بين من ينتظر الحياة… ومن يركض خلفها

كنت أظنّ أن الحياة تسير بإيقاعٍ واحد، حتى دخلتُ المستشفى لأول مرة لا كمرافقة، بل كإنسانة تحتاج الرعاية.

في الخارج، كل شيء يركض: الناس، الساعات، الأيام. الكل مشغول، الكل يهرول نحو شيء لا يعرفه. الابتسامات سريعة، والاهتمام مشروط، وكأن الشعور صار ترفًا لا وقت له.

أما في الداخل، فثمة عالمٌ آخر.

في المستشفى، الزمن لا يركض… بل يتمهّل.

هناك، الوجوه تبوح قبل الكلمات. لا أحد يسأل عن وظيفتك أو نجاحك، بل يُسأل: "هل تنفّستَ اليوم جيدًا؟"

القلوب تتلاقى على صعيد الضعف المشترك، والآلام تُوحّد أكثر مما تُفرّق.

رأيت في العيون تعبًا نقيًّا، ورضًا لا يشبه الرضا الذي نتصنعه في الخارج.

تعلمت أن المرض لا يُقصي الإنسان، بل يُظهر جوهره الحقيقي… وأن الممرّض الذي يبتسم في الثانية فجراً أهم من كل من صفقوا لي يومًا خارج هذه الجدران.

خارج المستشفى، يُقاس الإنسان بما أنجز.

داخله، يُقاس بما احتمله، بما نجا منه، وبكم مرةٍ حاول أن ينهض.

خرجتُ من المستشفى بشهادةٍ غير مكتوبة، أن الحياة ليست فقط ما نعيشه، بل كيف نعيشه، ومن يحمل يدك حين لا تقوى على الوقوف.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شفاكِ الله وعافاكِ نورهان.

المرض يهذبنا ويغيرنا ويجعلنا نرى العالم بطريقة لم نكن نراها من قبل.

صدق من قال "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى".

شفاكِ الله وعافاكِ نورهان.

وصفك دقيق وبارع جداً، بالفعل الوقت مفهوم مجردن وسيره يختلف حسب حالة الإنسان..

كما أن ملحوظة ابتسامة الممرض أنها أكثر قيمة من كل مديح وحفاوة تلقاها الإنسان خارج المستشفى هي ملحوظة تحمل معاني كثيرة، وتسف احتياج الإنسان للاطمئنان والمعاملة المراعية وهو في وقت الشدة أكثر بكثير من أي احتياج لمكانته في المجتمع واحتفاء الغير به.

رأيت في العيون تعبًا نقيًّا، ورضًا لا يشبه الرضا الذي نتصنعه في الخارج.

أظن أن الرضا الذي رأيتيه هو انعكاس لرضاكِ الداخلي لأنني لا أظن أن كل من داخل المستشفى يشعر بالرضا، والله أعلم.

أظن أن الرضا الذي رأيتيه هو انعكاس لرضاكِ الداخلي لأنني لا أظن أن كل من داخل المستشفى يشعر بالرضا، والله أعلم.

أوافقك في أن بعضهم لا يشعر بالرضا ولكن ماذا سيُجدي السَخَط؟ هو مريض وشفاؤه من عند الله فكيف يتضجر على قضاء من بيده خلاصه؟

أنا لم أقل أن ذلك سيفيده، لكن أسجل واقع نعلم أنه يحدث، الرضا والتوكل نوع عميق من الإيمان، بافتراض أن الشخص تمكن منه، فذلك لا يمنع أنه قد يسخط على الخدمة العلاجية نفسها، وليس على القضاء والقدر..

فذلك لا يمنع أنه قد يسخط على الخدمة العلاجية نفسها، 

شخصيا أرى الأحرى أن يرفضها ويتخذ إجراء ضدها طالما هناك تقصير لأن السخط هو أداة لمن ليس بيده حيلة، وطالما أدفع المال فأنا أتحكم في الشيء الذي أدفع فيه هذا المال.

وطالما أدفع المال فأنا أتحكم في الشيء الذي أدفع فيه هذا المال.

ذلك غير متاح في كل وقت، فلو كنت تدفع لمحام وشعرت أنه أصبح متكاسل في منتصف قضية، من الصعب أن تشتكيه لأي جهة دون دليل واضح، كما أن من الصعب معاداة الشخص الذي لديه أسرار دفاعك وخطتك..

كما أن من الصعب معاداة الشخص الذي لديه أسرار دفاعك وخطتك..

فكر معي قليلا يا جورج: قالوا قديما أنّ أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، فلو عاديت هذا الشخص وأوهمته أنني لا أخاف منه فسيفكر مرات قبل أذيتي، الناس تحب لذة الإرهاب والذل عن لذة الأذى. لأنه لو أذاك فسيفرح مرة ولكنه لو ابتزك فهو سيفرح طوال وقت الابتزاز. وأعلم أنها حركة جريءة ومخاطرة وأحيانا متهورة لكنها أيسر الصعبين من وجهة نظري.

في الحالة دي صعب، لأن بيبقا قدامك خصم أصلاً بسببه وكلت محامي، فلما تكون بتهاجم الخصم، وتهاجم في نفس الوقت المحامي بتاعك كدا استراتيجية غلط، الهجوم مش في كل وقت أفضل وسيلة للدفاع..

اللحظات الحرجة تجعل الإنسان يتوقف عن كونه راكضًا في سباق إلى أنه إنسان يسعى فحسب في كل مناحي الحياة، عليه دور شعوري وداعم وعامل، ليس فقط مجرد آلة تعمل وتنتج.

داخله، يُقاس بما احتمله، بما نجا منه، وبكم مرةٍ حاول أن ينهض.

فعلا! المستشفيات عالم آخر غير الذي نعيشه، ويكشف عن جوهر الإنسان الحقيقي بلا تمثيليات ولا اصطناعات..