صراع التأويل والكشف

  • AJ11

اللغة بين نيتشه وهيدغر: صراع التأويل والكشف

يختلف نيتشه جذريًا عن هيدغر في تصورهما لدور اللغة في تشكيل المعرفة والوجود:

يرى نيتشه أن اللغة أداة تأويلية يتم استخدامها لإعادة تشكيل الواقع وفق إرادة القوة.  والحقيقة عنده، ليست سوى استعارات لغوية مُتَكَلِّسة فُرضت اجتماعيًا، وبالتالي فهي خطابات مُقَنَّعة وقابلة للتلاعب.

وأما هيدغر، فيعتبر اللغة مأوى الوجود، حيث تُستخدم للكشف عن المعاني المتخفية في الواقع. وبالنسبة له، فاللغة ليست أداة خادعة، بل هي وسيلة للكشف التدريجي عن الحقيقة عبر زمانية الكائن المُتواجِد (ترجمتي للدّازاين) وسياق تجربته الوجودية.

ففي حين يرى نيتشه أن اللغة تُشوّه الحقيقة، يُؤمن هيدغر بأنها تُنير الطريق إليها. بيد أنهما يتفقان في تمثل مفهوم الحقيقة من خلال رفض النظرة الإطلاقية، وفتح الباب أمام رؤية تنسيبية تنظر إلى الحقيقة كعملية مستمرة من الكشف والتأويل.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أظن أن كليهما يعرض جانباً أصيلاً من حقيقة اللغة، يتوقف ذلك على حقيقة جوهر من يستخدم هذه اللغة، والوقت الذي يستخدمها فيه، فقد تكون اللغة كما قال نيشتة وسيلة لإعادة تشكيل الواقع وفق إرادة القوة الخالصة إن تم استخدامها لغرض تحقيق المنافع والمصلحة الذاتية على سبيل المثال.

وقد تكون السبيل الذي يتلمس به المرء حقيقة وجوده الحر والعميق، كما قال هيدجر في بحثه الفلسفي عن معاني الوجود والكينونة الأصيلة.

صدقت أخي جورج، وهذا ما أسميه بمنظورية الحقيقة في ذاتها، واللغة وسيلة للولوج إلى حروف منظور من مناظير الحقيقة. شكرا على تفاعلك.

ففي حين يرى نيتشه أن اللغة تُشوّه الحقيقة

نيتشه هنا يمثلني أرى رأيه؛ اللغة حجاب على الواقع كما قال النفري في مخاطاباته أو مواقفه على ما أتذكر. ما اللغة إلا رمز للمرموز إليه فعندما أقول شجرة فأي شجرة أعني. عبقرية اللغة في التجريد وهذا نفعنا جداً في الفهم و الإصطلاح و التفاهم فيما بيننا ولكنه أبعدنا عن حقائق الأشياء. فالإنسان الأول قبل اختراع اللغة كان يأخذ أحدهم من ذراعه ويريه الشيئ الذي يتحدث عنه ولم يفهم التجريد و التعميم. فلا يصح في الواقع أن نطلق لفظ شجرة على كل أشجار العالم لأنها غير متاطبقة أو متمايزة. من الأفضل أن نقول مثلاً شجرة 1، شجرة2، شجر 3 .....إلخ مثلاً إذا أردنا الدقة....

اللغة تحررنا من الأشياء، وهذا حقيقي ومفيد في التواصل. ولكن فيلسوفا عميقا مثل نيتشه ينبهنا لإلى ما قد يُعَبَّرُ عنه بمكر اللغة. فما قد نسميه أحيانا تواضعا يكون في حقيقة الأمر تخاذلا وانحطاط همة. وما قد نطلق عليه حبا قد لا يعدو مجرد نزوة أو رغبة قوية في التملك. وما قد نحكم عليه بالمنطق ونعده حكما معقولا قد لا يكون لا يكون سوى اندفاعات قهرية قادمة من ترسبات اللاشعور. وهكذا ...

كلام جميل مفهوم. ولكن كيف ترى أصل اللغة بما أنك أثرت مووضع اللغة؟ يعني هل توقيفية أم اصطلاحية أم توقيفية اصطلاحية كما رأي ابن جني وغيره؟

رأيي الشخصي في الموضوع:

إن الجدل حول أصل اللغة يعكس بالضرورة اختلاف زوايا النظر بين ما هو فلسفي وما هو ديني وما هو لغوي تجريبي.

إذا أخذنا بعين الاعتبار فلسفة الصيرورة والتجذر في الواقع، فإن رأي ابن جني يبدو الأقرب إلى موقفي، حيث يجمع بين لحظة البدء الأولى (الجوهر الإلهي المتجه نحو الاكتمال) وبين عملية النمو التدريجي التي تتجسد في الإبداع البشري عبر الزمن.

هذا التصور يسمح باعتبار اللغة كـنبض متجدد، حيث تعكس أبعادًا ثابتة وأخرى متغيرة، وتشهد تطورًا مستمرًا في سياق تفاعل الإنسان مع واقعه وحاجاته.

أنا أيضاً اتفق مع رأي ابن جني في نشأة اللغة ولا يسعني أن أتصور أن أوائل البشر توافقوا وأصبح للغة هذا الشأن. ولكني من فترة كنت أقرأ في طبيعة الحروف أو أسرارها وأن لكل حرف سر خاص به وطبيعة خاصة به. بمعنى أن هناك اسرار جوهرية الحروف والارقام وهذا يعرف منه (بحسب علوم اراها زائفة في معظمها) حظوظ الإنسان. هل تعتقد في أن للحروف معاني خاصة تشي بحظوظ الإنسان في الحياة؟

رأيي في المسألة هو رأي الفارابي كما عبر عنه في كتابه الكبير: "الحروف".

فالفارابي يُوازن بين التوقيف الإلهي والاصطلاح الاجتماعي في نشأة اللغة، مُقدمًا رؤية مرنة تُوائم بين الدين والفلسفة.

فهو يرفض أي نظرة غيبية أو سحرية للحروف، لكنه يُقر بأنها تمتلك قوة رمزية وجمالية تتجاوز مجرد التواصل.

ويرى كذلك أن اللغة أداة عقلية للكشف عن المفاهيم المجردة والمعاني العميقة، لكنها تظل محدودة في قدرتها على التعبير عن الحقائق المطلقة.

أرى أنه يُمكننا الاستفادة من مثل هذه التأويلات كأدوات تأملية أو شعرية تُضيء علاقتنا باللغة والوجود، ولكن علينا التمييز بينها وبين المعارف العلمية الدقيقة.

حاولت كثيراً القرأة في الفلسفة ولكن انتهت كل المحاولات بالفشل، ربما أكون فهمت بنسبة جيدة في المنطق ولكن في الفلسفة أشعر أنني جاهل تماماً، ومن الواضح أنك تفهمها وتجيد قرأتها لذلك أطمع أن توجهني لكتاب أو دورة أو ما شابه يجعلني قادر على فهمها والتعمق بها

أُقدِّر شعورك بأنك لم تفهم الفلسفة. وأؤكد لك أنه شعور طبيعي يمر به أغلب المبتدئين، وأحياناً حتى المحترفين عندما يواجهون نصوصاً معقدة. والفلسفة نشاط عقلي يحتاج إلى صبر وممارسة لأنها تهتم بأسئلة عميقة ومفتوحة وبلغة تجريدية قد تبدو مربكة في البداية. ولكن بما أنك وجدت نفسك مرتاحًا مع المنطق، فأنت تتوفر على أساس جيد جدًا لفهم الحجج وتحليلها ولذلك أقترح عليك البدء بمقدمات فلسفية بسيطة مثل:

كتاب "عالم صوفي" لـ جوستاين غاردر: رواية شيقة تقدم تاريخ الفلسفة وأفكار الفلاسفة بأسلوب قصصي سهل.

ويمكنك الانتقال بعد ذلك إلى كتب مختصرة عن الفلاسفة مثل:

"تاريخ الفلسفة الغربية" لـ برتراند راسل، وهو كتاب شامل وواضح نسبيا.

متابعة محاضرات على الإنترنت مثل قناة CrashCourse Philosophy على اليوتيوب فهي تقدم دروسًا مشروحة ببساطة، بشرط إتقان الإنجليزية.

أو قناة Le précepteur على اليوتيوب أيضا لصاحبها Charles Robin إذا كنت تتقن الفرنسية.

وأخيرًا، لا داعي للشعور بالارتباك أو الجهل فكلنا مررْنا من الطريق ذاتها. و الفلسفة عموما هي فن التساؤل، وليست تهتم بالحصول الفوري على الأجوبة. حاول أن تتدرّج ببطء وتنتقل شيئا فشيئا من البسيط إلى المعقد، فالأكثر عمقًا، كأن تبدأ بمحاورات أفلاطون كلها، ثم تنتقل إلى كتب أرسطو في الميتافيزيقا والطبيعة، وبعد ذلك تقرأ تأملات ديكارت، ثم أفضل أن تبدا في قراءة كتب إبراهيم زكريا قبل اقتحام كتب كانط الأساسية في العقل. إذا حققت هذه الحصيلة بتأنٍّ أضمن لك القدرة على مواصلة البحث الفلسفي من خلال مناقشة المتخصصين في الفلسفة على المواقع الافتراضية مثلا، أو في الجامعة إذا أمكنك. حظا موفقا عزيزي صلاح.

مقارنتك بين نيتشه وهيدجر حول اللغة والوجود مثيرة للاهتمام. هل يمكنك توضيح كيف يمكن تطبيق مفهوم "اللغة كأداة للكشف" في الحياة اليومية؟

سأحاول قدر الإمكان اختصار الجواب لأن السؤال يبدو بسيطا مكونا من كلمات قليلة ولكن الإجابة عنه تتطلب الإشارة إلى العديد من المفاهيم المركزية في فلسفة هيدغر والتي يُحدِث عدم فهمها ثغرات في استيعاب المعنى المقصود.

أولا يعتبر هيدغر الحقيقة انكشافا يتأتى للإنسان الانفتاح عليه من خلا اللغة باعتبارها مأوى للوجود يسكنه الإنسان، ويرفض النظر إلى الحقيقة باعتبارها مطابقة للفكر مع الواقع.

ويتأتى هذا الطريق نحو اللغة من خلال الإصغاء إلى نداء الكينونة، فحتى الصمت يفسح المجال للغة لتتحدث بكينونتنا نحن. ولكن تجد الكينونة تعبيرها الأسمى في الفن والشعر خصوصا. ولنضرب مثالا بهذه الأسطر الشعرية لأدونيس من قصيدته البرزخ:

للأساطير التي تحضن أيامي

وللحلم الذي يحنو عليّ

أغسل التاريخ ماقال وما أنكره

بإشارات الفجر التي يرسلها إليّ

...

زَهَرُ الحب على طاولة الريح مناديل هباء

...

أيسمى فشلا أن يعجز الماء عن النطق

وألا يقدر البحر على قتل حصاة

...

دمي طفل سؤال!

إن مثل هذه الشذرات التي انتقيتها من القصيدة تقول أكثر مما تقول لغة التواصل، إنها تضيء الكينونة، وتحمل على يقظة الشعور بسمو الوجود.

وكذلك في لغة التواصل اليومي حين يقول أحدنا أما أعشق الحرية مثلا، فما حقيقة العشق؟ وما معنى السفر؟ وهل أعشق السفر كما أعشق محبوبتي؟ وإذا كان العشق مُختلفا فمن أين مأتى كل واحد منهما؟ وهل يصح قولنا عن كليهما عشق؟ أم ربما كان مجرد شوق؟ وهكذا يمكن التحقق من الوجود الزائف، الوجود مع الآخرين يجعلنا ننسى وجودنا الأصيل.