لماذا لا نفرح برغم أننا فعلنا ما يرضينا؟

حكى لي صديق أنه اتفق مع بعض أصدقائه على السفر يوم من أجل الترفيه في رحلة لا تتكرر كثيراً، وقد رتب جيداً لهذا اليوم لكن فوجئ باتصال مساء اليوم السابق للرحلة بخصوص أمر يخص العمل لا يستحب تأجيله.

كان أمامه اختيارين إما أن يجازف بتأجيل أمر العمل وليحدث ما يحدث، أو يلغي في آخر لحظة الرحلة التي انتظرها طويلاً

لم يطل التفكير وكان قد اتخذ قراره بالتصرف لإحساسه بالمسؤولية، وقام بإلغاء الرحلة التي طالما كان ينتظرها

طبعًا كان ينتظر أن يشعر بالتفوق والغلبة والفوز لأنه لم يستسلم للتراخي والتقصير، لكن بدل من ذلك كان يشعر بالحزن والأسف.

كثيراً ما نوضع أمام اختيار من اثنين؛ الأول منهما هو اختيار الواجب الذي يميل إليه العقل والمصلحة وترجحه المسؤولية، وثاني اختيار هو ما تفضله النفس وهو ما يماثل اللهو واللعب والترفيه، ورغم أننا نختار بناءً على الواجب مع ذلك نشعر أننا لم نختر الاختيار الصحيح ولا نفرح باختيارنا هذا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ربما نحن لا نشعر بالفرح لأننا نقيسه بمعايير خاطئة فالاختيار الصحيح لا يعني بالضرورة أن يكون مريح أو ممتع في لحظته أحيانًا القرارات التي تشعرنا بالضيق مؤقتًا هي التي تكون فينا نضج لا يمنحه اللهو فالحزن هنا لا يعني أننا أخطأنا بل يعني أننا تخلينا عن متعة سريعة في سبيل هدف أكبر وهذا في حد ذاته نوع من الفرح الهادئ الذي لا يظهر فورًا لكنه يبقى

يمكن أن يكون الإحساس الكبير بالمسؤولية عبء على صاحبه حتى أنه لا يشعر بهذا الفرح الهادىء لأنه يوطن نفسه على الاستمرار في حمل المسؤولية وعدم تركها لأنه لو ترك المسؤولية سيشعر بالخذلان والإهمال.

المسئولية والعقلانية في اتخاذ القرارات لا تعني السعادة دائما، فقد نكون فخورين عندما نأخذ القرار الصحيح ونتصرف بحكمة قد نكون مدركين في داخلنا أن هذا هو الأفضل وأنه لا بد ان نكون فخورين بقدرتنا على ضبط أنفسنا بهذه الطريقة، لكن أيضا تضييع ما نشتهي وما يشعرنا بالسعادة مقابل تلك المسئولية هو أمر مؤلم خصوصا عندما يكون الشخص متشوق جدا للأمر ثم يتخلى عنه في آخر لحظة، وبالتالي فالأمر لا بد وان يشعر الشخص بالندم والألم بعض الشيء

لو هذا صحيح فقد أخطأت نظريات السايكولوجي التي تقول أن فعل الصواب هو طريق الفرح والسعادة..

وبالتالي تخطىء النظرية التي تقول أن إحساسنا الداخلي هو بوصلة لا تخطىء في قياس جودة أفعالنا فقد نفعل الصواب ونحزن، ومعنى ذلك أن الشخص الذي يختار أفضل السلوكيات والأفعال قد يشعر بضيق وحزن، وهذا معناه: أن الأشخاص الأكثر استقامة هم أكثر حاجة للعلاج النفسي من الشخص الآثم السعيد..

لا استطيع أن اجزم بصحة موقفه أم لا، فلو كانت العطلة مطلوبة من مكان العمل قبلها بمدة والأمر الطارئ هناك موظف آخر يستطيع توليه فبرأيي صديقك قد ظلم نفسه والعكس صحيح، أنا مع تحمل المسؤولية بقدر المعقول، يعني لا اهمل نفسي واقيد حريتي بدعوى أن هذه مسؤولية وانتماء للعمل لأنه في النهاية هذه حياة لا نحياها للعمل فقط!

ولكن أختلف معك ومع شعور صديقك أو إما أن يكون كلام إيمانويل كانط خاطئ في خصوص الشعور بالواجب. فما شعر به صديقك هو شعور بالواجب الأخلاقي تجاه العمل وأنه لا يصح عقلاً أن يترك العمل وهو يحتاجه. الخضوع لهذا النداء بالواجب طبقًا لكانط يشعرنا بالإرتياح ومن هنا السعادة وليس الحزن كما وصفت انت كشعور لصديقك.....

أظن كانط قد يكون مخطىء لأنه حتى في الأديان معروف أن طريق الحق دائماً يكون صعباً ويرافقه حزن وضيق، وهناك آيات كثيرة تؤيد هذا الرأي..

رأي كانط يعتمد على أن مقياس الصواب والخطأ هو: شعورنا الشخصي، فلو شعرنا شعور جيد لابد أن يكون ما فعلناه جيد، والعكس والنقيض صحيح (أي لو شعرنا شعور سيء هذا معناه أن ما فعلناه غير صحيح)، وهذا رأي خاطىء فيما أرى وإلا لما شعر الرسل بالضيق أحياناً.

ربما لا نفرح لأننا منهكون. نعيش في سباقٍ دائم بين العمل والمسؤوليات، حتى إن فعلنا الصواب لا نجد مساحة للراحة النفسية. السعادة تحتاج إلى سكون، ونحن لا نمنح أنفسنا ذلك السكون أبدًا.

لا نفرح لأننا نحقق ما نريد، بل لأننا نعود لما يعبّر عنا حقًا.

أما حين نفعل ما يرضينا دون أن نعرف “من هذا الذي يُرضى”، يبقى الفرح خارج الباب.

أليس من المفترض أن الإنسان يفرح بفعل الصواب ومقاومة التراخي؟ كل المصلحين تقريباً أجمعوا أن مغالبة الذات وخوض الشدائد وترويض النفس على الصعاب هو طريق الفرح والحرية..