ألاحظ، وأتساءل، وأدون، ثم أعود للتفكير من جديد.
على العكس تماما، أحيانا يصبح المشي نفسه هو الباب للخروج من التنظير إلى الفعل ومن القول إلى العمل، المشيء في حد ذاته هو ممارسة عملية تحاكي سيرورة التفكير، لذلك نجد أن الفلسفة اليونانية التي هي مهد كل الفلسفات كانت مرتبطة بالمشي، كجزء من الدرس الفلسفي، مدارس كبرى تأسست على المشي، مثل المدرسة الرواقية، المدرسة المشائية، المدرسة الكلبية وغيرها.
لا يوجد أي تعارض بين المشي كممارسة شخصية وبينه كفعل فلسفي، الأمران مرتبطان وليسا معارضان بالأساس.
المشي شبيه جدا بالكتابة، أنه عملية شخصية فردية تجعل الشخص في مواجهة مع أسئلته القلقة وتضعه أمام اختبارات حقيقية للفهم ، لايمكنك أن تكون في المشي إلا مصاحباً لأفكارك ، مرافقاً لأسئلتك الوجودية ، وهنا يختلف كما اشرت، المشي الرياضي كما نعرفه حديثا عن المشي المتأني الذي يعيدك لذاتك .
لنتفق أولا أن نتيشه وهايدغر هما في هذا السياق مجرد مثالين، ولا يمثلان الفلسفة كلها أو كل الأراء الفلسفية حول المشي.
ثانيا، لا ينكر أحد أن المشي ممارسة شخصية، بل أن أهمية المشي وفعاليته نابعة أصلا من كونه ممارسة فردية داعمة للاختلاف ، قادرة على خلق نواتج فكرية متنوعة ومختلفة، وهذا ما تريده الفلسفة أصلا.
أعتقد أن طريقة وفائدة المشي تختلف من شخص لآخر، فأنا مثلًا قد أفضل المشي تحت ظل الأشجار بالأماكن الخالية من البشر أحيانًا، وفي أحيان أخرى قد أفضل المشي بالأماكن المزدحمة كالأسواق ومشاهدة المعروضات والمنتجات، فلكل خاطر أو فكرة أو حالة نفسية يمر بها الشخص قد يكون هناك طريقة مشي أو وسيلة للتنفيس عما يختمر بداخلنا.
نيتشه وهايدغر ليسوا أنبياء
الفلسفة مجرد تأملات تصدق أحيانًا وتخطئ كثيرًا وتظل دائمًا حائرة ..
الدعوة الى التأمل والتفكير حسنة .. لكن تكبيل النفس في اقوال بعض الفلاسفة جمود
محمد الأول .. لماذا التعقيد .. كلمة نبي حصرناها في مكان ضيق جداُ .. هل الهندوس والبوزيين أفضل منا؟ .. فهم لا يقولون لبوذا نبي أو شيفا نبي .. فإنما يطلقون عليهم إسم "قورو" (Guru) ومعناها: الذي يلقي الضوء على الشئ ويجعلك ترى جيداُ .. لذلك عند ذكرهم محمد ﷺ يقولون "قورو" أيضاً .. أما كلمة "نبي" محصورة جداً .. فقل لي بالله عليك ما الذي انبأ به محمد ﷺ؟ الجنة والنار والحساب يوم القيامة؟؟ هذا كله موجود كتب الهندوس مثل "القيتا" من قبل 15 الف سنة ..
ثم انك إذا تدبرت كلام هولاء الفلاسفة ستجده لا يخرج عما قاله محمد ﷺ ولكن ربما بأسلوب مختلف يناسب عصرنا ..
الدعوة الى التأمل والتفكير حسنة .. لكن تكبيل النفس في اقوال بعض الفلاسفة جمود
لا أحد يكبل نفسه سوى المسلمين .. لقد جلست مع هندوس وبوذيون وملاحدة .. لا أحد يكبل نفسه سوى المسلمين ..
تحياتي لك أخي محمد الأول من عباس الثاني
المشي فعلا أكثر من مجرد حركة جسدية، إنه تجربة وجودية كاملة تعيدنا إلى إيقاع الطبيعة وإلى بساطة العيش، ما ذكرته عن تحرر الفكر أثناء المشي يذكّرني بكتّاب وفلاسفة كثيرين اعتادوا المشي كطقس يومي للكتابة والتفكير، فثمة انسجام خفي بين خطواتنا وإيقاع أفكارنا يجعل العقل أكثر صفاء وقدرة على التأمل، أعتقد أن سر جمال المشي يكمن في أنه لا يتطلب منا هدفا محددا، بل يتركنا نسير نحو الداخل، نحو أنفسنا قبل أي مكان آخر، بالنسبة لي، طقوسي المفضلة في المشي تكون في الأوقات الهادئة من النهار، حين يختلط ضوء الشمس بنسمة خفيفة، ومعها تبدأ الأفكار تتدفق بلا جهد وكأنها تسير معي، ماذا عنك؟ هل تفضلين المشي وحدك أم تجدين متعة أكبر في مشاركته مع شخص آخر؟