ما الذي يدفع البعض لإنكار احتياجهم للعلاج النفسي؟

رغم التقدم الكبير في الوعي بالصحة النفسية، لا يزال البعض ينكر احتياجه للعلاج النفسي، ليس عن قناعة بسلامته النفسية؛ فهو يعترف بينه وبين نفسه بِعِلته، ولكن لأن فكرة طلب المساعدة مرتبطة عنده بالضعف، أو العيب أو الفشل في التحمّل. كثيرون تربوا على فكرة أن القوة تعني الصمت، وأن مرور الوقت كفيل بحلّ كل شيء، فيستمر الإنكار ويستمر..

أحيانًا يكون هذا الرفض دفاعًا نفسيًا عن الذات، وأحيانًا يكون ناتجًا عن الخوف من الوصم الاجتماعي، أو الجهل بطبيعة العلاج نفسه. ومن المؤسف أن الألم النفسي لا يُرى، لكنه يأكل في الداخل بصمت، إلى أن يظهر على هيئة عزلة أو انطفاء أو غضب بلا سبب. وهنا يُطرح سؤال مهم: ما الذي يجعل بعض الأشخاص يختارون المعاناة الصامتة على مواجهة أنفسهم أمام طبيب أو معالج في غرفة علاج؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المؤلم أن كثيرين يدركون معاناتهم لكن يفضلون الصمت، إما خوفا من الحكم أو لأنهم اعتادوا ربط القوة بالكبت. المشكلة ليست في الألم، بل في الاستسلام له دون محاولة للفهم أو المعالجة. لعل ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف القوة: أن تطلب المساعدة حين تحتاجها، لا أن تنهار بصمت. العلاج ليس ضعفا، بل شجاعة مواجهة.

لعل ما نحتاجه اليوم هو إعادة تعريف القوة: أن تطلب المساعدة حين تحتاجها

لكن يُقال دائما أن عصحة الإنسان تبدو من وجهه، فالشخص الذي ليس على ما يُرام يبدو على وجهه وعينيه كل شيء حتى ولو لم يتكلم؛ لكن الغريب لماذا نعلم بأدواء من حولنا ومع ذلك لا نبادر بتقديم المساعدة. هل خوفا أم كسلا أم ربما محاولة لأن نشغل أنفسنا بأنفسنا ونسكت؟

كثيرون تربوا على فكرة أن القوة تعني الصمت، وأن مرور الوقت كفيل بحلّ كل شيء، 

أعجبني تعبيرك هذا جدا، ودعيني أزيدك من الشعر بيتا لأخبرك بأن هذه المشكلة موجودة عند الرجال أكثر من النساء في بلادنا؛ خصوصا وأننا تعودنا أن الرجل معناه الصمت والكتمان والتحمل، فوصمة العار لو ستصيب المرأة قيراط واحد فإنها ستصيب الرجل 24 قيراط.

تخيلي معي رجل متزوج ولديه زوجة وأطفال ويشعر بالاكتآب مثلا من كثرة الضغط من العمل والأسرة؛ ماذا لو طلبنا منه أن يذهب لطبيب أو معالج نفسي حتى ليتكلم معه، إذا لم يمطرنا وابلا من السباب والشتائم فهذا رجل لديه أخلاق الصحابة.

أعتقد أن كثيرين لا يختارون المعاناة الصامتة عنادًا أو إنكارًا فحسب، بل أحيانًا لأنهم لا يعرفون كيف يبدؤون، أو لأنهم لا يحتملون مواجهة أنفسهم بصراحة أمام شخص غريب، حتى وإن كان معالجًا نفسيًا.

بعض الناس نشأوا على فكرة أن الاعتراف بالحاجة إلى المساعدة نوع من الضعف أو الانكسار، وأن الحل الوحيد هو "التحمُّل" والاستمرار في الطريق مهما كلّفهم الأمر. وهناك من تعرّض لتجارب مؤلمة في الثقة بالآخرين، مما جعل فكرة الانفتاح على أي شخص آخر، حتى لو كان مختصًا، تثير فيهم خوفًا يفوق ما يشعرون به من ألم.

أما عني، فقد استغرق الأمر مني وقتًا طويلًا حتى أقتنع بأن الحديث بحد ذاته قد يكون شكلًا من أشكال العلاج، وأنه ليس من الضروري أن نكون منهارين كي نلجأ إلى المساعدة؛ ففي بعض الأحيان، نطلب الدعم لنمنع أنفسنا من الوصول إلى تلك الحافة أساسًا.

كيف يمكننا أن نُعيد تشكيل بيئتنا بحيث تصبح فكرة اللجوء إلى العلاج النفسي أمرًا طبيعيًا، خاليًا من الحرج أو الخوف من الوصمة؟

مجهول أضف ردا

بمناسبة مساهمتك منذ أيام تواصلت معي زميلة ورغم أننا لسنا أصدقاء ولكن توسمت في خيرا لمساعدتها وكانت تعرضت لظروف قهرية من زوجها بدون تفاصيل أدت بها إلى التفكير بالانتحار، ورغم رغبتها بالذهاب لطبيب نفسي لكنه خشيت من أن يأخذ ذلك زوجها ضدها لو أرادت الانفصال، خاصة في وجود أطفال، تخيلي تحملت آلام نفسية قوية وكانت تنهار ولا تنام ولم تذهب فقط من أجل حكم القانون الذي قد يتغير وينصر الرجل فقط لهذا السبب، طبعا نصحتها وحاولت مساعدتها وفقا لمعرفتي بتخصص الطب النفسي، قدمت له الدعم على مدار الايام الماضية وتقول اشعر اني أفضل، لكن يظل هذا السبب الذي يردع كثيرات من الذهاب للطبيب النفسي حتى لا يقال عنها أنها غير مؤهلة

Esraashaaban129 أضف ردا
ما الذي يجعل بعض الأشخاص يختارون المعاناة الصامتة على مواجهة أنفسهم أمام طبيب أو معالج في غرفة علاج؟

أري يا رغدة، الإجابة على السؤال هي نفسها التي ذكرتموها في مساهمتك. بالفعل، ما يدفع بعض الأشخاص لاختيار المعاناة الصامتة بدلاً من مواجهة أنفسهم أمام طبيب أو معالج هو الخوف من ضعفهم أو فشلهم في تحمل الصعاب. كثير منهم يشعر أن طلب المساعدة يعني الاعتراف بالعجز، وهو ما يتناقض مع المفهوم الذي تربوا عليه بأن القوة تكمن في الصمت وتحمل الألم. كما أن البعض قد يخشى من الوصم الاجتماعي أو يجهل طبيعة العلاج النفسي، لذا يفضلون تحمل المعاناة بصمت بدلاً من مواجهة المجهول.

اتيت بكلام كان يدور في بالي كثير... بقولك شي الرفض ليس مجرد عناد أو جهل. إنه صرخة صامتة ضد نظام كامل فشل في فهم الألم الحقيقي للناس. نحن نتحدث عن معضلة عميقة تتجاوز الفرد لتصل إلى جذور مجتمعية واقتصادية ونفسية متشابكة.

الناس لا يرفضون العلاج لأنهم لا يؤمنون به، بل لأنهم يرون التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي عن الصحة النفسية والواقع المرير. كم من إنسان ذهب يطلب المساعدة فوجد نفسه أمام طبيب عاجز، أو نظام بيروقراطي قاس، أو فاتورة باهظة؟

العلاج النفسي تحول في كثير من الأحيان إلى سلعة فاخرة، إلى رفاهية لمن يستطيع الدفع. أما الباقون فمكتوب عليهم أن يعانوا بصمت. والغريب أننا نلوم الضحايا بدل أن نوجه السؤال الحقيقي لماذا فشلنا في جعل العلاج النفسي حقاً أساسياً وليس امتيازاً؟

الأمر ليس مجرد وصمة اجتماعية، بل هو أزمة ثقة عميقة. ثقة بين الإنسان والمؤسسات التي من المفترض أن تعالجه لا أن تستغله. بين المريض ونظام صحي حول المعاناة إلى سوق استهلاكية.

لذلك عندما يرفض شخص العلاج، ربما يكون أكثر وعياً منا جميعاً. هو يرفض أن يكون رقماً في إحصائية، أو عميلاً في عيادة، أو مستهلكاً لدواء. هو يصرخ بطريقته أنا لست سلعة، ألمي ليس مشروعاً تجارياً.

لا أعرف ما الذي يدور في ذهن غيري بصراحة ولكن على الأقل أعرف الأسباب التي كانت تدفعني أنا للرفض، كنت بكل مرة أفكر في العلاج النفسي أشعر أنني استسلم وأنها مجرد مشاكل عمل ومشاكل أخرى عاطفية لا تستحق أن أذهب لطبيب وأنني قادر على التخطي، ولكن زاد الوضع بعدها في السوء وبدأت أخرج كليا عن السيطرة لدرجة أنني توقفت عن الصلاة وعن الذهاب للعمل بدأ وزني ينقص وكأنني مدمن بدأ نظام النوم يختل لم أعد أطيق مزاح إخوتي وكأنني شخص آخر وهنا استسلمت.

وأظن البعض قد يرفض لأنه لا يريد أن يرى أنه ضعيف وبحاجة لدعم وتوجيه نفسي من شخص آخر، ليس ظن فقط بل أنا متأكد أن هذا السبب يمنع الكثيرون ويجعل وضعهم النفسي صعب للغاية

أعتقد أن أحد الأسباب العميقة لتفضيل المعاناة الصامتة هو أن البعض لا يخاف من الوصم فقط، بل يخشى مما قد يكتشفه عن نفسه خلال رحلة العلاج. المواجهة مع الذات أحيانًا تكون أكثر إيلامًا من الألم نفسه من تجربتي الشخصية رأيت أشخاصًا يرفضون العلاج لا لأنهم يجهلونه، بل لأنهم يعرفون تمامًا أن الطريق إليه يمر عبر اعترافات مؤلمة ومراجعات لمواقف دفنوها لسنوات. كأنهم يفضّلون ألمًا مألوفًا على شفاءٍ محفوف بالمجهول. ربما الحل لا يكمن فقط في نشر الوعي، بل في إعادة تعريف "القوة" نفسها: أن تكون قوياً لا يعني أن تحتمل وحدك، بل أن تمتلك شجاعة المواجهة والطلب حين تحتاج