السحر الحلال في شوارع جدة
كثيرًا ما كان علماء الباطن في الهند والصين يرددون أن سر تحقيق الأهداف هو "الرغبة المتأججة". الفكرة نفسها كان يكررها الراحل الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله في محاضراته وكتبه .. لكن المشكلة أن فهم هذا المفهوم نظريًا أسهل بكثير من إدراكه عمليًا.
في التراث الصيني قصة شهيرة لتوضيح معنى الرغبة المشتعلة:
أمسك المعلم برقبة تلميذه وغطّس رأسه في الماء. في البداية حاول التلميذ الإفلات بهدوء .. لكن قبضة المعلم كانت قوية. ومع مرور الوقت بدأ الاختناق .. فاشتدت مقاومته .. ومع اقترابه من فقدان الحياة حاول بكل ما يملك من قوة حتى تحرر أخيرًا ونجا.
العبرة هنا أن الإنسان لا يبذل أقصى طاقته إلا عندما يصبح الهدف بالنسبة له مسألة حياة أو موت. ما دام الهدف مجرد أمنية .. تبقى المحاولات فاترة .. أما حين يتحول إلى ضرورة داخلية فلا بد أن يتحقق أو يقترب صاحبه منه بشدة.
بداية الحكاية في جدة
في بداية قدومي إلى المملكة العربية السعودية .. نزلت في مدينة جدة .. وبما أن أوراقي لم تكن قد اكتملت .. قضيت وقتًا طويلًا أستكشف المدينة سيرًا على الأقدام. كنت مبهورًا بالشوارع الواسعة النظيفة .. والجسور المعلقة .. والمباني الفخمة والحدائق الجميلة المبهرة ..
في إحدى جولاتي .. كنت أقف على رصيف شارع مزدحم عندما رأيت رجلًا عجوزًا يحاول عبور الطريق. بدا عليه أن الحياة قد أثقلت كاهله .. وكان يحمل عكازًا غليظًا يصدر صوتًا حادًا على الاسفلت مع كل خطوة.
تضايق الرجل من سيارة خلفه كانت تحثه على الإسراع .. ففقد أعصابه وبدأ يصرخ بأقسى الشتائم .. وفجأة رفع عصاه ليحطم الزجاج الأمامي للسيارة. شعرت بالرعب فورًا. السيارة كانت فاخرة .. والزجاج الأمامي وحده قد يكلّف مبلغًا ضخمًا. أدركت أن العجوز على وشك إدخال نفسه في مشكلة قانونية قد تدمر ما تبقى من حياته.
اللحظة الغريبة
المشهد أصبح بطيئًا كأنه لقطة سينمائية.
رغبت بشدة .. وبكل ما في داخلي .. أن لا يتحطم الزجاج. لو كنت قريبًا لأمسكت العصا بيدي .. لكن المسافة كانت بعيدة. مددت يدي بلا وعي .. وصرخت داخليًا: "لا".
هوت العصا على الزجاج…
لكن المفاجأة أن الضربة لم تُصدر صوتًا تقريبًا. بدا المشهد وكأن العصا تحولت إلى قطعة إسفنج. لا كسر .. لا شرخ .. لا شيء.
العجوز نفسه اندهش .. وهدأت ثورته فجأة .. وكأنه أدرك أن مصيبة كبيرة قد صُرفت عنه. انسحب بهدوء وغادر المكان. والأغرب أن سائق السيارة ظل ينظر مذهولًا دون أن يخرج حتى ليتفقد ما حدث.
أما أنا .. فبقيت واقفًا غير مستوعب: كيف تحولت ضربة قوية بعكاز غليظ إلى لا شيء؟
ماذا تعلمت؟
لا أزعم تفسيرًا خارقًا .. ولا أقدم دليلًا علميًا على ما حدث. لكنني متأكد من شيء واحد:
في تلك اللحظة كانت رغبتي في منع المصيبة عن العجوز كانت رغبة حقيقية وقوية للغاية .. ربما كانت أقوى رغبة شعرت بها في حياتي. كانت .. كما يقولون .. رغبة متأججة.
ومنذ ما يقارب خمسة عشر عامًا .. ما زلت أتذكر تلك الحادثة بدهشة .. لا لأثبت فكرة غيبية .. بل لأتساءل:
كم من طاقات داخلية لا نعرف حدودها لأننا لم نرغب يومًا بما يكفي؟
رسالة أخيرة
إلى كل من يرى أفكار تطوير الذات مجرد مبالغات أو "خرابيط" تنمية بشرية… ربما المشكلة ليست في الفكرة نفسها .. بل في أننا لم نختبر بعد معنى أن نريد شيئًا بكل كياننا.
ولا تقلقوا… لست أدعو أحدًا فعلًا لتغطيس رأسه في الماء 😄 .. لكن ربما نحتاج أحيانًا تجربة شعورية قوية لندرك الفرق بين الأمنية والرغبة الحقيقية.
التعليقات