كيف ينجح المحتوى المرئي في تشكيل الوعي الاجتماعي؟

يبدو أن هناك إجماعًا على أن المحتوى المرئي له تأثير قوي على الجمهور، خاصة الشباب. وفقًا لدراسة نشرها مركز "Pew Research" فإن 65% من الأمريكيين يعتقدون أن وسائل الإعلام، بما في ذلك الأفلام والمسلسلات، تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل الآراء والمفاهيم الاجتماعية المتعلقة بقضايا مثل المساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. بينما يرى نصف المشاركين تقريبًا أن هذا النوع من المحتوى يساهم في تعزيز الوعي الاجتماعي، هناك أيضًا نسبة كبيرة ترى أن هذا التأثير قد يكون ضارًا في بعض الأحيان، خصوصًا عندما يقدم الإعلام صورًا نمطية أو مشوهة عن بعض القضايا الاجتماعية.

هذا يظهر التحدي الذي يواجه صناع الأفلام والمسلسلات في التوازن بين تقديم محتوى هادف يعزز القيم الإنسانية ويشجع على التفكير النقدي، وفي نفس الوقت يجذب جمهور الشباب الذي يميل في كثير من الأحيان إلى الترفيه السطحي أو الهروب من القضايا الجادة

إذن، السؤال هنا: كيف يمكن لصناع المحتوى أن يحافظوا على هذا التوازن؟ هل يستطيعون فعلاً التأثير بشكل إيجابي في القيم الاجتماعية من خلال أعمالهم الفنية، أم أن المسلسلات والأفلام تنحرف أكثر نحو توفير التسلية فقط دون التأثير الحقيقي في تحسين الوعي المجتمعي؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

من وجهة نظري المحتوى المرئي المميز هو الذي أشعر من خلاله بوجود رسالة حقيقية، حتى وإن كان كوميدي أو ترفيهي، فالقيمة لا تُلغي المتعة بل تضيف لها عمقا، وألاحظ بالفعل تأثير الأعمال الفنية بأنواعها على المجتمع، سواء في طريقة التفكير أو في تبني بعض السلوكيات أو حتى في تغيير نظرتنا لبعض القضايا، لذلك أؤمن أن صناع المحتوى يستطيعون التأثير إيجابيًا إذا حملت أعمالهم نية حقيقية للتأثير، وليس فقط للتسلية، فالاعمال الفنية برأيي كانت ولا تزال أداة قوية للتغيير عندما تستخدم بوعي ومسؤولية.

أتفق معك تمامًا في أن القيمة لا تُقصي المتعة، بل تمنحها بُعدًا أعمق، وهذا ما يُميز العمل الفني الحقيقي عن مجرد الترفيه العابر. لكن في المقابل، أعتقد أن وجود "النية للتأثير" وحده لا يكفي دائمًا. فالكثير من الأعمال تحمل رسائل، لكنها تُقدَّم بطريقة سطحية أو مباشرة تُفقدها قوتها.

ربما التحدي الحقيقي يكمن في أن يكون العمل ممتعًا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره.

كونها تحمل رسالة وسط هذا الكم الهائل من الإسفاف الذي نعيشه، هي محاولة تستحق الثناء على الأقل، وحتى إن لم تكن الطريقة مثالية أو العمق كافيًا، يكفي أنها تسير عكس التيار وتحاول أن تقدم محتوى له معنى، ففي زمن أصبح فيه الهدف الأول هو جذب الانتباه بأي وسيلة، من النادر أن نجد عملًا يحاول أن يوصل فكرة أو يلامس وعي المتلقي، ولذلك أرى أن مجرد وجود نية ورسالة هو بداية تستحق التقدير، ويمكن البناء عليها وتحسينها لاحقًا.

أي شيء يستحوذ على اهتمام العامة فهو يشكل الوعي الجماعي، لكن المفارقة أن الجمهور نفسه الآن مع الأعمال الفنية والإعلام صار شريكًا في اللعبة، يطالب بمحتوى "واعي" لكنه في الوقت ذاته يستهلك "التفاهة" بتفاعل أعلى، ويمنحها الشهرة والانتشار.

كم برنامجًا رأيته اليوم يستضيف أشخاصًا لا إنجاز لهم، فقط لمجرد أنهم اشتهروا على السوشيال ميديا لفترة بمقاطع تأبى التفاهة أن توصف بها؟

صحيح، هناك تناقض كبير بين ما يطالب به الجمهور وما يستهلكه بالفعل. ففي كثير من الأحيان نرى أن هناك طلبًا متزايدًا على المحتوى الهادف والواعي، لكن في المقابل نجد أن الجمهور ينجذب بشكل أكبر إلى ما هو سطحي أو تافه، لأنه ببساطة يوفر التسلية اللحظية ويمنح شعورًا بالراحة. لكن في نفس الوقت، أعتقد أن صناع المحتوى عليهم مسؤولية كبيرة في توجيه هذا الاهتمام بشكل إيجابي، حتى وإن كان المحتوى قد لا يحقق النجاح الفوري، فإن الاستمرار في تقديم أعمال ذات قيمة سيؤثر في النهاية على الوعي الجماعي بمرور الوقت.

 أعتقد أن صناع المحتوى عليهم مسؤولية كبيرة في توجيه هذا الاهتمام بشكل إيجابي

شخص واحد لن يؤثر وحده للأسف، فالمحتوى التافه على الناحية الأخرى صداه عالٍ.. عالٍ جدًا.

في رمضان الأخير مثلًا نشر سامح حسين برنامجًا لاقي انتشارًا كبيرًا، وبالفعل أثبت أن المجتمع متعطش إلى هذه النوعية من المحتوى، ولكنها قد تحتاج إلى بعض الوقت والاستمرارية وعدم الاستسلام، والرهان عليها حتى تنجح.

شخصيًا، أظن أن التأثير الحقيقي للأعمال الفنية لا يرتبط فقط بنيّة المخرج أو الكاتب، بل بتفاصيل التنفيذ: عمق الشخصيات، دقة التمثيل، تجنّب المباشرة أو التلقين، وحتى اختيار اللحظة المناسبة لطرح القضية. لأن الشباب اليوم – رغم انجذابهم للترفيه – أكثر وعيًا مما نتصور، ويمكن لأبسط مشهد ذكي أو حوار صادق أن يزرع بذرة وعي دون ضجيج.

لكن في المقابل، أصبح واضحًا أن كثيرًا من صناع المحتوى يفضلون "السلامة الإنتاجية"، فيلجؤون إلى صور نمطية وقوالب مكررة تضمن الانتشار دون المخاطرة بطرح أسئلة حقيقية.

ربما التحدي اليوم ليس فقط في التوازن بين القيم والتسلية، بل في إعادة تعريف "النجاح" في الفن: هل هو بعدد المشاهدات؟ أم بتغيير حقيقي في وعي الفرد؟ وهل يمكن الجمع بين الاثنين فعلًا؟ أم أن معادلة السوق ستظل هي التي تحدد طبيعة ما يُنتج؟

في ظل هذا الواقع، ما الدور الذي يجب أن يلعبه المتلقي – كفرد واعٍ – في توجيه بوصلة الفن؟ وهل يكفي أن نكون جمهورًا ناقدًا؟ أم أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالكامل مع ما نستهلكه؟

أعتقد أن ما ذكرته مهم للغاية، خصوصًا حول أن التأثير لا يعتمد فقط على نية المخرج أو الكاتب، بل على التفاصيل الدقيقة في التنفيذ. الشباب اليوم فعلاً أكثر وعيًا مما نعتقد، ويمكن لحوار بسيط أو لحظة فنية صغيرة أن تترك أثراً عميقاً فيهم دون الحاجة للتلقين المباشر.

أما بالنسبة للسؤال عن دور المتلقي، أرى أن عليه مسؤولية كبيرة في توجيه بوصلة الفن. يكمن التحدي في أن الجمهور الواعي ليس مجرد ناقد، بل يجب أن يكون أكثر انتقائيًا في ما يستهلكه. وعي المتلقي هو ما يدفع صناع الفن نحو تقديم أعمال أكثر أصالة وأقل استسلامًا للصور النمطية. لكن في نفس الوقت، لا يمكن إغفال حقيقة أن السوق غالبًا ما يحدد ما يُنتج، وهو ما يجعل من الصعب الجمع بين التسلية والرسالة العميقة بشكل دائم.

المسلسل المصري مسلسل "إش إش" لم أشاهده ولكن قرأت عن الفكرة أو القصة التي تناولها المسلسل، القصة لم أراها جديرة بأن يتم تناولها في عمل فني، مع احترامي لصناع المسلسل، ولكن انظر لمسلسلات منى زكي ولا سيما مسلسل العام الماضي"زمن الوصاية" المسلسل كان يحمل فكرة قوية في المجتمعات العربية، حتى أنه في النهاية اعتقد بأن تم سن قانون اسري على اثره. لو سألتك هل المحتوى لم يكن يحمل الترفيه في جانبه وثناياه، أؤكد لك نعم. فالمسلسل الناجح هو الذي يحمل فكرة قيمة وفي نفس الوقت به جانب ترفيهي. استرضاء الجمهور أمر مهم ولكنه يأتي لاحقًا

أري الحفاظ على هذا التوازن يتطلب من صانع المحتوى أن يكون أولاً مدرك لمسؤوليته الاجتماعية، لا مجرد راوي للقصص. فالفن لا ينفصل عن الواقع، بل هو مرآة له أو أداة لتغييره. نعم، يمكن للأعمال الفنية أن تؤثر إيجابياً، بشرط أن تُصاغ برؤية واعية لا تكتفي بالإثارة أو المشاعر السطحية. المشكلة تكمن حين يُنظر للمحتوى فقط كمنتج للبيع، لا كوسيلة للوعي. وهنا تنحرف البوصلة نحو الترفيه البحت. لكن حين يندمج العمق مع الجاذبية البصرية والدرامية، يصبح المحتوى أداة حقيقية لتغيير القناعات وترسيخ القيم. التحدي ليس في نوايا الجمهور، بل في قدرة الصناعة على احترام عقل هذا الجمهور دون أن تُمِلّه.

أظن التأثير أكثر من ذلك فهو يمحي الجهل احيانا ويحفز سلوكيات إيجابية ويثبط أخرى، وأنا مؤمن تماماً أن المحتوى المرئي هو صاحب أكبر نسبة استحواذ.

من تابع الدراما في مصر في رمضان كان هناك مسلسل ( أولاد الشمس) صناعه نجحوا في تسليط الضوء على أزمة التبني والتعامل مع الأيتام وعلى كوارث الإدارة وعلى احتياجات دور الرعاية دون أي ملل، وهناك أيضا مسلسل ( لام شمسية) الذي سلط الضوء على كارثة التحرش بالأطفال وتفاعل المحيطين مع مثل هذه الحوادث وهذا النوع من الأعمال يخلق تأثير واسع، لكن وسط أكثر من عشرين عمل مثلاً لا أرى سوى اثنين نجحوا بينما البقية تقدم فن ربحي بحت لا أثر فعلي له سوى السلبية فقط

أنت محق في أن المحتوى المرئي له تأثير كبير، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا. لكن فيما يتعلق بما ذكرته عن مسلسل "أولاد الشمس" و"لام شمسية"، أعتقد أنهما يُظهران قدرة صناعة الدراما على التأثير الإيجابي عندما تكون القضايا الاجتماعية محور الاهتمام. لكن المشكلة تكمن في أن هذا النوع من المحتوى لا يُقدّم بشكل كافٍ مقارنة بما يُنتج من أعمال تقتصر على الترفيه السطحي أو القصص التي لا تضيف أي قيمة حقيقية للمجتمع.

من المهم أن نتساءل: هل تزايد الكم الهائل من الأعمال الترفيهية يعكس نقصًا في التركيز على القضايا المجتمعية الحقيقية؟ فبينما نرى بعض الأعمال التي قد تترك أثرًا إيجابيًا، نجد أن الأغلب يركز فقط على جذب الجمهور عبر الإثارة أو قصص لا ترتبط بشكل مباشر بالواقع الاجتماعي.

لأن صناعة المحتوى أو الفن تتحول الآن إلى مجال استثماري هدفه ربحي بحت والمحتوى التوعوي لا يلقى الصدى الكافي إلا مرة بين الحين والآخر