لماذا نشر الشائعات أسهل بكثير من نشر الحقيقة!

في مكان عملي تغيب زميل عدة أيام بدون عذر، وصادف ذلك أنه كان قد حصل على سلفة، ولا أحد يعرف أين هو، وفجأة الجميع يتحدث أنه سرق المبلغ، وآخر يقول لن يعود للعمل، وفتاة تقسم أنه فعل ذلك تعويضاً لنقص الراتب ولن يعود مرة أخرى و....

عرفنا بعدها أن أخته الصغيرة كانت تجري عملية وطلبوا منه التبرع وأثناء تبرعه تدهورت صحته وتم حجزه في المستشفى، وهذا ما يفسر اختفائه وطلبه لهذا المبلغ.

رغم أننا عرفنا الحقيقة لم يرددها أحد، لكن بينما كانت مبهمة كانت الشائعات تأتي من كل مكان ولا يتوقفون عن الحديث عنه وكأن ليس عندهم حديث غيره.

فلماذا تعودنا على نشر الشائعات وقول افتراضات على أنها حقيقة حتى لو كانت ستدمر صورة الآخرين!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

للأسف ما حدث هو اندفاع وراء الظنون وتسرع في تفسير المواقف بلا دليل، حتى صارت الأحاديث المتداولة أقوى من الحقيقة نفسها، ففي عملي مثلًا، تأخر زميل عن حضور اجتماع مهم، فانتشرت شائعة أنه اختلف مع الإدارة وقرر الاستقالة، بينما الحقيقة أنه كان عالقًا في الطريق بسبب عطل مفاجئ في سيارته ليس أكثر من ذلك، بعض الناس بطبيعتهم يحبون الكلام

ما المبرر هنا برأيك يا بسمة لأن نلقي بالشائعات والتهم عن الآخرين وكأنه سبق صحفي بينما في قرارة أنفسنا نعلم أن هذه ليست الحقيقة!

الشائعة لا تولد من فراغ؛ لكن الفراغ قد يكون سبب رئيسي، فهي قد تصدر من مرضٍ قلبي كالحسد والحقد وحب المنافسة، وقد تكون انعكاسًا لنقصٍ نفسي فيُظهر صاحبها ما في نفسه على حساب غيره. ومنها ما يكون بدافعٍ عاطفي يبرّر ويدافع، أو بدافع حبّ التصدر والإثارة وجذب الأنظار.

لكن ألا ترى أن الشائعة يمكن فقط أن تصدر من ملل و رغبة في التسلية و تنتشر بسبب هذه الرغبة أيضا دون كل تلك الضغائن؟ ألا توجد بعض الأوقات التي تنتشر فيها الشائعات بشكل عرضي؟

جانب مهم يكمل الفكرة، ويمثل أساس مهم، يختلط مع الجهل.

في الواقع، أغلب الشائعات التي تنتشر، تبدأ هكذا، فكلمة نقولها بدافع التسلية لا نلقي لها بالا، تتحول لنكتة ثم لعبة يتسلى بها الجميع، لهذا على المرء التفكير ألف مرة قبل أن يقول أي كلمة حتى لو من باب المزاح، و لكن يجب أيضا ألا يحوله هذا لشخصية جادة أكثر من اللازم، الأمر معقد، أليس كذلك؟😅

هذه التسلية تؤثر على حياة إنسان وقد تفسدها، وتحوله من سعيد لتعيس كسبب، لذلك إلا ترى أن تكون مسؤولين عن أقوالنا وأفعالنا ونعمل على ضبطها.

لكن كيف يمكن الموازنة بين تلك المسئولية و بين الروح المرحة التي لاتنفر الناس في ذات الوقت؟!!

موضوعك عميق في هذا الجانب.

للإجابة عن هذا السؤال يمكن وضع اسئلة، كيف كان الرسول يتمتع بروح يحبها كل من رآها بالصدق والحق والأمانة.

الرسول خير البشر آتاه الله جوامع الكلم، فكان يجذب الناس بحسن حديثه و في نفس الوقت لا ينغمس في لغو الحديث، فكيف كان يا ترى يحقق ذلك التوازن المثالي؟ هل كان ذلك هبة من الله له فحسب؟ أم أنه يمكن لباقي البشر أيضا فعل هذا إن حاولوا بما يكفي و اتبعوا نهج النبي؟

كان بشريًا كي يُقتدى به بما يستطيع كل إنسان.

هذه التسلية تؤثر على حياة إنسان وقد تفسدها، وتحوله من سعيد لتعيس كسبب، لذلك إلا ترى أن تكون مسؤولين عن أقوالنا وأفعالنا ونعمل على ضبطها.

أنت محق في ذلك لكن لماذا تنمو داخلنا هذه الأمور يعني أنت تعمل وأنا أعمل فما مبرر أن احقد عليك أو احسدك أو حتى استغل أي تقصير فأخلق ذريعة لرفدك من العمل

كثير ما يظن الإنسان أن تقدم غيره يمنع عليه رزقه أو تقدمه فيتصرف بتصرفات سيئة ليمنع أي شخص من التقدم.

أظن أن السبب في تلك الظاهرة أن الغموض أكثر جذبا للبشر بكثير من الحقيقة العارية، فمثلا تجد أفلام الغموض التي تحتوي لغز هي الأكثر رواجا و شعبية بين غيرها، و مثلا أيضا إذا قلت لأحد ما حقيقة علمية (الحوت أكبرالمخلوقات على الأرض) فلن يهمه الأمر أو يعلق بعقله مثلما يحدث عندما تطلب منه تخمين تلك الحقيقة (خمن ما هو أكبر المخلوقات على الأرض؟)، فتجده حينها مهتما بخوض التحدي و حل اللغز، نفس الأمر عندما يوجد شيء غريب يخص شخصا ما، يريد الجميع الخروج بالتخمينات الأكثر إثارة و تشويقا، و تجدها تنتشر بسرعة أكبر بكثير من الحقيقة لأنها غريبة و غير معتادة أكثر، و هذه طبيعة بشرية خلقنا الله بها و لا يمكننا سوى محاولة كبحها كما أمرت كل الأديان و الأنظمة الأخلاقية السوية، فينهي الإسلام عن نشر الشائعات دون تأكد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"، فما بالك بتأليف تلك الشائعات أصلا؟، لكن يبقى السؤال: كيف يمكن للمرء محاربة هذا الأمر إذا كان هو شخصيا ضحية للشائعات؟

برأيي محاربة ذلك بالأدلة التي تكون كافية لأن تخرص كل كاذب، لكن السؤال الأهم ليس في كيفية الدفاع بل كيفية منع الهجوم فكيف نمنع نشر الشائعات والافتراء على الغير

حتى مع الأدلة و الإثباتات، فمعركة الشائعات تلك ليست منصفة أبدا، فمهما قدمت من إثبات، تظل الشائعة أكثر إثارة للاهتمام من الحقيقة، و يظل هناك احتمال أن تصل الشائعة لشخص ما دون أن يصل له دفاعك عن نفسك فيأخذ عنك فكرة سيئة ربما دون أن يعرفك!

أما منع الهجوم فلا أظنه ممكنا أصلا ما دام المجتمع بشريا، الأمر كقولك: "كيف نمنع الجرائم"، شيء مستحيل، عفهو ببساطة متجذر في خصال الناس.

لكن لو كل من نشر شائعة تم عقابه في العمل أظن لن نسمع صوت لكاذب أو مفتري أم ترى أن هذه من حرية التعبير كما قال بعض الزملاء!

الأمر ليس سطحيا بأن يوصف بحرية التعبير فحسب، نحن نعلم أن هذا الحل غير عملي، فالشائعات يصعب جدا تتبعها إلى مصدرها، و هذا منبع اسمها (شائعات أي تشيع بين الناس فلا يدري أحد أين بدأت)، و نظام عقاب مصدر الشائعة يسهل جدا تحوله لنظام ديكتاتوري قمعي، فيمكنك اتهام أي شخص بنشره شائعة عن شخص آخر في حين تكون أنت من نشرها.

نشر الشائعات ليس حرية، فهو يضر الناس و يشهّر بهم و يؤذي سمعتهم، لكن أيضا لا يمكنك مواجهته بمعاقبة مرتكبيه بشكل مباشر، لا أعلم بصراحة ما هو الحل الأمثل، لكنه بالتأكيد ليس إقامة نظام فاشيٍّ يعاقب الناس على ما قد يقول آخرون أنهم قالوه.

لكن عندما تقول إنه لو لم نعرف سيكون العقاب عام هنا ستعرف مصدر الشائعة، قد تقول لي الآن أن ذلك يربي الوشاية وعدم الثقة لكن لا مانع من رد الخطأ بخطأ لمنع واحد منهم على الأقل وشاية لحفظ سمعة الأخرين

ربما يكون الحل الوحيد النهائي فعلا هو ذلك.

للأسف، يميل الإنسان إلى استسهال الاتهامات وإطلاق الظنون السيئة على الآخرين. يجد في هذه التفسيرات السلبية إجابة سريعة ومرضية لما يؤرقه من غموض، حتى وإن كان هذا الظن عارياً من الصحة تماماً ولا يستند إلى دليل. هذا السلوك يعكس بحثاً عن مخرج سهل يريح النفس من عناء التحليل العميق أو تحمل المسؤولية.

​أما المثير للاستياء، فهو أنه عندما تنجلي الحقيقة وتنكشف براءته، لا يرددها أحد أو يعطيها الاهتمام الذي أُعطي للظن الأولي. وكأن ظهور الحقيقة قد نزع هذه الأجواء الغامضة والإثارة للدهشة التي كانت تحيط بالاتهام.

​إن هذا أمر في غاية السوء والخطورة؛ لأنه يرسخ ثقافة تفضيل الإشاعة على اليقين، وتدمير السمعة على حساب متعة التكهنات. هذا التهاون في تداول الحقيقة يسهم في تفكيك الثقة بين الأفراد ويجعل المجتمع يميل إلى معاقبة البريء مرتين: مرة بالظن السيئ، ومرة بتجاهل تبرئته.

لأن المجتمع يميل إلى التفاهه!!

لكن التفاهة لا تؤذي بينما الشائعات بهذه الطريقة تؤذي وتخرب حياة الآخرين

Thejasmine09 أضف ردا

هذا يبين لنا جانب مؤسف من طبيعة بعض الناس، فالأسباب كثيرة، منها:

  • الميل إلى إساءة الظن دائمًا وتوقّع الأسوأ عن الآخرين.
  • رغبة البعض في البحث عن الزلات والتقاط أي خطأ لتضخيمه.
  • وجود أشخاص يجدون متعة في نشر الشائعات وكأنها هواية أو مهنة، فيشعرون أنهم محور الحديث عندما يضيفون تفاصيل من عندهم.
  • أحيانًا يكون السبب أن القلوب تتبع الهوى أكثر من تحري الحق والعدل، فيتحول الكلام عن الناس إلى تسلية يومية.

المؤلم أن كل هذا يحدث من دون تفكير في النتائج، مع أن كلمة واحدة قد تدمّر صورة إنسان بريء.

وللأسف سيكون ضحية هذا زميل كل ذنبه أن الآخرين بارعون في الكذب حول الغير وإطلاق الشائعات، لا أظنه سيبقى معنا في العمل بعد أن يعود ويدرك أن الآخرين انهالوا عليه بالتهم وسوء الظن في غيابه

النفس بطبيعتها أمّارة بالسوء تميل إلى الظن السيئ ونشره بسرعة من غير تحقق الناس يجدون راحة في تفسير غياب أو تصرف شخص آخر بأقبح صورة مع أن الصح أن نصبر ونسأل ونلتمس العذر بدل الحكم من بعيد المشكلة الشائعات لا تضر الغائب فقط بل تكشف خللًا فينا كمجتمع يحب تضخيم الأخطاء وينتظر سقوط غيره لو تذكر كل واحد أن كلمته قد تجرح أو تظلم إنسانًا لما انتشرت الشائعات أصلًا الحقيقة غالبًا أبسط وأهدأ مما نتخيله

والفكرة أنه لو حاول أحد أن ينفي هذه الشائعات ويدافع عن الغائب يتم اتهامه بالجهل أو التستر أو أنه سئ مثل من يدافع عنه وكأننا لا مانع أن نأكل لحم بعضنا بالظلم!