لطالما لاحظتُ أن الكثيرين تكون شخصياتهم على مواقع التواصل مختلفة تماما عما هم عليه على أرض الواقع. ولا أستثني نفسي، فأنا أيضا قد أبدو مختلفًا تمامًا في تفاعلاتي على الإنترنت مقارنة بما أنا عليه في الواقع. على مواقع التواصل، أجد نفسي أكثر جرأة في التعبير عن أفكاري وأقل ترددًا في التواصل مع الآخرين، بينما في الحياة الواقعية، أميل إلى التحفظ وأحتاج وقتًا أطول للشعور بالراحة.
أعتقد أن هذه الظاهرة ليست غريبة؛ فقد يكون أحد الأسباب الرئيسية هو الشعور بالأمان خلف الشاشة، حيث يقل الخوف من الحكم أو النقد المباشر. هذا الشعور يعزز الثقة لدى البعض ويدفعهم للتعبير عن أنفسهم بطرق قد لا يجربونها في الواقع. بالإضافة إلى ذلك، يوفر الإنترنت إمكانية التحرير والانتقاء، مما يسمح بعرض نسخة "محسّنة" أو مصقولة من الذات.
لكن هناك جانب آخر لهذه الظاهرة؛ فالبعض يرى أن الهوة بين الشخصية الرقمية والشخصية الواقعية قد تؤدي إلى شعور بالتناقض الداخلي أو حتى الاغتراب عن الذات الحقيقية بحيث تصبح حياتنا الرقمية منافسة لهويتنا الحقيقية.
ما رأيكم؟ هل تشعرون أن شخصياتكم تتغير أيضًا بين الواقع والعالم الرقمي؟ وهل هذا التباين طبيعي أم يستدعي القلق؟
التعليقات
أظن هذا راجع ببساطة للطبيعة البشرية عندما تُترك بلا قيود مباشرة (خلف الشاشة)، تمنحنا الشخصية الرقمية او شخصيتنا في المواقع غطاءً من الغموض، حيث تصبح التصرفات أقل تعرضًا للتدقيق الفوري والمراجعة.. هذه البيئة تشجع على بروز الشخصية التي ربما نخفيها عن أعين المجتمع لأسباب تتعلق بالخوف أو الأعراف وغيرها.
أنا لا أرى أن ذلك مدعاة للقلق، فهو في كل الاحوال يعكس حقيقة الشخص. وحتى لو كان الوجه الذي يظهره خلف الشاشة متطرفا مثلا، في النهاية لا ننكر ان هذا جزء من حقيقته والافضل معالجة فكره هذا وليس حرمانه من الظهور.
لدي سؤال يراودني، هل سبق لكم أن جربتم اظهار شيء لم تكونوا تظهرونه إلا في المواقع على الواقع؟ وماذا كانت النتيجة؟
سبق لي بالفعل عمل شيء مماثل، فأنا على مواقع التواصل في الأغلب أميل إلى الفكاهة والمزاح وما شابه، لكن على أرض الواقع ففي الأغلب أكون جادا جدا وقلما ألقي مزحة أو أحاول الظهور بمظهر الشخص خفيف الظل بين الأصدقاء. ولكن في فترة ما قررت أن أنقل هذا الجانب المرح من صفحاتي على مواقع التواصل إلى أرض الواقع، وقد كانت أغلب ردود الأفعال إيجابية بشكل لم أكن أتوقعه. أعتقد أننا دائما ما نتوقع أحكام الآخرين بشكل استباقي وهذا ما يدفعنا لكبت بعض صفاتنا على أرض الواقع
أظن أن هذا طبيعي، لأنك في الحياة الواقعية تتواصل بكافة الحواس وليس فقط من خلال الكلمات المكتوبة. أيضًا، في العالم الرقمي هناك نوع من الفاصل بينك وبين الآخرين، يمكنك من فلترة أفكارك جيدًا قبل الرد وتحرر نفسك من بعض الضغوطات الاجتماعية التي قد تواجهها في التفاعل المباشر.
أضف إلى ذلك، أن في الواقع نواجه مشاعر وتفاعلات معقدة تشمل العديد من العناصر غير اللفظية مثل لغة الجسد والتفاعل العاطفي المباشر، مما قد يسبب لنا نوعًا من التردد أو التحفظ، خاصة في بيئات قد نعتبرها غير مألوفة أو في تعاملات تتطلب مزيدًا من التأني والاحترام الاجتماعي.
لكن أشعر أن التباين قد يستدعي القلق في حال كان الظهور رقميًا سيئًا من ناحية الخلق والتصرفات.
لكن أشعر أن التباين قد يستدعي القلق في حال كان الظهور رقميًا سيئًا من ناحية الخلق والتصرفات.
وهذا هو الجانب المقلق فعلا. فالتحدث من وراء شاشة والاختباء وراء حساب مزيف أيضا يتيح الحرية للخروج عن الأخلاق وإذا أراد المستخدم ذلك. إلا أن تصرفاتنا يجب أن تعكس قيمنا وأخلاقياتنا، حتى لو كان التواصل غير مباشر. كما أن عدم الانتباه إلى لغة الحوار الرقمية قد يسبب فوضى اجتماعية كبيرة وهو ما نشهده فعليا.
التباين حتمي وليس فقط طبيعي، لأني مثلًا كشخض انطوائي قد تكون سرعتي في تكوين الجمل والأحاديث مع شخص التقيته لأول مرة بطيئة وهادئة، تكون سرعتي أفضل وواثقة أكتر من وراء الشاشة لأن لا أحد يرى تعابير وجهي أو يسمع صوتي، وهذا الشق المادي يتبعه شق معنوي وهو أني إن كنت أقدر على استحضار تلك الهالة الغير موجودة في الطبيعة، يمكنني أيضًا التكلم عن المواضيع التي لا أقدر على النقاش فيها مع محيطي خارج الشاشات، وبعض الأشخاص للأسف يتمادى ويستغل تلك الميزة في الشتم والتنمر، رغم أنهم لن يقدروا أبدًا فعله في الشارع. وما قد يستدعي القلق هو عدم الوعي بتلك الفروقات بين شخصيتك في الحقيقية وداخل الوسيط الإلكتروني، للحد الذي يجعلك تنغمس في شخصيتك الإلكترونية وتبني عليها آراء وصفات مختلقة.
بالتأكيد كلنا كذلك، لأن خلف الشاشة عالم له مواصفات خاصة ويتيح كل معايير الأمان في التواصل والتعبير، وانظر أنا مثلاً باستخدام الهاتف يمكن أن أشارك منشور يراه ألف شخص أقول فيه ( أنا اشتريت قميص جديد) ولكن بالشارع لا يمكن أن أصرخ حتى يسمعني ألف شخص لأقول لهم نفس الخبر.
الرأي المشارك على المنصات ومن خلف الشاشة أنت أمامك فرصة ومساحة لتكتب وتحذف وتبحث وتعدل قبل أن تشاركه، بينما في الواقع الأمر ليس كذلك.
خلف الشاشة المضطرب ومن يعاني من مشاكل تواصل يمكن أن يظهر كمحترف في التواصل والتعبير هنا حتى يمكن للأخرص أن ينطق بما يريد.
وبنفس المنطق خلف الشاشة أمن حيث لا يعرف أحد حقيقتك كاملة، أنت حر لأن تتقمص أي دور تريده، إسلام الذي يخاطبك الآن قد يكون في الواقع فتاة مثلاً أو شاب إسمه سيد يعمل في محل بقالة.
وبقدر ما للأمر من مزايا بقدر ما له من عيوب لكن تكيفنا معها وتقبلنا مجمل الوضع.