صباح الخير

يقول المثاليون إنَّ الموضوع لا قيمة (وجود) له بدون الذات، وعلى نفس المنوال وجدتُ أنَّ الكلمات، والعبارات، والتحيات، وحتى السُّباب، لا قيمة لها إلا من خلال القائل؛ لأنَّ قيمة الكلمات والمواقف تنبع من قائليها وسياقهم، لا من ذاتها.

مثلًا، عندما أفتح تطبيق المحادثات وأجد رسالة من مجهول يقول أو تقول فيها: "بحبك"، لن يكون هناك صدى بداخلي بعد وقوع عيني عليها، لأنها ببساطة من مجهول. أما إذا وجدتُ نفس الكلمة، لكنها مُرسلة من تلك الفتاة التي أحادثها بلطف منذ شهرين، هنا يختلف الأمر، وتتبدل الانفعالات، وينبض الفؤاد.

فعندما يُلقي عليَّ أحدهم تهمةً ما، يختلف رد فعلي عما يكون عليه إذا ألقاها عليَّ صديقي المُقرَّب؛ ففي الموقف الأول سأحاول الدفاع عن نفسي أو التبرير، أما في الموقف الثاني، فلن أفعل شيئًا أصلًا من أثر وقع الصدمة، لأنَّ صديقي هو الذي يظن بي ذلك.

"صباح الخير" عبارة خاوية من المعنى في ذاتها؛ فعندما تقولها لك أمك بعد الظهر، مثلًا، تكون تهكمية، وعندما يقولها لك زميلك في العمل تكون روتينية، وعندما يقولها الدكتور في الجامعة تكون استفتاحية، وعندما تقولها لك محبوبتك تكون وجدانية.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

George_Nabelyoun أضف ردا

يقول الوجوديون فعلاً أن الموضوع لا قيمة له بدون الذات، وهذا يمثل استغراق في الذاتية مبالغ فيه في رأيي، فقبل الإنسان كان هناك حياة تظل آثارها باقية سواء كان أتى الإنسان بذاته أم لم يأت.

لكن بالفعل هناك مواقف (إنسانية) يتحكم في قيمتها الذات والموضوع على حد سواء، فعلى ذكر مثالك:

"صباح الخير" عبارة خاوية من المعنى في ذاتها؛ فعندما تقولها لك أمك بعد الظهر

لو كانت بنت تشاجرت مع أمها وباتت ليلتها حزينة بسبب ذلك، فكلمة صباح الخير بعد الظهر ستعني لها كل الفرح والغبطة، فمعناها أن الأم تناست الشجار، وهكذا يكون للذات تأثير.

أجد رسالة من مجهول يقول أو تقول فيها: "بحبك"، 

لو لم تكن معجباً بالفتاة لما فرقت الكلمة عن أن يقولها مجهول، بل ربما حملت رسالة "المجهولة" قدر أكبر من التشويق، وهكذا تكون ذات المتلقي لها تأثير كبير..

وفي نفس المعنى شاركت بمساهمة تقارب أمثلة مختلفة:

ما كتبته ليس مجرد تأمل عابر بل هو تفكيك عميق لمعنى التواصل الإنساني وتجلي واضح لفكرة أن القيمة لا تكمن في الكلمة بل في القائل والسياق

لقد لامست بكلماتك جوهر العلاقة بين الذات واللغة وبين المشاعر والمعاني حيث لا تصبح العبارة ذات وقع إلا حين تخرج من شخص له مكانته في قلوبنا أو يحمل موقفًا يؤثر فينا

أعجبتني قدرتك على إبراز التباين بين المعنى الحرفي والمعنى الشعوري للكلمة وكيف أن السياق الشخصي قد يحمّل أبسط العبارات بأثقل المشاعر أو يسحب منها كل قيمة

إننا لا نتأثر بالكلمات لأنها جميلة فحسب بل لأنها صادرة عن من نحب أو من نخشاه أو من ننتظر منه شيئًا وهنا تظهر قوة الذات القائلة لا الموضوع المنطوق

شكرًا لهذا الطرح الهادئ والعميق الذي يدعونا لأن نكون أكثر وعيًا في تعاملنا مع اللغة وأكثر إنصافًا في فهمنا لمواقف الآخرين

فكلماتهم ليست وحدها ما يؤثر بل علاقتنا بهم وسياقهم في حياتنا هو ما يمنحها هذا الثقل