لماذا نعلي من شأن بعض المهن، ونقلل من شأن الآخرى؟
- khouloud_benzeghba
- 2023-10-12T18:01:14+00:00
كلنا سمعنا عن ذلك المستقل أو العامل الحر الذي تقدم لخطبة أحد وتم رفضه، بداعي الاشتباه في مهنته غير المعترف فيها، أو عن ذلك السباط أو البناء الذي يقبض أعلى من نصف المهن المكتبية والكل يتهافت عليه ويطلب خدماته، لكن عندما يريد أن يتقدم للزواج لا يقبله أحد أو على الأقل يُنظر له نظرة دونية، حتى أن الآباء يمنعون أبناءهم من العمل في بعض المهن المحتقرة مثل أعمال البناء، السباكة، النجارة.. الأعمال اليدوية عموما، فماهو السبب في ذلك؟ لماذا يردنا أباءنا أن نكون كلنا أطباء أو مهندسين أو معلمين على الأقل؟
السبب ببساطة راجع الى المستوى الفكري وطبيعة الشعوب نفسها، إذ توجد شعوب عملية بطبيعتيها وشعوب تأملية، واذا رجعنا إلى تاريخ احتقار المهن نجد أنه قديم جدا قدم المهن نفسها، نجد في الحضارة اليونانية يتم احتقار المهن الفكرية، والفنون والأعمال ذات البعد العقلي، وتعلي من المهن اليدوية والصناعات والحرف، فالصنعة في ذلك الوقت أهم من الحكمة والفكرة، لذلك كانت لا تعطى أهمية لأشخاص الذين يمتهنون مهن غير عضلية مثل الكاتب أو الفنان أو المدرس، لهذا نسمع أن سقراط كان يتم التنمر عليه والسخرية منه دائما لأن الشعب اليوناني لا يعتبر التعليم مهنة أصلا.
لذلك مستوى التفكير وطريقة الحياة تجعل بعض المهن أهم من بعضها الاخر، فالشعوب القديمة تهتم بالمهن اليدوية لأنها كانت تلبي احتياجاتها أكثر، أما اليوم فالمهن الفكرية هي الأعلى.
في رأيكم ما هي الأسباب التي تجعلنا نعلي من بعض المهن ونقلل من الأخرى، وهل هناك مهنة بعينها يستحيل عليك العمل بها؟
أتفق معك في أن احتقار بعض المهن وتعظيم بعضها الآخر يرجع إلى عوامل مختلفة تتغير مع الزمان والمكان والثقافة، وأنه لا يوجد مهنة أفضل من أخرى بحد ذاتها، بل كل مهنة لها قيمتها وأهميتها في المجتمع.
فعلى سبيل المثال فالعرض والطلب عامل مهم، فبعض المهن تكون مطلوبة جدا في سوق العمل بسبب ندرتها أو صعوبتها أو احتياجها لمهارات خاصة، مثل المبرمجين أو المحاسبين أو المهندسين، وبعضها تكون متوفرة بكثرة ولا تحتاج إلى شروط كثيرة، مثل الخدم السائقين أو الحراس أو البائعين.
وكذلك الدخل والمكانة، فبعض المهن تحقق دخلا عاليا وتمنح صاحبها مكانة اجتماعية وسياسية وإعلامية، مثل الفنانين أو الرياضيين أو السياسيين، وبعضها تكون ذات دخل منخفض ولا تبرز في المجتمع، مثل الفلاحين أو الصناع أو الحرفيين.
أظن ان هذه العوامل هي التي تسبب تلك الفروقات في تفضيلات العمل، أما بالنسبة لسؤالك عن المهنة التي يستحيل علي العمل بها، فأظن أن هذا يعتمد على شخصية كل فرد وميله وقدراته وظروفه، فلا يمكن إجبار شخص على مزاولة مهنة لا يحبها أو لا يجيدها أو لا تتناسب مع حالته. وبالنسبة لي أفضل ان لا أذكر مهنة معينة حتى لا يحزن أصحابها، أو يظن المجتمع أني عنصري.
إلا أن الزواج أكبر من مهنة، مثلًا لا يمكن لوالدي أن يقبل بفنان مثلًا كزوج لابنته، بينما سيتهافت الكثيرين لأن يكون صهرهم، هذا طبيعي، ولكل منا أفكاره ومبادئه، ولكن مثل هذه التصنيفات التي ذكرتها تذكرنا بأن الأمر قائم على المال و "الفخفخة" يعني أن يقولوا فلانة تزوج المهندس فلان بغض النظر عما إّا كان المهندس فلان مناسبًا أو لا.
فعلى سبيل المثال فالعرض والطلب عامل مهم، فبعض المهن تكون مطلوبة جدا في سوق العمل بسبب ندرتها أو صعوبتها أو احتياجها لمهارات خاصة، مثل المبرمجين أو المحاسبين أو المهندسين، وبعضها تكون متوفرة بكثرة ولا تحتاج إلى شروط كثيرة، مثل الخدم السائقين أو الحراس أو البائعين.
لا اتفق معك في هذا الامر ...
ليست كل المهن محكومة بقانون العرض والطلب مع انه عامل مهم في معضمها.
ستجد الاعمال على الانرنت مثلا عليها طلب كبير جدا ويوجد آلاف الكتاب مثلا لكن هذا لا يعني انها مهن منبوذه رغم وجود عرض وطلب كبير عليها ، ولكن ثقافة العرب في عدم الثقة في العمل الحر تجعلهم ينبذونه لخوفهم منه واشتباههم فيه.
نفس الشي مثلا بالنسبة لاعمال معينة مثل الحفر في المناجم ، مع ان هذا عمل يحتاج الى مهندسين وخبراء وان مثل هذا العمل اليوم يحتاج الى شهاذات عليا في تسيير الاليات ضخمة ومعقدة وسنوات من التكوين ، ورغم انه عمل مجزي لكن المجتمع يحتقر عمال المناجم ....
فالفكرة ليست دائما عرض وطلب .
بالعكس كل شيء محكوم بالعرض والطلب، والأمر نسية وتناسب، بالنسبة للكتاب لقد قلت الالاف ولكن كنسبة وتناسب عددهم قليل جدا.
لقد قلت أن بعض الأعمال مثل الحفر في المناجم تحتاج إلى مهارات وشهادات عالية ، ولكن المجتمع يحتقر عمال المناجم. هل تظن أن هذا ناتج عن جهل المجتمع بطبيعة هذه المهنة ، أم عن رغبة في التفرقة بين الطبقات الاجتماعية؟ هل تظن أن هذه المهارات والشهادات تكفي لجذب المزيد من الشباب إلى هذه المهنة ، أم أن هناك حوافز أخرى مطلوبة؟
هل تظن أن هذا ناتج عن جهل المجتمع بطبيعة هذه المهنة ، أم عن رغبة في التفرقة بين الطبقات الاجتماعية؟ هل تظن أن هذه المهارات والشهادات تكفي لجذب المزيد من الشباب إلى هذه المهنة ، أم أن هناك حوافز أخرى مطلوبة؟
المجتمع ذكي جدا في هذه الامور وفي نفس الوقت لذيه لاوعيه الخاص الذي يجعله يحكم على بعض الامور دون اي وعي منه لكنها عادةما تكون صحيحة.
دعني اوضح اكثر في هذه المسألة، ولنأخذ نفس المثال مثال عمال المناجم.
صرنا نعلم الان ان عامل المناجم لا يخضع لقانون السوق بالعرض والطلب، فعامل المناجم مطلوب بشدة ولذيه راتب جيد جدا احسن من اغلب الاعمال الادارية الامنة، لكن مع ذلك لا ينظر إليه المجتمع بشكل يليق به لعدة أسباب منها:
- علاقة العمل بفكرة النظافة والترتيب : فالمجتمع بفعل تطوره الحضاري ينظر للاعمال النظيفة والعامل المهندم النرتب على أنه أجدر بالاحترام وعلى العكس من ذلك العامل ذو المظهر المزري يبدوا للمجتمع منفر، فحتى مهندس البترول رغم شهادته وراتبه العالي يعتبر منفر للمجتمع في هيئته، وكلنا نرى هذا النفور عند الطلبة الجدد عند اختيار تخصصاتهم في الجامعة، حين يعلمون أن مهنة ما تحتاج الى تضحيات في المظهر الخارجي للعامل
- علاقة العمل بالامان والخطر، كل الاعمال عالية المخاطر هي اعمال منبودة من المجتمع حتى لو كان راتبها عليا، فلا أحد سيرغب في تزويج ابنته من عامل مهدد بالموت في اي لحظة بينما لذيه خيارات اخرى وتصبح أرملة أو متزوجة بعاجز أو معطوب، ولا احد يريد ان يرسل إبنه للعمل في مكان مهدد فيه بينما لديه امكانية للعمل في اعمال اخرى
- علاقة العمل بالمؤسسات والاماكن المستقرة والهياكل الواضحة، المجتمع يعطي القيمة للمهن التي لها علاقة بهياكل الدولة والمؤسسات العامة التي تعطيه نوع من الشرف الاجتماعي، مثل البلديات، المدارس، الجامعات، المستشفيات، الشركات ، بينما تسحب هذا الشرف من المهن البعيدة عن هذه الهياكل حتى لو كانت أجورها اعلى، لانها لم تحصل على بعض الامتبازات الاجتماعية ، لذلك نرى الناس يفضلون المهن التي لها علاقة بالحكومة على المهن الحرة
نجد في الحضارة اليونانية يتم احتقار المهن الفكرية، والفنون والأعمال ذات البعد العقلي، وتعلي من المهن اليدوية والصناعات والحرف، فالصنعة في ذلك الوقت أهم من الحكمة والفكرة، لذلك كانت لا تعطى أهمية لأشخاص الذين يمتهنون مهن غير عضلية مثل الكاتب أو الفنان أو المدرس، لهذا نسمع أن سقراط كان يتم التنمر عليه والسخرية منه دائما لأن الشعب اليوناني لا يعتبر التعليم مهنة أصلا.
لعلك أخطأت هنا خلود أو لم تدققي المعنى. أعتقد ان العكس هو الصحيح وطالما اعتقدت ذلك وما زلت أعتقد أن الأعمال الفكرية في اليونان القديمة من المهن المعتبرة المحترمة وأعتقد أن المهن اليدوية أو العضلية مثل الفلاحة والنجارة هي مهنة القنً و العبد في ذلك الوقت. فما كان يمتهنها فيلسوف مثل أرسطو أو أفلاطون. ومن الدليل على أن الاعمال الفكرية كانت محرتمة جدأً آنذاك هو أن أرسطاطاليس - بجلالة قدره - كان ينسب إلى الإله طبيعة التأمل المحض، التأمل في كمالاته. فقد خلع أرسطو ما يراه يليق بالإله من صفات وبالطبع نرى هنا جانب أنسنة ( anthropomorphism) فقد خلع أرسطو من صفاته هو ( العمل العقلي المجرد الذي يفكر في الكليات و الكمالات) ما راه جدير بالإله......
وكون أن الناس كانت تسخر من سقراط فلعل ذلك لما نسب إليه كونه أتهم بالسفسطة وهي مهنة كانت معتبرة محترمة في البداية وهي تعني المعلم أما وقد اتخذها المدعين ليتكسبوا منها بالباطل فقد خلع عليها معاني رديئة لا تليق بها. فتلك المهنة ( السفسطة) كانت عمل عقيل محترم في البداية....
في رأيكم ما هي الأسباب التي تجعلنا نعلي من بعض المهن ونقلل من الأخرى، وهل هناك مهنة بعينها يستحيل عليك العمل بها؟
لا أعتقد أن تلك النظرة ما زالت سائدة على الأقل في بلدي مصر. الآن من يمتلك المال وحتى إن كان سباك أو نجار يمكنه أن يتقدم إلى خطبة فتاة جامعية او حاملة ماجستير. وهذا مشاهد من عدد من السنين مضت. الأهم الآن في ظل الظروف الإقتصادية الصعبة هو من يستطيع أن يفتح بيتاً ويعول أسرة. لكن هناك ما لا أستطيع أن أتسامح فيه ألا وهو الفارق الثقافي! فهنالك من الفتيات من تتغاضى عن ذلك ومنهن من تشترطه.....
لعلك أخطأت هنا خلود أو لم تدققي المعنى. أعتقد ان العكس هو الصحيح وطالما اعتقدت ذلك وما زلت أعتقد أن الأعمال الفكرية في اليونان القديمة من المهن المعتبرة المحترمة وأعتقد أن المهن اليدوية أو العضلية مثل الفلاحة والنجارة هي مهنة القنً و العبد في ذلك الوقت. فما كان يمتهنها فيلسوف مثل أرسطو أو أفلاطون. ومن الدليل على أن الاعمال الفكرية كانت محرتمة جدأً آنذاك هو أن أرسطاطاليس - بجلالة قدره - كان ينسب إلى الإله طبيعة التأمل المحض، التأمل في كمالاته. فقد خلع أرسطو ما يراه يليق بالإله من صفات وبالطبع نرى هنا جانب أنسنة ( anthropomorphism) فقد خلع أرسطو من صفاته هو ( العمل العقلي المجرد الذي يفكر في الكليات و الكمالات) ما راه جدير بالإله.....
كلامك يا صديقي جميل جدا، لكنه يحتمل الخطأ والصواب على الوجهين، واسمحلي ان اشرح ذلك.
لقد قلت أن اليونان كانوا يميلون الى المهن اليدوية لا العقلية، ولم أقل أهل أثينا ،ولم افصل فيها.
الفكرة يا صديقي ان اليونان كانت مدن مستقلة الحكم الذاتي وأهم مدينين فيها هدي أثينا واسبرطا، وهما مدينتين متناقضيتن تماماـ، فالاولى مدينة ارستقراطية نخبوية التفكير تهتم بالحكمة والمعارف والفنون وكانت تعتبر ان الاعمال الشاقة من الاعمال الوضيعة ، بينما الثانية كانت مدينة عسكرية لا يتهتم سوى كيفية زيادة القوة العسكرين وانتاج العتاد والصناعات اليدوية الحربية، فكانت تحتقر العقل والمهن النظرية وتبجل الاعمال والصناعات اليديوية .
لكن اثينا كانت مدينة استثنائية في أوروبا ذلك الوقت، لا ينطبق عليها ما ينطبق على المدن والاماكن الاخرى التي كان هم الناس فيها هي البقاء والتوسع و العيش، وحتى اثينا نفسها جائتها فكرة الحكمة والعقلانية متأخرة شئيا ما ولم تكن منذ البداية هكذا، لان الحكمة والمعرفة كانت فعلا إلهيا هي من اختصاص الحكماء السبعة ، وليست من مهمام البشر، اذ نعرف اليوم ان السوفسطايين أول من امتهنوا التعليم، اي ان فكرة التعليم لم تكن موجوده قبلهم أصلا كمهنة، وحتى سقراط نفسه اول من وصف يأنه الحكيم ، وذهب يبحث عمن هو أحكم منه اثباتا لفكرة أن الحكيم كشخص بشري غير موجودة ولم تعرف كمهنة مثل اليوم : المفكر أو الباحث أو الكاتب، وهذا ان دل على شيء انما يدل على أن الممارسات النظرية لم تكن مهن أصلا.
نعم، اتفهم ما تقولين يا خلود. أسبرطة الدولة المدينة المحاربة التي تسخر كل قواها لأجل الحرب و الدافع عن نفسها حتى أنها كانت تسمى سوط العذاب على جيرانها في التاريخ القديم. ولكن أسبرطة هذه لم تعرف الحكمة أو الفسلفة او الفنون ولم تعرف العمل العقلي المجرد فكيف لنا إذن أن نقول أنها احتقرت العمل العقلي وهي أصلاً لم تعرفه ولم يكن بين يديها إلا العمل اليدوي الخشن؟!!!
يمكن أن نقول ذلك في أثينا لأنها عرفت الاثنين فأعلت من قيمة العمل الذهني المجرد واحتقرت العمل اليدوي؛ لأنها مارست الاثنين واختارت من تعلو كفته على الآخر.
ولكن في التاريخ حتى المصري القديم كان العمل الذهني او الفكري هو المقدم و المحترم وكان طبقة الكهنة يحترمون أي احترام. أعتقد أن هذا بديهي أن يكون في أي حضارة قديمة وإن كان ذلك لم يعد الآن فذلك لظروف اقتصادية واجتماعية عديدة.
فكيف لنا إذن أن نقول أنها احتقرت العمل العقلي وهي أصلاً لم تعرفه ولم يكن بين يديها إلا العمل اليدوي الخشن؟!!!
فلنكن منطقيين يا صديقي .
لا يوجد شعب على وجه الارض في اي وقت من الاوقات لم تكن له مهن نظرية أو مهن غير الحرف، أليس حكيم القرية أو المدينة أو رجل السياسة او المعلم، أو قائد الجيش في اغلب الاحيان ذو مهنة نظرية .
رغم انك تقول قي نفسك ان هذه الممارسات لم تكن مهن اصلا بل كانت تطوع او كانت تؤخذ على انها جزء من مهن اخرى، مثلا المخطط للحروب وواضع الاستراتجيات العسكرية في ذلك الوقت لم يكن له مهنة خاصة بل كانت جزء من مهام القائد العسكري، لكن مع ذلك توجد مهن اخرى ذات بعد غير عمل: المنجم، العراف، الكاهن، الساحر، والكاتب والخطاط والمترجم...الخ كل هذه مهن موجودة في كل بلد ولا شك انها كانت في اسبطرة ايضا .
من وجهة نضري أرى أن أكبر سبب يجعل من مهنة أكبر من أختها هو سبب مادي فمجتمعاتنا اليوم أصبحت تنظر للشخص من جانب المالي إن كان غني سيقدره الجميع مهما كان عمل يعتمد على الفكر أو على القدرة العضلية لا يهم كثير ولكن هذا لا يعني أن طبيعة العمل لا تأثر على مكانته فكل ما كان العمل يتطلب مستوى عالي من الدراسة كل ما إرتفعت مكانته أيضا.
أما بالنسبة إذا كان هناك عمل يصعب علي العمل فهذا يرجع الى طبيعته إذا كان عمل متوافقا مع قدراتي و اهتمامات أو لا و إلى الأخلاقيات العمل فمثلا هناك أعمال تنافي ديني لا يمكنن العمل فيه.
من وجهة نضري أرى أن أكبر سبب يجعل من مهنة أكبر من أختها هو سبب مادي فمجتمعاتنا اليوم أصبحت تنظر للشخص من جانب المالي إن كان غني سيقدره الجميع مهما كان عمل يعتمد على الفكر أو على القدرة العضلية لا يهم كثير
نعم، في مصر في الماضي كانوا يركزون على المناصب والوجاهة الإجتماعية أكثر من المال. وذلك لأن الإقتصاد كان قوي مثلاً ولم يكن هناك غلاء فاحش؛ فالكل يتستطيع أن يعيش ويوفر احتياجاته. أما الآن فقد انتشر من بضع سنوات مثلاً في مصر مثل: اللي معاه قرش يساوي قرش!!! أعتقد أن تلك الثقافة ولدتها الصعوبات الإقتصادية وقلة العائد؛ فلا يهم التعليم أو الشهادة أو حتى الدكتوراة!! قد يكون السباك أفضل منهم جميعاً عند الأغلبية لأنه يكسب أكثر ويستطيع بجدارة أن يفتح بيتاً ويعول أسرة!!! أعتقد أن ماركس هنا على صواب حينما قال: العامل الإفتصادي يصنع الثقافة!!
من وجهة نضري أرى أن أكبر سبب يجعل من مهنة أكبر من أختها هو سبب مادي فمجتمعاتنا اليوم أصبحت تنظر للشخص من جانب المالي إن كان غني سيقدره الجميع مهما كان عمل يعتمد على الفكر أو على القدرة العضلية لا يهم كثير ولكن هذا لا يعني أن طبيعة العمل لا تأثر على مكانته فكل ما كان العمل يتطلب مستوى عالي من الدراسة كل ما إرتفعت مكانته أيضا.
لا اتفق مع هذا .
انت تعرف أن السباك اليوم يستطيع أن يحصل في اليوم الواحد على مالا يحصل عليه المعلم في شهر كامل مع ذلك يتم معاملة المعلم بشكل أفضل بكثير من السباك.
اذكر لك قصة جد مضحكة عن الامر، لذي صديق صاحب محل مقهى أنترنت مقابل احدى الجامعات، وقد دخل عليه يوم أحد الزبائن يريد طباعة وثائق خاصة، لكن الرجل وجد اكتضاض وان عليه انتضار الدور ، فبدأ يتشنج ويطالب بالاسراع، وما ان وصله الدور طلب الطباعة بغطرسة ثم رمى المال على الطاولة وكان مقدار 200 دينار، ثم قال له احتفظ بالباقي .... الرجل اتضح انه استاذ و يعتقد ان صاحب مقهى الانرنت اقل منه، ولا يعلم ان صاحب مقعى الانرنت ذاك يقبض اكثر من 20 مليون في الشهر اي اكثر بثلاث اضعاف تقريبا من ذلك الرجل، لكن احتقره دون ان يعلم....لانه مبرمج ان اصحاب الاعمال الحرة مساكين.
ثقافة العيب ونظرة الناس، هي السبب، لا أعلم كيف راجت الفكرة الأولى في مجتمعاتنا أن المهندس أو الطبيب هم أصحاب الطبقة المخملية، وأن المعلم والمحاسب وغيرهم يأتون ف الدرجة الثانية، ثم تتهاوى الدرجات حتى تصل إلى الحضيض "بنظر المجتمع" وذلك عندما نتكلم عن المهن التي لا تحتاج دراسات عليا، مع أنه كما قلتِ ربما يكسب أكثر من غيره، وبالنسبة لشخصيته فقد يكون خلوقًا وطيبًا ومخلصًا أكثر من أي شخص آخر لديه شهادة جامعية.
الأمر الجيد أن جيلنا بدأ يعي مثل هذه المؤامرات المجتمعية، وصرن الفتيات يعطين فرصة لأن يدرسن الآخر كإنسان يعمل ويكسب مع دراسة شخصيته وفكره، لا أن ينظرن للأمر على أنه شهادات فقط.
المهن غير الشريفة أو التي تخرج عن إطار "الحلا" في الدين الإسلامي هي وحدها ما لا يمكنني أن أعمل بها، أما غير ذلك، فلن أقول أني سأرغب بكل المهن، فكل منا لديه توجهاته واهتمامته، ولكن إذا احتجت ووجدت فرصة في أي مهنة شريفة، لم لا!
إذا أردت الانطلاق بهذه الفكرة من المجتمعات اللبنانية فهي وبكل أسف موجودة. الخبر السعيد أنّها لم تعد متفشية كما السابق وأمّا الخبر الحزين فهو أنّ هذا الانخفاض مردّه إلى الأزمة الاقتصادية التي جعلت من بعض الأهل يبيعون بناتهم لمن يملك المال. وإذا ما أردنا أن نقيّم وضع الثروة اليوم فهي أكثر تمركزًا في يد أصحاب المهن الحرّة وهو ما يبرّر هذه المبادرة من قبل الأهل. أمّا عن السبب (وهنا أتحدّث عمّا أعايشه في مجتمعي) فهو أنّ هناك اعتقاد أنّ أصحاب المهن الحرّة غير متعلّمين والكثير من الأهل يسعوون لتزويج بناتهم المتعلّمات لشباب متعلّمين أيضا ظنًّا منهم في مجتمعنا المظاهري أنّ التعليم مقترن بارتفاع في الدّرجة الاجتماعيّة.
المشكلة هنا ليست مشكلة زواج يا فوزة ...
في النهاية الزواج مسألة توافق ليس مسألة تراتية كما يظن المحتمع.
فبصرف النظر إن كانت بعض الاسر ترفض تزويج بناتها من اشخاص بمهن معينة، فالاكيد أن أخرى لا تجد اي مشكلة في هذا.
المشكلة كل المشكلة النظرة الكاسرة للشخص صاحب المهنة، كم لذينا من نجارين متميزين ولذيهم رؤية وتصر إبداعي ، لكن نظرة المجتمع إليهم تجعلهم يخسرون شغفهم وثقتهم في انفسهم، كم من كهربائي او سباك أو خزفي اليوم في الدول المتقدمة يتم تكريمه وتقديمهم في مشابقات عالمية وتقدم إليهم تحفيزات مادية وألقاب شرفية عالية في الدولة، يصل البعض منهم الى ان يكون قدوة في الجامعات والمراكز والشركات..... لكن اين كل هذه الحوافز في المجتمعات العربية؟
أين هو احترام الانسان خلف المهنة المنبوذة ؟
نعم هناك علامات تكاد ترى بالعين عن بداية تغير الوعي الجمعي من خلال تغير قناعات الافراد من الاجيال الصغيرة الان، اليوم نرى على وسائل التواصل شباب يشاركون مهاراتهم في الطبخ او الرسم او صناعة الخزف والسباكة والبناء....الخ وهذا امر جيد جدا لان هذا سوف يكسر تابوهات المهن المكروهة والمنبوذة وسيجعل الناس تتحرر اكثر من فوقية المهن المكتبية التي هي في اغلبها مجرد مظاهر ليست مهن أصلا.
مجتمع لمناقشة واستكشاف الأفكار الفلسفية. ناقش المفاهيم، النظريات، وأعمال الفلاسفة. شارك بأسئلتك، تحليلاتك، ونصائحك، وتواصل مع محبي الفلسفة لفهم أعمق للحياة والمعرفة.