حين تصمت الجذور ويعلو صخب الورق

كنت هناك…

في عمق الغابة حيث لا تصل الصيحات ولا تستقر الخُطب على الأغصان. رأيتُهم، يتزاحمون على الضوء، يتسابقون نحو الأعلى، وكلٌّ يمد ورقته كمن يلوّح للحشود. كانت الضجة من نصيبهم، أما الحكمة، فكانت قابعة بصمتٍ على هيئة جذعٍ قديم ، لا يسير على نفس نهجهم، لا يتفاخر، لكنه يُنصت لما لا يُقال.

يومها كان صباحا دافئا، اقتربتُ منه، لم أستطع مقاومة فضولي، فلماذا تترك المنصة لمن لا يملكون الفهم الصحيح؟ لماذا لا تنهض، وأنت من ثبت حين سقطوا؟ أجابني بصوتٍ خافت، "لأني أعرف ما لا يعرفون... المشهد ليس كما يبدو. فالعلوّ لا يعني الرؤية، كما أن الصمت لا يعني الغياب. هم يُحبّون الهتافات الرنانة المزينة بالسجع، وليس إشارة التحذير بلونين أصفر ةأسود. ومن يكون لامعا، لا من هو صاحب الأصّل. صمتُّ لأستوعب القليل مما قال، بعدها واصلت حديثي معه، وقد كنت مرتبكا في سؤالي باحثا عن إجابة مقنعة:" ألن تضلّ الغابة إن لم يدلّها من يعرف الطريق؟" هزّ جذوره ببطء، وأورد قائلا: "حين يُطلب من الحكمة أن تُعلن عن نفسها بين من اعتادوا التصفيق للفوضى، تكون إسكاتها هي النتيجة الحتمية."

تركتُه هناك. لا يزال في مكانه... لا يسعى للضوء، لكنه مصدر للظل. لا يتكلّم كثيرًا، لكنه يختزن التاريخ كله في سكونه. وربما… ربما كنتُ أنا الآخر كنت جزءًا من هذه الفوضى، لكنني لم أُدرك ذلك بعد.