حوار مع الروح...

تعيش معي وبين أضلعي و لا أعرف شيئا عنها، بل إنني لا أعيش من دونها حتى ولو لثانية واحدة، لكنني أجهل تماما أي أمر بخصوصها. نعيش كلينا في نفس المكان، و نتشارك كل شيء كأننا توأمان سياميان، و رغم كل هذا و ذاك فنحن مختلفان كل الاختلاف.

نكمل بعضنا البعض، و نشتغل سويا من أجل إنجاح مهامنا كل حسب اختصاصه و خاصياته، إلا أنه لم يسبق لأي واحد منا أن تدخل في نطاق الآخر. قد يساعد بعضنا البعض، كما يمكنه أيضا أن يتخلى عنه، لكنني أعلم علم اليقين أنها إن هي تركتني فتلك نهاية وجودي في هذا العالم.

منذ متى التقينا؟ و كم مضى من الوقت على نشأة رباطنا المقدس؟ بكل صراحة، فليست لدي أدنى فكرة. من أي معدن من الناس تكون؟ و هل لي عليها من سلطان؟ أم أنها هي من تمسك زمام حياتي؟

إن كانت هذه التساؤلات عبارة عن أسئلة امتحان معين، فأسرجع الورقة للمصحح بيضاء ناصعة البياض.

هذه المرة، قررت أن لا أحترق لوحدي بسبب كثرة الاستفهامات الوجودية، و انتظرتها بكل شوق حتى عادت متسللة من إسراءها اليومي الذي تفارقني فيه، ففاجأتها و باغتها من دون مقدمات :

" بالله عليك يا روح ! بحق الأيام و الليالي و بحق كل غال، أرجوك أغيثيني من كثرة تساؤلاتي... أنا البدن الضعيف من غير حول و لا قوة، أسألك بالله أن تشبعي فضولي و تروي ضمأ حيرتي...رجاء و ليس أمرا، حدثيني عنك ولو يسيرا ! ".

إبتسمت من سذاجة أسئلتي حتى شعرت بالبرودة تغزو كل أوصالي. حاولت أن تختبر مدى صبري و تحملي فقررت أن تلتزم الصمت لهنيهة، من شدتها حسبتها قرونا من الزمن، إلا أنها سرعان ما رحمت ضعفي و استرسلت قائلة:

" رفيق دربي و مؤنس وحشتي في هذا العالم الذي لا أنتمي إليه، كيف لك أن تدعي جهلك لكل ما يخصني و نحن مرتبطان حتى من قبل أن ينزل سيدنا آدم عليه السلام إلى هذه الأرض؟ أم تراك نسيت أيضا المرة الثانية التي التحمنا فيها سويا و أنت لست سوى مجرد جنين في رحم أمك؟

أيها الجسد الفاني، خلقك أحسن الخالقين من تراب و حكم عليك أن تعود إليه عندما يحين أجلك. و خلقني عالم الغيب و الشهادة من روحه و من أمر ربي، فجعل من قصة وجودي لغزا يستعصي على كل العقول.

أتركك مؤقتا حين تنام فأرجع إليه سبحانه و أنت لا تشعر بشيء، ثم يرسلني إليك الحفيظ إن شاء حين تريد أن تستيقظ، و إن شاء أمسكني فتصبح جثة هامدة...

أم هل أنت لا تتذكر أيضا قول ربك في محكم تنزيله: " و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا" "

تلقيت جوابها بمفاجأة و اندهاش كبيرين و كأنها أيقظتني من سبات عميق. إن كل كلمة قالتها لي قد أزاحت الغشاوة عني و نشطت جزءا خاملا من ذاكرتي.

فتذكرت قوله سبحانه و تعالى : " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ  ". فعلمت حينها أننا كنا ملتحمين في هذه الواقعة، علما أنها حدثت و آدم عليه السلام لم يطأ بعد الأرض بقدميه.

كما أنني استحضرت قول الحق حينما قال : "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ "، فأدركت أن الروح التي بين أضلعي هي من عند الله، أصلها منه و إليه تعود ،و ما أنا إلا محتضن لها كالوعاء.

بعد محادثتي الصغيرة مع الروح التي قيدت بي، و أنا الجسد الضعيف الفاني الذي لا غنى له عنها، حق لي أن أسأل و أتساءل بملئ صوتي :

ألم يئن الأوان بعد حتى يهتم الإنسان بروحه كما يهتم بي؟ كيف له أن يأكل و يشرب لكي يقويني، و يتغافل عن إطعام روحه و الاهتمام بها؟ إن هو آمن بمقولة :" العقل السليم في الجسم السليم"، فكان أولى له أن يؤمن بقوله عز و جل : " قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها"

الدكتور الزروالي محمد جمال الدين

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أسلوب الكتابة في الموضوع لفت نظري حقًا، ربما وأنّ أقرأ هذه الكلمات ظننت أنني في لقاء حواري مميز يملؤه الحماس كما يثير التفاعل.

ألم يئن الأوان بعد حتى يهتم الإنسان بروحه كما يهتم بي؟ كيف له أن يأكل و يشرب لكي يقويني، و يتغافل عن إطعام روحه و الاهتمام بها؟ إن هو آمن بمقولة :" العقل السليم في الجسم السليم"، فكان أولى له أن يؤمن بقوله عز و جل : " قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها"

الاهتمام بالجسد أمر مهم حقًا، لكن في نفس الوقت ألا نغفل الروح واطعامها من خلال العلم النافع والقيام بالروحانيات وطاعة الله وعبادته.

سلامة الجسد يأتي من سلامة الروح، فروح مظلمة تعني جياة بائسة، وجسد ضعيف يمكن مهاجمته من شتى النواحي.

حديثك مع الروح ذكرني بمحاضرة قد درستها في البرنامج الشرعي الإلكتروني "البناء المنهجي"، حيث درسنا أول 5 محاضرات كاملة عن الروح وكيفية تزكيتها. ساعات متواصلة لشرح كيفية تطبيق  "قد أفلح من زكاها".

تزكية النفس وترويضها لتصبح في حال أفضل هو أفضل ما يقدمه المرء لنفسه، أن يحلي روحه بالصفات الجيدة ويخليها عما سواها من مساوئ.

أتركك مؤقتا حين تنام فأرجع إليه سبحانه و أنت لا تشعر بشيء

كنت قد قرأت لأحد العلماء لا أتذكر اسمه حاليًا أن مستقر الروح عند النوم هو بقرب العرش، حيث قال إن الأرواح يعرج بها في منامها فتؤمر بالسجود عند العرش، فمن بات طاهرا سجد عند العرش، ومن كان ليس بطاهر سجد بعيدًا عنه.

ألم يئن الأوان بعد حتى يهتم الإنسان بروحه كما يهتم بي؟ 

حان الوقت بالفعل، الطريق طويل نحو التزكية ولابد أن نبدأ قبل أن تفارقنا الروح ونندم على ما فات.

قرأته مرتين.. نصّ أكثر من رائع..

عقل وقلب وروح لا ينفصل أحدها عن الآخر.. فكيف يرتاح واحد منم وهو عن الآخر غريب!!؟

ألم يئن الأوان بعد حتى يهتم الإنسان بروحه كما يهتم بي؟ كيف له أن يأكل و يشرب لكي يقويني، و يتغافل عن إطعام روحه و الاهتمام بها؟ إن هو آمن بمقولة :" العقل السليم في الجسم السليم"، فكان أولى له أن يؤمن بقوله عز و جل : " قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها"

بالتأكيد إن الاهتمام بالروح، جزئية يغفلها معظم البشر، مع انها تظل الحلقة الناقصة إذا توفر للإنسان كل ما يحتاج ويحب، وإن الروح إذا تمت تزكيتها انعكست على نفسية الفرد وإيمانه وهدوئه وقدرته على اتخاذ القرارات.

و إن تغذية الجانب الروحي يمكن أن يتم بعدة طرق، أهمها الصلاة فالشخص الذي لا يصلي فقد اتصاله مع نفسه وخالقه، كما يمكن ممارسة التأمل، والعزلة إذا أن كل العارفين وأصحاب البصائر تستنار بصائره بالعزلة والتقشف الذي ينهى النفس عن هواها، وكل منا قد يمر بفترات يغفل جانبًا على حساب آخر ولكن من الضروري أن يعود المرء ويحاول تحسين نفسه.

إنها الروح سر الله في خلقه فهو خلقها وهو الأعلم بها وما نحن الا بشر تسكننا بأمر الله، فنحن جهلاء والانسان في أمرها ما أوتي من العلم إلا قليلا. لهذا فإننا المطلوب منا ان نهذب أخلاقنا ومسالكنا وأن نؤمن ايمانا راسخا بالله عزوجل وأن الروح هي تلك التي تدخل فيها لتبعث الحياة وهي التي تغادرنا بامر الله ليتحول الجسد الى شيء آخر لا يقوى على التفاعل مع غيره بل يدفن كي لا تخرج رائحته وينخره الدود، وهذا ما لم يسجل على الروح ومن الروح.

فسبحان الله عزوجل امره بين الكاف والنون. ويحضرني هنا ما قاله الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة ، وهو متوكئ على عسيب ، فمر بقوم من اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح . فقال بعضهم : لا تسألوه . قال : فسألوه عن الروح فقالوا يا محمد ، ما الروح ؟ فما زال متوكئا على العسيب ، قال : فظننت أنه يوحى إليه ، فقال : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )

حديث راقٍ ورائع، فما أجمل أن يتواصل الجسد مع الروح في محاولة للتفاهم والارتقاء، وبالفعل أهم غذاء للروح هو التواصل مع خالقها الذي يعلم أمرها وحده .

أكثر من راائع , جعلتني أعيد النظر في أشياء كثيرة كنت غافلا عنها شكرا لك

روووعه