في أزقة الحي القديم، أو تحت ظل شجرة تين وارفة، أو حتى أثناء زيارات البر العائلية، صادفتني أكثر من مرة تلك اللمحة المفعمة بالتحدي في عيني أحد كبار السن أو بسطاء الحي الطيبين. يبدأ الحديث بلطف، ثم تأتي الجملة السحرية التي تفتح باب الحكاية: "يا أستاذ، عندي لك مسألة..." أو "تعال نشوف ذكائك..."، وتُطرح عليَّ "المسألة الرياضية" التي سرعان ما تتحول إلى متاهة من الكلمات، لا علاقة لها بمنطق الأرقام الذي أعتاده.
تخيل معي: "مئة حمامة طارت من فوق الشجرة، طلعت ريح قوية، سقط منها عشرين، رجع منها خمسة وعشرين، كم بقي؟" أو "رجل اشترى عشرين بيضة، كسر منها خمسة، سقط منها ثلاثة، فقس منها أربعة... كم بقي؟". آذاني تصغي، وعقلي يبدأ فوراً في تشغيل آلة المعادلات: جمع، طرح، احتمالات... محاولاً إيجاد "س" المجهولة التي ستكشف الناتج النهائي.
لكن سرعان ما يصطدم عقلي بحائط! فالمسألة لا تخضع لقوانين الجبر أو الحساب. كيف "سقط" عشرين حمامة ثم "رجع" خمسة وعشرين؟ أليست الخمسة والعشرين جزءاً من العشرين الساقطة؟ أم أنها إضافة جديدة؟ وماذا عن البيض الذي "كُسر" و"سقط" و"فقس"؟ أيها يخص البيض السليم؟ الكلمات تتلاعب بالمعاني، والفعل "بقي" يصبح كلمة مراوغة لا تعني بالضرورة البقاء الفيزيائي، بل قد تعني "ما تبقى لنا حسابه" بطريقة ملتوية لا تخطر على بال مهندس أو عالم رياضيات.
المحاولة الأولى تكون بالشرح المنطقي: "يا عمي، إذا سقط عشرين، ورجع خمسة وعشرين، فهذا يعني أن الخمسة والعشرين هم جزء من العشرين أو إضافة، فكيف...؟". هنا تتغير نظرة التحدي إلى نظرة فيها شيء من العتب وربما الاستعلاء اللطيف. يهز الرأس مبتسماً ابتسامة تعرف أن "الأستاذ" قد وقع في الفخ: "لا يا بني، المسألة واضحة! سقط عشرين، ورجع منها خمسة وعشرين، يعني زادوا خمسة! كم بقي؟". محاولاتي لتوضيح استحالة "رجوع" عدد أكبر من الذي "سقط" تبدو كجدال عقيم أمام حكمة السن وثقة صاحب الحزورة في لغته. والانكى؟ تلك الجملة التي تُلقى كتاج على رأسي: "أنت أستاذ! أنت المفروض تفهم!"، وكأن لقب "أستاذ" يفرض عليَّ فهم منطق الكلمات المتداخلة الذي لا يقبله العقل الرياضي!
في البداية، كانت تجتاحني موجة من الغيظ الصامت. أشعر بأن الأرض انزلقت من تحت قدمي في عالم كنت أظنه ملكي (عالم الأرقام). كيف يُختبر فهمي للرياضيات بمسألة لا تحوي رياضيات؟! ولكن مع تكرار الموقف، تحول الغيظ إلى ابتسامة مستسلمة، ثم إلى تقدير لطيف لهذه الظاهرة الثقافية. أدركت أن هذه ليست اختبارات في الجبر، بل هي "حزورات" بامتياز، موروثة من زمن آخر، هدفها الأول والأخير هو اللعب بالكلمات، وإثارة الحيرة، والمتعة في إيقاع "المتعلم" في الفخ اللفظي. إنها فن شعبي ذكي يعتمد على التورية والالتباس في الدلالة اللغوية أكثر من اعتماده على الحساب. صمتي وهز الرأس لم يعودا انهزاماً، بل أصبحا اعترافاً ببراعة "الحزاّري" وانصياعاً لأدب الحديث مع الكبار، وربما تقديراً لسحر هذه الألعاب الكلامية البسيطة التي تربط الأجيال.
وها أنا ذا أتعلم من أستاذتي وزملائي كبار السن، وأقدم لكم حزورة على شاكلتهم، لعل أحداً يقع في فخها كما وقعت أنا مراراً .
الحزورة في قسم التعليقات كي لا اطيل النص كثيرا لمن يود الاطلاع عليها .