قلما نجد في مجتمعاتنا من يتمتع بتلك الثقافة الرائعة، وأصبحوا عملة نادرة نبحث عنهم في كل مكان، وفي كل المجالات!

في صغري عندما كنت أشترك في المسابقات الدينية والثقافية في بلدتي، كانت الصفة الغالبة لتلك المسابقات أن تكون بنظام التصفيات، بحيث يتم في كل جولة خروج مُتذيلي الترتيب، وتستمر المنافسة ليفوز بها الأوفر حظا من وجهة نظرنا أو بالأحرى يفوز بها من يتمتع ب"ثقافة النفس الطويل"!

أتذكر وأنا طالب في الصف الثالث الإعدادي عندما اشتركت في مسابقة أوائل الطلاب، في البداية تفوقت على أقراني ومثلت المعهد الديني (حيث كنت طالبا بالأزهر) على مستوى المحافظة، وهناك تم عمل مسابقة أخرى ليتم اختيار أفضل ثلاثة طلاب ليمثلوا المحافظة على مستوى الجمهورية، وقد وفقني الله أن أكون واحدا منهم.

في المرحلة الثالثة، كانت المسابقة بنظام التصفية الذي سبق وأشرت إليه، حيث كان يتم خروج ثلاث محافظات في كل مرة، لا يهم ترتيبك أبدا، المهم ألا تكون من الثلاث الأُخر، وإلا سوف تخرج من المنافسة!

كان هناك تفاهم كبير بيني وبين زملائي، لقد قمنا بعمل خطة للمنافسة، فكان هناك من هو متخصص للرد على أسئلة الرياضيات والعلوم، وآخر بارع بالمواد التي تعتمد على الحفظ بدرجة أكبر كالدراسات الاجتماعية والآراء الفقهية، وثالثنا كان يتمتع بسرعة كبيرة في الكتابة مع جودة في الخط، إلى جانب براعته وتمكنه من مفاتيح اللغة العربية، لقد شكلنا فريقا رائعا.

أثناء المسابقة كنا نحصل على المركز الأول في كل مرة، كان أملنا كبيرا في الحصول على المركز الأول في النهاية أيضا، وأداءنا كان متميزا.

ولكن الصدمة كانت في المرحلة النهائية، حيث أصبحنا ثلاث فرق فقط، وأعلنت لجنة التحكيم أننا قد ضمنا المراكز الثلاث الأول، وسنحصل على مكافآت على أي حال، ولكن لابد من تصفية إضافية لترتيب الفرق وتحديد مركز كل فريق.

حصلنا على المركز الثالث!!

لجنة التحكيم نفسها لم تصدق ما حدث، كنا الأفضل طوال المنافسة فما الذي حل بنا.

الأسوء من ذلك أننا كنا الثالث وبفارق في النقاط غير طبيعي أن يكون بيننا وبين الأول والثاني، أي أننا لو شاركنا بهذا المستوى منذ البداية لخرجنا وبجدارة من التصفيات!

في رحلة العودة تحدث معنا المشرف الخاص بنا، كان سعيدا بما حققناه على أي حال، فلم يكن من المعتاد أن نحصد جائزة في هذه المنافسة لعدة أعوام مضت قبل أن نشارك.

أتذكر يومها أنه شكرنا على مجهوداتنا، ثم قال نصا "على الرغم من أنكم كنتم الأفضل طوال الوقت، ولكنكم خسرتم لأنكم لا تتمتعون بثقافة النفس الطويل، لو إلتزمتم وحافظتم على تركيزكم كما فعلتم طوال المسابقة لكان لكم ما أردتم، ولكنكم اعتمدتم على ما حققتموه، وافتقدتم للاستمرارية والإلتزام.

أنتم رائعون، لكن عليكم أن تكونوا أكثر إلتزاما، الأمر أشبه ببطولة دوري في كرة القدم، تتنافس كل الفرق وربما يظل فريقا صغيرا متصدرا للترتيب في أغلب الوقت، ولكن غالبا ما نجد في نهاية المطاف أن الفرق الكبيرة تحصد اللقب، ربما هي ليست الأفضل فنيا، ولكنها تمتعت بثقافة النفس الطويل، فاستحقت حصد اللقب في النهاية.

ينتظركم مستقبل باهر، فقط إستمروا ولا تتوقفوا، سأظل أفتخر بكم دائما".

لازلت أذكر نفسي دائما بتلك الكلمات، كثيرا ما ينتابنا الشعور بالكسل والخمول، ولكن من يحقق الإنجازات ويحصد الألقاب في الأخير هو من يحافظ على الاستمرارية والإلتزام و .. "النفس الطويل".