الآداء الوظيفي داخل العائلة..

لطالما كنت الفضيحة لأمي... بسبب مرضي العقلي.. ولطالما كنت.. شيئا عليه التزام الصمت لأنه مجنون.. وعليه أن يختفي بسبب صراخه المستمر في نوبات الذهان، وأن يخفي مرضه المعلن بالصراخ كي يبدو كل شيء بخير..

كان يحدث هذا حفاظا على سمعة العائلة من ضحك الناس..

مرضي انا وأبي رحمه الله لم نختر حدوثه أبدا... مرضنا قضاء من الله جاء بلحظة انفجار تفوق طاقتنا الاستيعابية..

فانفلت العقل.. وخسرنا حياتنا المؤقتة على هذا الكوكب..

لكن.. أمي كانت ترى أننا آلة.. عليها أن تكبس على زر لنوافق توقعاتها..

توقعات أمي التي تسعدها وتبقينا في خدمتها..

وهكذا.. عشنا جحيما..

جحيم الرفض وجحيم السكاكين..

جحيم الرفض الذي يصنفنا في خانة أداء وظيفي فقَدَ معناه بسبب اختلال واضح في الآداء..

وجحيم السكاكين.. التي تلقيها كلماتها الجارحة علينا.. وكأننا نستطيع لكننا لا نريد..

لم نحظى بالقبول.. ولم نحظى بالحب العائلي...

كل شيء كان يحثنا إلى الدوس على المرض وحالتنا البائسة.. غير المرئية.. مقابل خدمة المنزل وأمي..

أمي كانت تريد السعادة..

أن تركب سيارة جميلة.. أن تخرج في نزهة.. وأن تحظى بمال كافي يحفظ كرامتها..

كانت تريد دلالا يحفظ ابتسامتها.. ويمسح دمعتها..

ويبقيها في راحة وهناء..

كانت تريد أن لا تكون محل استهزاء لدى اعدائها.. وأن تضحك شماتة فيهم في كل مرة تسنح لها الفرصة بدل ان يحدث العكس..

لكنها.. حصلت على زوج وابنة من غير أهلية..

فبكت وهي تطبخ طعاما لنا.. وبكت وهي تتمنى اختفاء المرض... لتعيش كما تريد وتتمنى..

اما انا وابي.. فلم يكن بوسعنا سوى انتظار أنها ستفهم..

تفهم ان الحياة لا تعاش بالتوقعات..

ولا تعاش بتقديم الجحيم لكل من لم يوافق هذه التوقعات..

لكنها لم تفهم.. فالتزمنا الصمت.. معتقدين أننا الخطأ وأننا القاصرون في الانجاز.. وأننا نحن الجحيم بالنسبة لأمي..

لكن الحقيقة كانت.. أننا مجرد مجانين ينتظر منهم تصرفا عاقلا..

ترجمة عقل مريض..

عقلي انا.. وعقل والدي رحمه الله كان يتأرجح من غير منطق واضح..

يتأرجح في ضلالات إيمانية لا نعي وجودها، بل نلبسها قناع الحقيقة..

كنا نؤمن أننا في مهمة مستحيلة ممكنة.. تقع ضمن أفق الانقاذ العالمي.. فيرسل لنا الله إشارات علينا اتباعها خارج المنزل..

لكن.. في كل مرة نقرر فيها الخروج، كانت ترى امي أنني مجنونة عليها التوقف عن هذا من خلال بلع مزيد من الأدوية..

وكانت ترى ابي انه مجنون كذلك لكنه غير مسؤول وغير مبال بأطفاله، ويكرهها لأنه يهرب منها حسب ظنها..

وهكذا..

ما إن تمر نوبة الهروب.. حتى نجد أنفسنا في لوم وبؤس..

ثم.. وبكل تناقض نتأرجح إلى أفق مميت على شكل اكتئاب..

نؤمن من خلاله أن موتنا افضل من حياتنا.. فتصبح الضلالات الايمانية من غير منطق واضح فجأة..

يحدث هذا من غير مسافة حول كل فكرة واي فكرة.. تراودنا..

كل ما نشعر به.. هو أننا صادقون...

صادقون لأن عقولنا لا تكذب.. وأن ما رايناه في الذهان من أصوات وصور.. وروائح.. وما لمسناه بايدينا هو حقيقة..

فنحن صادقون بمرضنا.. في ظل عقل يخوننا..

في المقابل كانت ترى امي كل شيء من الخارج..

ترى صحة جسدية جيدة..

أفكارا صامتة.. بشكل غير مرئي لها..

وصراخا وبهدلة.. لا يمنحها المنطق الكافي لتفهم مرضنا من الداخل..

وهكذا..

يحكم علينا.. أننا نملك الخيار والسيطرة.. فقط نحن بحاجة للتوقف.. والتوافق مع ما تتمناه..

فيصبح كل شيء.. فوضويا حد القهر.. وغير مفهوم.. حد التشبع..

لكننا لا نملك حق الرواية من زاوية ما عشناه.. لأننا لا نملك عقولا منطقية تملك الحق في الكلام..

بل.. واجب الالتزام بالصمت.. لأننا اتعبنا من لا يعيش حالتنا..

وقهرنا.. من اضطر إلى احتضاننا..

ونزعنا الحياة من كل شخص قرر البقاء رفقتنا..

الصمت هو أدنى واجب لاحترام ما سرقناه.. من راحة بال.. ومن طمأنينة..