كيف يمكن مصاحبة الملل؟
أعلم أن الجميع يبحث عن أفضل الطرق وأحدث التقنيات لمحاربة الملل! هنيئًا لمَن وجد سبيلًا لذلك، لكن لمن لم يجد بعد -وأعتقد أنهم كُثُر- أود أن نناقش الملل اليوم من زاوية أخرى، لماذا لا نحاول مصاحبة الملل؟ وكيف يمكن التعايش معه بدلًا من محاولاتنا البائسة للتخلص منه؟ لأننا في النهاية لن نستطع التخلص منه نهائيًا كما يزعم البعض!
الملل يا أصدقاء هو حالة إنتاجية لا يجب أن نقطعها، يعني كيف نتوقع حالة ذاك الناجح صاحب الإنتاجية المرتفعة، والذي يعمل يوميًا لمدة ست ساعات مثلًا، بالتأكيد يساوره الملل حتى لو كان يعمل ما يحب، لكنه لو لم يعتد هذا الملل ويصبر عليه، لما وصل لتلك الإنتاجية، ولما وصل إلى مرحلة العمل العميق التي يعمل فيها الدماغ بأقصى تركيزه، بدون الاستجابة للمشتتات العابرة بحجة التخلص من الملل والروتين.
ولمن يعتقد أن شعور الملل يحد من الإبداع، يقول المؤلف نيل جايمان عندما سُئل عن كيفية الوصول إلى أفكار للكتابة: "يمكنك الحصول على كثير من الأفكار من الشعور بالملل"!
التعليقات
عادة أسال نفسي لماذا أشعر بالملل، والذي عادة يرافقه إحباط، والإجابة تختلف وفقًا لنوع الموقف، ولكن السبب الرئيسي دائمًا هو عدم الشعور بالإنجاز، أو أن ما أفعله لا يرضيني بل على العكس يستنزف قوتي دون أي عائد يّذكر، لذا الحل في بعض الأوقات هو كيفية تغيير العقلية، لأن ذلك يسهم في الخروج من تلك الحالة أو كما ذكرتِ استغلالها بأفضل طريقة، بمعنى لو نظرت لها بعقلية محدودة سأقول أنني لا أستطيع عمل أي شيء وأنا أشعر بالملل، ولكن لو بدأت أتساءل ما أقل شيء يمكنني إنجازه في هذه الحالة ولا يضايقني، سأجد أنني هنا أفكر بعقلية الكثرة أو الإبتكار، وهي رؤية الموقف نفسه من زاوية أخرى ووضع حلول له تتناسب مع مشاعري في هذا الوقت.
ولكن السبب الرئيسي دائمًا هو عدم الشعور بالإنجاز، أو أن ما أفعله لا يرضيني بل على العكس يستنزف قوتي دون أي عائد يّذكر، لذا الحل في بعض الأوقات هو كيفية تغيير العقلية
أعتقد أن الملل ليس التشخيص الصحيح ما تواجهينه صديقتي إيريني، ربما هو لا يتجاوز هنا أن يكون عَرَضًا لما تواجهينه، فشعور عدم الإنجاز ومرور الوقت بدون إنتاجية حقيقية يلاحق كثيرين منا في كثير من الأحيان، وغالبًا ما يكون تشخيص تلك المشكلة خللًا في ترتيب الأولويات الذي ينتج عنه فوضى في المهام خاصة الصغيرة منها، التي تنتشر في اليوم وتتسع لتأخذ أكبر من حجمها وتبقينا مشغولين طوال الوقت بدون إنتاجية حقيقية ترضينا.
بالنسبة لي بقائي فترة طويلة دون إنجاز يُذكر يصيبني بالملل والرتابة، ليس لقلة الإنتاجية، ولكن للتعود على ذلك، فتجدين أن الأيام كلها تمر بنفس الوتيرة لا جديد، ولكن ما أن أعود لإنجاز أي شيء مهما كان بسيط أجد أن الملل تحول فجأة لرغبة مرة أخرى في تجديد نشاطي، وهذا ما يكسر هذه الدائرة عندي، وهو أن أضع أي هدف بسيط للخروج من سيطرة الملل.
الشعور بالملل يأتي من القيام بشيء ما لمدة طويلة دون رؤية حدوث فرق أو نتيجة، مثل المذاكرة التي تستمر لشهور، ولا تظهر نتيجتها إلا بعد إتمام الاختبار، أو الوظيفة التي نعمل بها لمدة شهر كامل قبل أن نحصل على الراتب. لو كانت النتائج الفورية موجودة لما شعرنا بالملل. ولكن الفكرة التي تسعين إلى نقاشها وهي فكرة مصاحبة الملل أجدها صعبة جدًا جدًا بل هي عكس طبيعتنا البشرية التي يحرّكها الدوبامين، ولو كانت مصاحبة الملل سهلة لأصبح الكل ناجحين.
لذا أعتقد أن التعبير الأفضل هو "التأٌقلم على الملل"، بطرق مختلفة. وإحدى الطرق التي أجدها فعّالة هي تذكير أنفسنا بالنتيجة كعامل محفز كلما شعرنا بالملل. نتخيل شعورنا بعدها، وبذلك نعود للتركيز على المَهمة المملة.
وإحدى الطرق التي أجدها فعّالة هي تذكير أنفسنا بالنتيجة كعامل محفز كلما شعرنا بالملل.
شخصيا أفضل إستخدام نظام المكافآت للتحفيز على الاستمرار في تلك الأعمال الروتينية المملة، والفكرة هنا هي أن أقدم تحفيز إضافي لنفسي لإكمال المهمة عن طريق الحصول على شيء أستمتع به بعد الانتهاء حتى لو كان ذلك شرابا ساخنا مع كتاب ممتع أو متابعة فيلم أو مسلسل، هذا الإجراء يجعل عملية القيام بالمهمة التالية أكثر متعة وإيجابية بالنسبة لك بعد جرعة الاسترخاء.
لو كانت النتائج الفورية موجودة لما شعرنا بالملل
لا أعتقد ذلك رغدة، على العكس الحصول على مكافآت فورية طوال الوقت لن يجعلك تنجزين أي شيء في حياتك، فيما معناه لن تحصلي على شعور حقيقي بالتحفيز والقيمة نتيجة ما حققتيه، وفكرة الاعتماد على النتائج الفورية دائمًا هو ما سيجعلنا نمل بسرعة من أي مهام حقيقية تتطلب مجهود لفترة من الزمن، وبالتالي لن نصل لأي شيء وتستمر الدائرة المغلقة من الملل السريع ومعالجته بمكافأة سريعة طوال الوقت.
كانت النتائج الفورية موجودة لما شعرنا بالملل
وفقًا للاستنتاج الذي افترضيته رغدة، فالملل شئنا أم أبينا عضو دائم الحضور في حياتنا، لأنه بطبيعة الحال الأعمال التي نعمل عليها لن تكون فورية النتائج، إذًا لن يفيدنا التهرب من الملل إلا في انقطاع وتيرة الأعمال وسير الإنتاجية.
ولكن الفكرة التي تسعين إلى نقاشها وهي فكرة مصاحبة الملل أجدها صعبة جدًا جدًا بل هي عكس طبيعتنا البشرية التي يحرّكها الدوبامين،
أستبعد تمامًا أن جرعات الدوبامين "اللحظية" كما تعلمين هي المحرك لطبيعتنا البشرية، تلك جرعات تنطلق حال الحماس أو الشغف أو السعادة أو حتى ما يضاد ذلك من مشاعر وكلها مشاعر عابرة لا يمكن الاعتماد عليها لاستمرار الإنتاجية، لأنها عبارة عن فلاش تمامًا كالدوبامين، فإذا ما انطفئ الشغف والحماس وتراجع الدوبامين اشتكينا الملل والإحباط وأصبح الملل حجة لقلة شغفنا، في حين أن هذا هو الطبيعي الذي يجب أن يحدث، إذ لا يستمر الشغف ولا الحماس مهما كان حبنا للعمل، إذًا فتوهم أن الحماس والدوبامين المرتفع هما الوقود المحرك لطبيعتنا البشرية هو ما يخالف تلك الطبيعة ويخالف طبيعة الحياة والعمل كذلك، وهو تحديدًا ما يسبب لنا الإحباط لأننا افترضنا وتوقعنا ما لن يحصل.
أعتقد أن الشعور بالملل ينتج دائماً عن مشكلة في الروتين اليومي للفرد، بمعنى أن الفرد منا يختار روتينا لا يتناسب مع شخصيته وطبيعة أعماله اليومية، مما يتسبب في شعوره بالملل وعدم قدرته على تحقيق أهدافه اليومية والنجاح في الحياة، وبالتالي يؤدي ذلك إلى الشعور بالملل، وفي هذه الحالة يكون تغيير الروتين اليومي هو الحل الأمثل للتخلص من الملل.
ولتحقيق ذلك لا بد ألا يخلو روتيننا اليومي من العادات الصحية والأنشطة التي نحب القيام بها وتجعلنا نبدأ يومنا بحماس ونحن نشعر أن هناك شيئاً جميلاً ينتظرنا.
أعتقد أن الشعور بالملل ينتج دائماً عن مشكلة في الروتين اليومي للفرد
لا أؤمن أبدًا أن هناك روتين يومي أو جدول عمل يضمن لصاحبه ألا يصاب بالملل مطلقًا، هذا غير منطقي! حتى أفضل أنماط العمل تتطلب اعتيادًا على الملل لضمان الالتزام بها، المشكلة أن نظرتنا السلبية للملل في هذه الحالة قد تدفع صاحبها لتراجع الإنتاجية أو الاستجابة للمشتتات في أوقات العمل، في حين أنه لو نظر للملل على أنه جزء من طبيعة العمل يتطلب منه الصبر والالتزام والنفس الأطول، لكانت النتائج أفضل.
لا أؤمن أبدًا أن هناك روتين يومي أو جدول عمل يضمن لصاحبه ألا يصاب بالملل مطلقًا
بالتأكيد لا يوجد روتين يومي يقتل الملل تمامًا لأنه شعور داخلي لا يمكن التحكم فيه، ولكن الحل هو الحفاظ على هذا الروتين مع أخذ فترات أجازة مناسبة لا نقوم بها بنفس الروتين اليومي، هذا بالفعل يكسر حدة الملل لأنك تخرجين عن المألوف وتتركين لنفسك مساحة لتجربة أشياء جديدة، وهذا بدوره سيحفز عقلك وتخرجين من دائرة الملل، ولكن ضروري جدًا أن تعودي بعدها لنفس الروتين الأصلي.
بالتأكيد لا يوجد روتين يومي يقتل الملل تمامًا لأنه شعور داخلي لا يمكن التحكم فيه
بالضبط إيريني، الملل شعور داخلي قد نصاب به أثناء المهام حتى لو كنا ناخذ فترات استراحة كافية قبلها، وما يعزز إصابتنا بالملل سريعًا أكثر من أي وقت مضى هو أننا في عصر المشتتات التي تقدم لنا ملهيات أكثر إثارة لانتباهنا وأكثر جذبًا من مجرد المكوث ساعة أو ساعتين لأداء إحدى المهام، أو كما يسمونها "الدوبامين السريع".
بل على العكس من ذلك هناك بعض أنواع الروتين التي تتخللها أنشطة ممتعة تجدد الطاقة وتزيد الإنتاجية إلى حد كبير وهذا عن تجربة.
أيضاً توضح الكثير من الدراسات الموثوقة أن الاعتياد على الملل قد يؤدي في النهاية إلى الاكتئاب وفقدان الطاقة والشعور بالضيق والإحباط، مما يعني أنه لا يمكن التأقلم مع الملل في جميع الأحوال.
لا يمكن القضاء على الملل نهائيا ولكن على الأقل يمكننا تقليل اصابتنا به، وهذا يحدث عندما نكافأ أنفسنا على ما نبذله من جهد، وأن نعطي إشارات للعقل بذلك، بمعنى أن نحدد لأنفسنا دائما مكافأت بعد الانتهاء من مهمة ما أو عدة مهام، فلا أتخيل مثلا أن يقضي الإنسان أسبوعه بالكامل يعمل ساعات طويلة ويحرم نفسه من يوم إجازة! طبيعي سيصاب بالملل من عمله أيا كان، عليه أن يغير روتينه ويخرج بعيدا عن جو العمل ليستمتع بأشياء أخرى يحبها، وينوع فيها لأن حتى الاستمتاع لو توحدت طرقه واتبعنا نفسها على الدوام سنصاب بالملل.
فلا أتخيل مثلا أن يقضي الإنسان أسبوعه بالكامل يعمل ساعات طويلة ويحرم نفسه من يوم إجازة! طبيعي سيصاب بالملل من عمله أيا كان
لا أقصد الملل الناتج عن سوء التخطيط للراحة لدرجة أن يحرم المرء نفسه من الأجازة، هذا لن يُصاب بالملل فحسب بل بالاحتراق على المدى البعيد، بل ما أقصده هو ذاك الملل الذي يصيبنا في أثناء وقت تأدية المهام نفسها، فالكثيرون يتحايلون حتى على شعور الملل الذي من الطبيعي أن يواجه الجميع بعد جلسة عمل امتدت لساعة أو ساعتين مثلًا، ويشتكون ذاك الملل، رغم أن الاعتياد عليه والاستمرار بالرفم منه هو سبيل استمرارية الإنتاجية، فهل من المفيد أن ندلل أنفسنا لدرجة أن نبحث عن حلول لملل طبيعي يمكن أن تؤدي بنا تلك الحلول الوهمية للاستجابة للمشتتات وتراجع الإنتاجية؟
الملل الذي قد يصيبنا أثناء تأدية المهام طبيعي، ولكن هذا في حالة استمر العمل لساعات طويلة متواصلة، والملل في هذه الحالة يصاحبه الإرهاق، أنا لم أواجه من قبل الشعور بالملل وأنا أؤدي مهمة لساعة أو ساعتين! لا ألحق حتى في هذه المدة أن أشعر بالملل، ولكن إذا عملت ل ٤ أو ٥ ساعات متواصلة وهو ما قد يحدث طبيعي سأصاب الملل، ولهذا تعلمت أن أفضل طريقة هي التخطيط الجيد لليوم بحيث أقسم كل المهام الكبيرة لمهام صغيرة تفصل بينها أوقات استراحة أقوم في خلالها بأنشطة مختلفة.
مشاركة رائعة! من المثير للاهتمام التفكير في الملل كحالة إنتاجية يمكن أن تكون مفيدة بدلاً من كونها عائقًا. بالفعل، الملل يمكن أن يكون محفزًا للإبداع والتفكير العميق.
إليك بعض الأفكار حول كيفية مصاحبة الملل والاستفادة منه:
1. **التأمل في الملل**: بدلاً من محاولة التخلص من الملل، حاول الجلوس معه والتأمل في مشاعرك وأفكارك. هذا يمكن أن يساعدك في فهم نفسك بشكل أفضل واكتشاف أفكار جديدة.
2. **الكتابة الحرة**: استخدم فترات الملل للكتابة الحرة. اكتب كل ما يخطر ببالك دون قيود. هذا يمكن أن يفتح لك أبوابًا جديدة للإبداع.
3. **التجارب الجديدة**: استغل فترات الملل لتجربة أشياء جديدة. قد يكون هذا تعلم مهارة جديدة، قراءة كتاب جديد، أو حتى استكشاف أماكن جديدة.
4. **التخطيط والتفكير**: استخدم الملل كفرصة للتخطيط والتفكير في أهدافك المستقبلية. هذا يمكن أن يساعدك في وضع خطط واضحة وتحقيق تقدم في حياتك المهنية والشخصية.
5. **الاسترخاء والتجديد**: أحيانًا يكون الملل إشارة إلى أنك بحاجة إلى استراحة. استخدم هذا الوقت للاسترخاء وتجديد طاقتك.
هل لديك تجارب معينة مع الملل وكيف تعاملت معه؟
لكنه لو لم يعتد هذا الملل ويصبر عليه
"ويصبر عليه" هنا لب الحل والإشكال في الوقت نفسه، فالصبر على روتين معين وممل كما تصيفين يحتاج قوة جبارة من الإنسان كما أنه لا يستطيعه كل إنسان، فالصبر هنا يعني تقدير العمل الذي يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، وبذلك عدم الانزعاج أو اليأس عندما تظهر عوائق تؤخر وصولك لهذه الأهداف كالملل المصاحب للعمل الروتيني، إنها قدرة عقلية وعاطفية تمكنك من الاستمرار والتحلي بالصمود والإيمان بأن الجهد الذي تبذله سيؤتي ثماره في النهاية.