حين يُدار العمل بروح المراهقة… من نلوم؟

يمكن للإعلان أن يضخّم الأحداث أو يقلل من شأنها. وفي اغلب مجتمعاتنا ، كثيرًا ما يُعرض حدث صغير على أنه استثناء أو فضيحة، رغم أن أسبابه في الغالب معروفة: تعاطي ممنوعات، مشاكل أسرية، ضغوط اجتماعية، أو ببساطة، غياب القدوة والتوجيه.

لكن ماذا لو تجاوزنا المراهقين في المدارس، ووجهنا السؤال إلى أماكن يُفترض أنها مهنية وناضجة؟

في إحدى وظائف عملي السابقة، لم أتعلم أولًا قوانين المؤسسة أو سبل التطوير، بل تلقيت دروسًا غير مكتوبة كانت بمثابة ميثاق سري:

  • ما يحدث داخل القسم، لا يخرج منه.
  • أخطاء الزملاء تُغطى وتُعالج داخليًا.
  • لا تُظهر الخلافات، ولا تتعاون مع الأقسام الأخرى أكثر من اللازم.
  • ولا تنجز شيئًا خارج اختصاصك، كي لا يتحول إلى واجب دائم.
  • احتفظ بقلمك جيدا فقد يأخذه أحدهم

بعضهم اعتبرها قواعد ذهبية لبناء فريق متماسك، وبعضهم – وأنا منهم – لم يستطع ابتلاعها كاملة. تقبّلت ما لا يتعارض مع مبادئي، ورفضت ما بدا لي مجرد محاولة لإخفاء القصور.

في ذلك الوقت، كنت شابًا في السادسة والعشرين، أعمل مع زملاء من المسؤولين الشباب(كنت مهندسا حينها) . كنا قريبين في السن، فكانت البيئة مريحة نسبيًا. حتى عدد العمال كان قليلا، والفريق الذي تحت قيادتي يتكون من شخصين وثلاث زملاء احدهم خبرته اقل من سنة والآخران تقريبا عشرة سنوات. لكن الأمور كانت تتغيّر كليًا مع دخول موظف جديد من فرع آخر، يحمل معه "ثقافته المؤسسية" الخاصة، ويريد فرضها علينا. كلما ازداد عدد الأشخاص، ازدادت الصراعات وتفرّقت النوايا.

خمس سنوات، انتقلت بعدها إلى وظيفة جديدة، وكان الجو مختلفًا. الجميع ودودون... حتى تقترب من مصالحهم الخاصة. هنا ينقلب الهدوء إلى توتر، والابتسامة إلى تحفظ. لم أعد أقدم مساعدة إضافية، حتى لو كنت قادرًا؛ لأن التجربة علمتني أن كل مجهود زائد قد يتحول إلى عبء دائم. لدي مهامي المحددة، وأستغل وقت فراغي لنفسي، لا أكثر.

لكن ما أذهلني فعلًا هو أن سلوك "المراهقة" لا يختفي بمجرد أن نكبر. بل ربما يتجلى بوضوح أكثر حين لا يكون هناك من يراقب.

ألسنا نرى في بعض الإدارات روح العصابة بدلًا من روح الفريق؟ ألا نحاول تبرير الأخطاء بدل تصحيحها؟ أليس كثير من البالغين يختبئون وراء شعارات "السرية" و"الولاء" وهم يمارسون الفوضى؟

كل هذا يعيدني إلى معنى المراهقة، لا بوصفها مرحلة عمرية، بل كحالة من غياب التوجيه والهوية. في الغرب، يُعتبر المراهق فردًا يبحث عن ذاته. أما عندنا، فليس أمامه دائمًا بيئة تدعمه، أو مؤسسات تحتضنه.

وحتى نظرتنا للمراهق تختلف كثيرًا عن نظرتهم؛ هناك يُترك ليستكشف ذاته، وهنا يُحاكم قبل أن يعرف من هو أصلًا.

ننتقد مراهقي المدارس، لكن قلّما نسأل: ماذا عن أولئك الذين غادروا مقاعد الدراسة مبكرًا؟ من يُوجّههم؟ من يُفرّغ طاقتهم؟

ربما أجمل ما تعلمته في تلك المرحلة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأقتبس

"إذا لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل."

الشباب يملكون ما لا يملكه غيرهم: وقت، طاقة، دافع. لكنهم لا يملكون شيئًا أهم: التوجيه. لا أحد يعيش في الفراغ، فإن لم نجد لهم البديل، اختاروه هم، وغالبًا ما يكون بديلًا مؤلمًا.

يمكننا أن نُشغلهم بالرياضة، بالفن، بأنشطة تطوعية، برحلة شهرية تخرجهم من دوامة الملل. ليس الأمر معجزة، بل مجرد نية صادقة وتنظيم.

ولا ننسَ الوازع الديني، الذي يغرس قيمة الضمير في غياب الرقيب. لسنا مجتمعات فردية. نحن كالنمل، لا يعيش الفرد منا وحده، ولا ينجو وحده. في مجتمعاتنا، لا الأم العزباء تشبه تلك التي في أوروبا، ولا المعلم هو مجرد موظف. نحن شعوب لها طريقتها في تربية الأجيال، وفي الوقت نفسه، لها نصيبها من الإهمال، والتقصير.

حين نتحدث عن مرحلة المراهقة – سواء في عمرها الحقيقي أو حين تمتد حتى العمل والوظيفة – فنحن لا نناقش أفرادًا، بل جيلًا كاملًا يمكن أن يُصلح أو يُهدم بين فترة حرجة . إنها مرحلة تصنع أو تكسّر.

هل نحن فعلاً نعاني من مراهقة عمرية؟ أم أن مجتمعاتنا تعاني من مراهقة مؤسساتية لا تعترف بالنضج حتى بعد الثلاثين؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ولا حتى بعد الثلاثين، أعدتني لموقف كان مع زميلة في مقتبل الخمسين، واضطرنا العمل على أن نعمل على مشروع سويا، كنا خمسة أفراد، عملنا ولأني أنا وزميلة أخرى من حضرنا اجتماع هذا المشروع نعلم كل التفاصيل وما هو المطلوب، قسمنا العمل والاثنان المسؤولين عن تحضير الأساسيات سلموا عملا ضعيفا هذا، قدمنا رأينا بأسلوب لطيف حرصا على مشاعرهم. لكنهم تمسكوا برأيهم، أخبرناهم أننا سنعدل الأجزاء الخاصة بنا وفقا لما شاركنا معهم، وفعلنا وكانت نتائج العمل كما يجب بالنسبة لنا عندما شاركناهم تعديلاتنا انتقدوها ولكن صممت عليها لأن هذا هو المطلوب بالفعل، بعد أن اشتغلنا على أجزائنا اكتشفوا ضعف أجزائهم وبدأوا بوقت متأخر بالتعديل، وبنفس يوم التسليم، تفاجئت بهذه الزميلة الأكبر سنا وخبرة المفترض تعيد تقسيم الأجزاء وتعطيني أجزاء بخلاف الجزء الذي تعبت عليه وجهزته، طلبت منها بكل احترام رغم عدم وجود سلطة لها أو دور إشرافي أن يبقى جزئي كما هو لأني جهزته وأفهم به كل تفصيلة وانتهى الحوار، نفاجىء عند عرض المشروع أنها حذفت جزئي وجزء الزميلة الثانية من العرض، بدأنا نبحث عن نسخة أخرى بها أجزائنا والحمد لله وصلنا وعرضنا وكانت أجزائنا ممتازة وحتى أجزائهم بعد أن عدلوها وفقا لتعديلاتنا كانت أفضل، والنتيجة أن مشروعنا كان الأفضل وجزئي تحديدا أشادت به المديرة وتقييمه كان الأعلى، الخلاصة تصرفها كان مراهقا جدا ذكرني بطلاب الجامعة وقت كنا نجري أبحاث كمجموعات، ناهيك عن أسلوبها نفسه الذي انتقده جميع الحضور، فمراهقة السلوك ظاهرة نابعة من سلوك وأخلاق الشخص بصرف النظر عن المؤسسة نفسها

سترين أكثر من ذلك، في غالب الوقت لا نختار زملائنا في العمل، لا تثقي بزملائك كل الثقة ولا تكوني متزمتتة. المرونة مهارة والإحتياط واجب.

إذا لم يعش الشخص مرحلة معينة في حياته بطريقة سوية وأخذ كل احتياجاته وطلباته فربما يعلق في تلك المرحلة ذهنيًا لفترة طويلة قد تمتد لسنوات، ولن يُخرجه من ذلك سوى العلاج النفسي في الغالب، لذلك قد ترى أشخاص بالغين يتصرفون تصرفات مراهقين.

حديثك عن الجو العام بالعمل وتأثيره على سلوك الفرد ذكرني بقريبة لي لم تستطع استكمال العمل بمكان ما بسبب جوه العام القائم على المكائد وتركته لتعمل بمكان آخر به نظام واحترام وطريقة جيدة بالمعاملات.

لو تطرقنا للعلاج النفسي فلا اعتقد أن اي احد منا لا يخلو من عقدة نفسية، هناك أمور خارج سيطرتنا علينا تقبلها وهناك أمور تحتاج لتفسير وتوضيح، وهناك أماكن لا يجب أن نقصدها، وإذا صادف وجودنا فيها فلنحاول قدر الإمكان النجاة بأسرع فرصة، فالبقاء فيها كثير سيوسخ ثيابك.